يوم التشغيل الوطني في فلسطين: اقتصاد مأزوم وسوق عاجز عن استيعاب العاطلين عن العمل

يوم التشغيل الوطني في فلسطين: اقتصاد مأزوم وسوق عاجز عن استيعاب العاطلين عن العمل
بقلم رئيس التحرير
يأتي تنظيم يوم التشغيل الوطني في فلسطين، يوم الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمبادرة من وزارة العمل وبالتعاون مع مجالس التشغيل والشركاء المحليين، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني أوضاعاً بالغة الصعوبة، تتسع معها دائرة البطالة والفقر، وتتراجع قدرة السوق المحلية على توفير فرص عمل جديدة، في ظل تداخل الأزمات السياسية والاقتصادية، واستمرار القيود المفروضة على الحركة والعمل والتجارة، وتضرر المنشآت الإنتاجية والخدمية، وتراجع الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ولم تعد الأزمة تقتصر على الخريجين الجدد أو الباحثين عن فرص عمل، بل امتدت إلى أصحاب المصالح الصغيرة والعمال وأسرهم، مع إغلاق مئات المحلات التجارية والورش الصغيرة، واضطرار عدد من المطاعم والمنشآت الخدمية إلى إغلاق أبوابها أو تقليص أعمالها، نتيجة تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع حركة الأسواق، وصعوبة الوصول إلى الزبائن ومصادر التوريد في عدد من المناطق.
ويعكس هذا الواقع أزمة اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود البطالة التقليدية؛ إذ يفقد العامل مصدر دخله، ويخسر صاحب المنشأة قدرته على الاستمرار، بينما تتراجع قدرة السوق المحلية على استيعاب آلاف العاطلين عن العمل، في وقت تتزايد فيه أعداد الباحثين عن الوظائف وتتقلص فيه الفرص المتاحة. وهذا الاختلال يفرض ضرورة الانتقال من المبادرات المحدودة إلى سياسة وطنية شاملة تستهدف إنعاش الاقتصاد وحماية فرص العمل القائمة وخلق فرص جديدة.
يوم التشغيل بين المبادرة والنتائج
لا شك أن يوم التشغيل الوطني يوفر فرصة للتواصل المباشر بين الباحثين عن عمل وأصحاب المنشآت، ويسهم في التعريف بالشواغر المتاحة واحتياجات سوق العمل، وربط المؤهلات العلمية والمهنية بالفرص الممكنة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تقاس بعدد المشاركين أو السير الذاتية المقدمة، وإنما بمدى قدرتها على تحويل فرص التوظيف المعلنة إلى عقود عمل فعلية، ووظائف مستقرة، ودخل لائق يحفظ كرامة العامل وحقوقه.
ففي سوق تعاني انكماشاً اقتصادياً وإغلاقاً للمنشآت وتراجعاً في الاستثمار، لا يكفي تحسين آليات المطابقة بين الباحثين عن العمل وأصحاب العمل، ما لم تتوافر وظائف حقيقية قابلة للاستمرار. والتشغيل لا ينفصل عن قدرة الاقتصاد على الإنتاج، ولا يمكن لوزارة العمل وحدها أن تعالج أزمة تتصل بالاستثمار والتجارة والتمويل والحركة الاقتصادية والقدرة الشرائية.
ومن هنا، ينبغي أن يشكل يوم التشغيل بداية لمسار مستدام، لا فعالية موسمية تنتهي بانتهاء اللقاءات والمقابلات.
البطالة نتيجة أزمة اقتصادية بنيوية
تتداخل أسباب البطالة في فلسطين بين الظروف السياسية والقيود المفروضة على الحركة والعمل، وتراجع النشاط التجاري والإنتاجي، وضعف الاستثمار، وصعوبة حصول المشاريع الصغيرة والمتوسطة على التمويل، فضلاً عن الفجوة القائمة أحياناً بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل.
وتزداد خطورة هذه الأزمة عندما تفقد المنشآت القائمة قدرتها على الاستمرار؛ فكل محل تجاري أو ورشة صناعية أو مطعم يغلق أبوابه لا يعني خسارة مشروع اقتصادي فحسب، بل يعني أيضاً فقدان وظائف مباشرة وغير مباشرة، وتراجع دخل الأسر، وانخفاض الطلب على السلع والخدمات، بما يفاقم الركود ويزيد صعوبة تعافي السوق.
كما يواجه الخريجون الشباب معضلة الحصول على الخبرة المطلوبة، في حين لا تتوافر لهم فرص كافية لاكتسابها، وتتحمل النساء والأشخاص ذوو الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة أعباء إضافية في الوصول إلى سوق العمل. وهذا يستدعي برامج تشغيل تراعي العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتربط التدريب باحتياجات فعلية لدى أصحاب العمل.
