يحيى برزق عدسة أطفأت الحرب نورها!

يحيى برزق عدسة أطفأت الحرب نورها!
استشهد المصوّر الغزّي يحيى برزق قبل أشهر في قصف استهدف دير البلح، بعد نزوحه من غزة بحثاً عن أمانٍ لم يجده.
استشهد المصوّر الغزّي يحيى برزق قبل أشهر في قصف استهدف دير البلح، بعد نزوحه من غزة بحثاً عن أمانٍ لم يجده. كان يدير Yahya Barzaq Studio ومتخصّصاً في تصوير المواليد، ثم حوّل عدسته خلال الحرب إلى توثيق ضحاياها، خصوصاً الأطفال الذين صوّرهم أحياءً ثم ودّعهم أكفاناً
لقد استُشهد مصوّر الأطفال في غزة يحيى برزق، ذاك الذي اعتاد أن يضع الإشارات السوداء على صور الصغار الذين ارتقوا شهداء، بعدما كان قد التقط لهم من قبل صوراً ملوّنة بالحياة. اليوم، جاء دورنا نحن لنضع الإشارة السوداء على صورته هو، بعدما اغتالته طائرات الغدر الصهيونية.
لم يكن يحيى يعلم، حين حمل أمتعته وغادر مدينته غزة نازحاً، أنّ الموت الذي هرب منه سيلقاه في مكان آخر، في دير البلح التي اعتقدها أكثر أمناً، فإذا بها تكون محطّ رحلته الأخيرة.
استشهد برزق مساء الإثنين 30 أيلول (سبتمبر) 2025، على إثر قصف استهدف مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، ليرتقي مع أربعة مدنيين آخرين كانوا في محيط شارع البيئة غرب المدينة.
مصوّر استثنائي
يحيى برزق لم يكن مجرد مصوّر عادي؛ كان مصوّراً فلسطينيّاً استثنائيّاً، مختصّاً بتصوير المواليد، يدير محلّه الخاص Yahya Barzaq Studio في غزة. لقد امتاز عمله بالاحترافية والإبداع، وبلمسة إنسانية جعلت صوره تنبض دفئاً وبهجة، حتى صار اسمه واحداً من أبرز الأسماء في هذا المجال داخل القطاع.
ومع الحرب، تحوّلت عدسته من تصوير ولادة الحياة إلى توثيق موتها. لم يتردد في حمل كاميرته إلى خطوط النار، لينقل للعالم صوراً تنطق ببراءة الضحايا، وتفضح وحشية القاتل. قبل عام تقريباً، عبّر في حديث لـ«الأخبار» عن أسى قلبه، قائلاً: «الأطفال الذين التقطنا لهم صوراً جميلة، أصبحنا نشاهد صورهم بالأكفان، ولم يبقَ في غزة أطفال نصوّرهم»!
كان يرى في كل صورة شهقة حياة، وفي كل ابتسامة طفل معنى للاستمرار، لكن الحرب سرقت حتى هذه اللحظات. وفي آخر مقابلاته معنا، صرّح بحزن عميق: «لم أحتمل حياة النزوح، أتت عليّ أيام خلال هذه الحرب لم أكن في حالة جيدة، كنت مدمّراً، حتى إنّي كنت أنام وأنا أشعر أنّي لن أصحو مجدداً».
نجا يحيى من النزوح الأول، لكن الموت أدركه في النزوح الثاني. كأنّ قلبه كان يقرأ نهايته، وكأنّ حدسه كان يهمس له أن المرة القادمة ستكون الأخيرة. وها هو يرحل شهيداً مكرّماً، تاركاً وراءه صوراً ستظل شاهداً على وجع غزة، وعدسة أطفأتها الحرب، لكنها ستبقى منقوشة في ذاكرة الأرض.
فاجعة هزّت القلوب
لم يكن رحيل يحيى حدثاً عابراً في ذاكرة الناس، بل فاجعة هزّت قلوب الآلاف داخل غزة وخارجها. فقد غصّت مواقع التواصل الاجتماعي بصوره وكلماته الأخيرة، وتحوّلت صفحاته الشخصية إلى دفتر عزاء مفتوح، يكتب فيه الأصدقاء والزملاء والغرباء على حدٍّ سواء كلمات رثاء تختصر محبة الناس له ووجعهم على فراقه. بكاه الأطفال الذين التقط لهم صوراً في لحظات فرح، وبكاه الأهالي الذين عرفوه قريباً منهم، شريكاً في ابتسامات صغارهم، وشاهداً على مأساتهم الكبرى.
وانهمرت التعليقات التي تنعى وترثي يحيى من كل مكان؛ إذ رآه كثيرون ضمير الصورة الفلسطينية وصوت الطفولة الذي لم يهادن الموت. كتب صحافيون ومصورون من مختلف بقاع العالم عن إنسانيته ومهنيته، وأشادوا بشجاعته في جعل عدسته درعاً للضعفاء والمظلومين. أما أبناء غزة، فاعتبروا أنّ رحيله لم يُطفئ نوره، بل أضاء اسماً سيبقى خالداً في ذاكرة المدينة التي أحبّها، وفي قلوب من تابعوا رحلته حتى اللحظة الأخيرة.
لقد كتب أحد أصدقائه: «رحلتَ يا يحيى، لكن صورك ستبقى تنطق باسم غزة وطفولتها، لن ننسى ابتساماتك ولا دموعك التي خبأتها خلف الكاميرا». وقالت أمّ فقدت طفلها: «كنتَ أول من التقط لصغيري صورة الحياة، وها أنت اليوم شهيد مثله، ستبقى أخاً لكل أمٍّ ثكلى»، بينما كتب مصوّر من لبنان: «فقدنا زميلاً شجاعاً لم يعرف الخوف، جعل من الصورة أمانة للتاريخ».
أما أحد متابعيه من أوروبا، فدوّن قائلاً: «لم أعرفه شخصيّاً، لكنني عرفت قلبه عبر عدسته. فقد العالم إنساناً نادراً». وختم شاب من غزة تعليقه بكلمات مؤثرة: «غزة تبكيك يا يحيى… وطفولتها صارت يتيمة بلا عدستك!».
رحل يحيى، لكن صوره باقية. كل ابتسامة التقطها ستبقى شاهداً على أن غزة رغم الدم والدمار، كانت ولا تزال أرض الحياة. استُشهد المصوّر، لكن عدسته لم تُكسر، فقد تحوّلت إلى ذاكرة جماعية تحكي للأجيال أنه في زمنٍ كان فيه الموت حاضراً، وُجد رجل اسمه يحيى برزق، جعل من الكاميرا سلاحاً، ومن الصورة شهادة، ومن الطفولة وطناً صغيراً قاوم حتى النهاية.





