
كازاخستان واتفاقيات أبراهام: إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في قلب آسيا الوسطى
بقلم رئيس التحرير
أعلنت جمهورية كازاخستان في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2025 انضمامها رسميًا إلى ما يُعرف بـ”اتفاقيات أبراهام”، لتكون أول دولة من آسيا الوسطى ومن فضاء الاتحاد السوفيتي السابق تلتحق بهذا الإطار السياسي الذي رعته الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. وقد قُدمت الخطوة غربيًا في إطار دعم “السلام والاستقرار الإقليمي”، إلا أن سياقها الجيوسياسي الأوسع يكشف عن أبعاد تتجاوز السردية الدبلوماسية التقليدية.
على المستوى الرسمي، حرصت أستانا على التأكيد أن قرارها يعكس “مصالحها الوطنية”، وأنه لا يتعارض مع دعمها لحل الدولتين ومرجعيات القانون الدولي المتصلة بالقضية الفلسطينية. هذا الخطاب يهدف إلى طمأنة الداخل الكازاخستاني والشركاء الإقليميين، بما يحافظ على سياسة التوازن التي اعتمدتها البلاد منذ استقلالها، وتجنّب القراءة التي ترى في الخطوة انحيازًا سياسيًا حادًا.
ومع ذلك، فإن انضمام كازاخستان لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في الاستراتيجية الأميركية تجاه آسيا الوسطى. فالولايات المتحدة تعمل منذ سنوات على تقليص نفوذ روسيا والصين وإيران في هذه المنطقة الحيوية، وتوظف أدوات سياسية واقتصادية وأمنية لتحقيق هذا الهدف. ويأتي توسيع اتفاقيات أبراهام ليشكل إحدى هذه الأدوات، من خلال تحويلها من إطار شرق أوسطي إلى منصة سياسية عابرة للأقاليم.
استهداف إيران ومحاولة إعادة توجيه الجغرافيا التجارية
أحد أبرز الأبعاد التي أشار إليها مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية التابع للجيش الأميركي يتمثل في تقويض الدور الجيوسياسي لإيران عبر دعم “الممر الأوسط”، وهو مسار تجاري بين الصين وأوروبا يمر عبر آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا، متجاوزًا الأراضي الإيرانية. الهدف ليس تنويع طرق التجارة فحسب، بل إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية بطريقة تحد من دور طهران كحلقة وصل بين الشرق والغرب.
تفكيك تاريخ النفوذ الروسي
البعد الروسي حاضر بقوة في خلفية القرار. فلطالما اعتُبرت آسيا الوسطى مجالًا حيويًا للنفوذ الروسي تاريخيًا، بحكم الجغرافيا والاقتصاد والروابط الأمنية. ومن منظور واشنطن، فإن إدخال أستانا في إطار سياسي جديد يحدّ من الاتكاء الكازاخستاني على موسكو، ويفتح المجال أمام تنويع الشركاء والداعمين، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.
اقتصاد التطبيع: من النفط إلى التكنولوجيا
يتكامل البعد الاقتصادي مع السياسي بطريقة عضوية. فكازاخستان تعد رابع أكبر مورد للنفط الخام إلى إسرائيل عام 2023، بعلاقة تجارية تجاوزت 340 مليون دولار، علاوة على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لعام 2018. كما عكست قمة C5+1 التي عقدت في واشنطن توقيع اتفاقيات بقيمة تقارب 17 مليار دولار مع الولايات المتحدة في مجالات استراتيجية عدة، ما يشير إلى اهتمام أميركي متزايد بالمنطقة ليس بوصفها سوقًا واعدة فحسب، بل باعتبارها موقعًا جغرافيًا قادرًا على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
البعد الدولي الأوسع: فنزويلا واليمين الإنجيلي المتصهين
لا يمكن فهم التحول الكازاخستاني بمعزل عن التطورات الدولية الأوسع، لا سيما في أميركا اللاتينية، حيث شهد العالم مؤخرًا اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومحاولات فرض حقائق سياسية جديدة على الواقع الداخلي. ويقرأ عدد من المحللين هذه الخطوات ضمن محاولات إعادة هندسة النظام الإقليمي والدولي وفق رؤية اليمين المسيحي المتصهين في الولايات المتحدة، والذي يتمتع بنفوذ مؤثر، خصوصًا بين التيارات الإنجيليكية المتصلة بإسرائيل وبمصالحها الاستراتيجية.
وقد انعكس هذا التأثير بوضوح على سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء فيما يتعلق بالقدس والجولان أو توسيع دائرة اتفاقيات أبراهام، بما يتماشى مع المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية ويمكّن واشنطن من فرض روايات جيوسياسية جديدة في مناطق مختلفة من العالم، من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى، مرورًا بأميركا اللاتينية.
كتلة إقليمية موالية لواشنطن؟
تشير بعض التحليلات إلى أن كازاخستان قد تكون مقدمة لمحاولات ضم دول أخرى من آسيا الوسطى والقوقاز، مثل أوزبكستان وأذربيجان، لتشكيل كتلة إقليمية داعمة للنفوذ الأميركي، وتعمل كحاجز جيوسياسي يفصل بين روسيا وإيران، ويحدّ من توسع النفوذ الصيني. وبهذا تصبح آسيا الوسطى محورًا لإعادة توزيع النفوذ الدولي باستخدام أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية متعددة.
خاتمة تحليلية
في المحصلة، يمثل انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات أبراهام تحولًا نوعيًا في طبيعة الاتفاقيات نفسها، من إطار إقليمي محدود إلى أداة استراتيجية ذات امتداد عالمي. أما أستانا، فهي تواجه اختبارًا دقيقًا للحفاظ على سياسة التوازن متعدد المحاور التي اعتمدتها منذ الاستقلال، في زمن دولي يتجه نحو الاستقطاب. وبين مصالح واشنطن وموسكو وبكين وطهران، يبقى السؤال: هل ستتمكن كازاخستان من تحويل هذا التحول إلى مكسب استراتيجي، أم أن المنطقة تتجه نحو تشكّلات سياسية وجيو-اقتصادية جديدة يصعب التنبؤ بنتائجها؟