حماية المنشآت الصغيرة أولوية وطنية
إن معالجة البطالة لا تبدأ فقط بالبحث عن وظائف جديدة، بل تبدأ أيضاً بالحفاظ على الوظائف القائمة ومنع المزيد من المنشآت من الإغلاق. فالمحلات التجارية والورش والمطاعم والمشاريع العائلية تمثل جزءاً مهماً من النسيج الاقتصادي المحلي، وتوفر مصادر دخل لشرائح واسعة من المواطنين.
ومن الضروري وضع برامج عملية لدعم هذه المنشآت، تشمل تسهيلات ائتمانية ميسرة، وإعادة جدولة الالتزامات المالية وفق ضوابط واضحة، وتخفيف الأعباء الإدارية حيثما أمكن، وتقديم حوافز مرتبطة بالحفاظ على العمال أو إعادة تشغيلهم، إلى جانب تشجيع شراء المنتجات المحلية ودعم سلاسل التوريد والإنتاج الوطني.
كما ينبغي تطوير برامج تدريب مهني وتقني مرتبطة باحتياجات القطاعات الاقتصادية، وتوفير حوافز لأصحاب العمل الذين يستوعبون الخريجين والباحثين عن وظائف، شريطة أن تكون فرص العمل حقيقية، وأن تحترم الحد الأدنى من الحقوق العمالية، وألا تتحول برامج الدعم إلى وظائف مؤقتة لا تحقق استقراراً مهنياً أو اجتماعياً.
الشفافية والمساءلة شرط لقياس النجاح
تقتضي المسؤولية العامة أن تعلن وزارة العمل نتائج يوم التشغيل الوطني بصورة واضحة، تشمل عدد الشواغر الفعلية، وطبيعة الوظائف، والأجور وشروط التعاقد، وعدد الذين جرى توظيفهم وباشروا العمل، ونسبة استمرارهم في وظائفهم بعد ثلاثة وستة أشهر.
كما ينبغي نشر بيانات دورية عن أثر برامج التشغيل، ومدى استفادة الفئات المستهدفة منها، وتحديد العقبات التي تحول دون تحويل طلبات التوظيف إلى فرص فعلية. ويمكن لمنصات التوظيف الإلكترونية، ومنها منصة «JobMatch»، أن تؤدي دوراً مسانداً في ربط الباحثين عن عمل بأصحاب المنشآت، شريطة تحديث البيانات والتحقق من جدية الإعلانات وتوفير معلومات دقيقة عن الوظائف وشروطها.
إن الشفافية ليست إجراءً إدارياً شكلياً، بل أداة لتقييم السياسات العامة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتحديد ما تحقق وما يحتاج إلى تصحيح.
من التشغيل المؤقت إلى التعافي الاقتصادي
إن المطلوب خطة وطنية متكاملة لمكافحة البطالة، تتجاوز حدود وزارة العمل إلى شراكة فعلية بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات التدريب والهيئات المحلية والمؤسسات المالية. وينبغي أن تتضمن هذه الخطة أهدافاً قابلة للقياس، وجداول زمنية واضحة، وبرامج لدعم المنشآت المتعثرة، وتوسيع التدريب المهني، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، وربط التعليم باحتياجات السوق.
ولا يمكن إغفال أثر القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، وما تسببه من تعطيل للنشاط الاقتصادي ورفع للتكاليف وإضعاف للقدرة التنافسية للمنشآت الفلسطينية. ولذلك، فإن إنعاش سوق العمل يتطلب أيضاً العمل على تيسير الحركة التجارية، وحماية المنشآت، وتوفير بيئة تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي وتوسعه.
خلاصة القول: إن يوم التشغيل الوطني يمثل فرصة مهمة، لكن نجاحه الحقيقي مرهون بقدرته على الانتقال من الإعلان عن الفرص إلى خلق وظائف مستدامة، ومن تنظيم المقابلات إلى معالجة أسباب البطالة، ومن المبادرات المؤقتة إلى سياسة اقتصادية تحمي المنشآت القائمة وتعيد تشغيل المتعثر منها وتفتح المجال أمام استثمارات ومشاريع إنتاجية جديدة.
ففي ظل تراجع النشاط الاقتصادي وإغلاق المحلات والورش والمطاعم، لم يعد المطلوب مجرد البحث عن وظائف لآلاف العاطلين عن العمل، بل معالجة الأسباب التي أدت إلى فقدان الوظائف أصلاً. والتشغيل ليس ملفاً إدارياً منفصلاً عن الاقتصاد، وإنما قضية وطنية ترتبط بالكرامة الإنسانية، ومكافحة الفقر، والاستقرار الاجتماعي، وقدرة الشباب على بناء مستقبلهم في وطنهم. ومن هنا، فإن معيار النجاح ليس عدد الفعاليات التي ننظمها، بل عدد فرص العمل التي نخلقها ونحافظ عليها، ومدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين وواقعهم الاقتصادي.
