الفلسطينيون بين الاحتلال الإحلالي وتفكيك مقومات البقاء: حرب على الإنسان والأرض والمؤسسات

الفلسطينيون بين الاحتلال الإحلالي وتفكيك مقومات البقاء: حرب على الإنسان والأرض والمؤسسات
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، يواجه الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر السياسات الاستعمارية والإحلالية قسوة وتعقيداً في العصر الحديث، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على السيطرة العسكرية والأمنية، بل امتدت لتطال مختلف تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، في محاولة ممنهجة لتفكيك المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على الصمود والبقاء.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن الفلسطيني بات مستهدفاً في أمنه الشخصي، ولقمة عيشه، وحقه في التعليم والصحة والسكن والعمل والتنقل، في ظل سياسات تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً ومؤسساتياً، بما يهدد مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
الاحتلال الإحلالي وسياسة تفريغ الأرض
يرى مراقبون أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية يتجاوز مفهوم الاحتلال التقليدي إلى نموذج “الاحتلال الإحلالي”، القائم على السيطرة على الأرض وإحلال المستوطنين مكان السكان الأصليين، عبر مصادرة الأراضي، وتوسيع الاستيطان، وهدم المنازل، وفرض القيود على البناء والتوسع العمراني الفلسطيني.
وفي الضفة الغربية والقدس، تتواصل عمليات الاستيطان بوتيرة متسارعة، بالتوازي مع تصاعد أوامر الهدم والإخلاء، خاصة في المناطق المصنفة “ج”، والأحياء المقدسية، والأغوار الفلسطينية، بهدف خلق وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة على الأرض.
ويؤكد خبراء قانونيون أن هذه السياسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة أو تدمير الممتلكات الخاصة للسكان الواقعين تحت الاحتلال.

حرب اقتصادية تستهدف مقومات الصمود
إلى جانب التضييق الأمني، يواجه الفلسطينيون أزمة اقتصادية خانقة نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والتجارة والمعابر، إضافة إلى سياسة حجز أموال المقاصة الفلسطينية، التي تمثل العمود الفقري للموازنة العامة للسلطة الفلسطينية.
وتؤدي عمليات اقتطاع أموال المقاصة أو تأخير تحويلها إلى تفاقم الأزمة المالية، ما ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة الفلسطينية على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية، وسط تحذيرات من تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة.
كما يعاني الاقتصاد الفلسطيني من معدلات بطالة وفقر مرتفعة، في ظل إغلاق الأسواق، وتقييد الاستثمار، ومنع الوصول الحر إلى الموارد الطبيعية، خاصة في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل النسبة الأكبر من مساحة الضفة الغربية.
ويؤكد اقتصاديون أن استمرار هذه السياسات يهدف إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني تابعاً وعاجزاً عن تحقيق التنمية المستقلة، بما يضعف قدرة الفلسطينيين على الصمود فوق أرضهم.
استهداف التعليم والصحة
لم تسلم المؤسسات التعليمية والصحية الفلسطينية من تداعيات الاحتلال، حيث تتعرض المدارس والجامعات لإغلاقات واقتحامات متكررة، إضافة إلى القيود المفروضة على حركة الطلبة والمعلمين، خاصة في القدس والمناطق المحاصرة والجدار والمناطق الريفية.
كما تعاني الجامعات الفلسطينية من أزمات مالية خانقة، في ظل تراجع الدعم وغياب الاستقرار المالي، ما يهدد استمرارية العملية التعليمية وجودتها.
وفي القطاع الصحي، يواجه الفلسطينيون نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وصعوبات في حركة المرضى والطواقم الطبية، إلى جانب استهداف البنية التحتية الصحية، خاصة في قطاع غزة، حيث أدى الحصار والحروب المتكررة إلى إنهاك النظام الصحي بشكل غير مسبوق.
ويحذر مختصون من أن ضرب قطاعي التعليم والصحة لا يستهدف الخدمات فقط، بل يستهدف أساس المكون الوطني الفلسطيني، باعتبارهما ركيزتين لبناء الإنسان والحفاظ على الهوية الوطنية والاستقرار المجتمعي.
محاولات إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية
في موازاة ذلك، تواجه مؤسسات السلطة الفلسطينية ضغوطاً متزايدة تهدد قدرتها على الاستمرار وأداء وظائفها، سواء عبر الحصار المالي أو القيود المفروضة على الحركة والعمل، أو من خلال استهداف البنية الإدارية والاقتصادية التي تقوم عليها السلطة.
ويرى محللون أن إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية يهدف إلى خلق حالة من الفراغ والفوضى وعدم الاستقرار، بما يفتح المجال أمام فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تخدم الرؤية الإسرائيلية القائمة على إدارة السكان دون تمكينهم من ممارسة سيادتهم الوطنية.
كما أن استمرار الأزمة المالية الناتجة عن احتجاز أموال المقاصة، إلى جانب تراجع الدعم الدولي، يضع المؤسسات الفلسطينية أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
القدس وغزة في قلب الاستهداف
وفي القدس، تتصاعد سياسات التهويد وتغيير الطابع الديموغرافي والثقافي للمدينة، عبر تكثيف الاستيطان، وسحب الهويات، وفرض الضرائب الباهظة، والتضييق على المؤسسات المقدسية.
أما قطاع غزة، فيعيش أوضاعاً إنسانية كارثية نتيجة الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي، حيث يواجه السكان نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والكهرباء والرعاية الصحية، وسط دمار واسع للبنية التحتية ومرافق الحياة الأساسية.
ويرى مراقبون أن ما يجري في غزة والضفة والقدس يشكل جزءاً من سياسة متكاملة تستهدف وحدة الجغرافيا الفلسطينية والهوية الوطنية الجامعة.
المجتمع الدولي بين العجز والصمت
ورغم صدور عشرات القرارات الدولية التي تؤكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، إلا أن الفلسطينيين ما زالوا يواجهون واقعاً يتسم بضعف المساءلة الدولية واستمرار غياب آليات فعالة لإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
ويطالب فلسطينيون ومؤسسات حقوقية المجتمع الدولي بالتحرك الجاد لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، ووقف سياسات العقاب الجماعي والاستيطان وهدم المنازل والحصار المالي والاقتصادي.
كما يؤكد حقوقيون أن استمرار الصمت الدولي يمنح الاحتلال مساحة أوسع لمواصلة سياساته على الأرض، الأمر الذي يهدد فرص السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها.
معركة البقاء والصمود

ورغم حجم التحديات، يواصل الفلسطينيون التمسك بأرضهم ومؤسساتهم وهويتهم الوطنية، في معركة صمود يومية تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
ويؤكد مراقبون أن قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على مؤسساتهم التعليمية والصحية والوطنية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة مشاريع التهجير والتفكيك، وأن تعزيز صمود الإنسان الفلسطيني يبقى العامل الحاسم في مواجهة سياسات الاحتلال الإحلالي.
وفي ظل استمرار التصعيد، تبقى القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق خطير، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل المنطقة، وقدرة المجتمع الدولي على وقف الانتهاكات وحماية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.





