واشنطن تذبح قسد.. هل بدأت أمريكا إعادة رسم سوريا من الداخل؟..

واشتطن تذبح قسد.. هل بدأت أمريكا إعادة رسم سوريا من الداخل؟..
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
لم يكن إعلان مظلوم عبدي عن حلّ “قوات سوريا الديمقراطية” مجرد قرار عسكري يُنهي وجود قوة مسلحة طالما أثارت غضب تركيا وقلق دمشق. إن قراءة القرار بهذه الطريقة تعني تجاهل ما يجري خلف الكواليس.
فـ”قسد” التي حظيت لسنوات بالدعم الأمريكي، والتي تحولت إلى إحدى أهم أدوات واشنطن في شمال شرق سوريا، لا يمكن أن تختفي من المشهد بقرار مُفاجئ من دون أن تكون هناك حسابات أمريكية وإقليمية أكبر..
فهل تخلت واشنطن عن “قسد”؟ أم أنها قررت أن الوقت حان لاستخدام الورقة الكردية بطريقة مختلفة؟..
ربما تكون الحقيقة أكثر تعقيداً.
أمريكا لا تتخلى عن أوراقها… بل تغيّر طريقة استخدامها.
عندما دعمت الولايات المتحدة “قسد”، لم يكن هدفها المعلن تأسيس دولة كردية مستقلة.
كان الهدف المُعلن محاربة تنظيم “داعش”.
لكن السياسة الأمريكية لا تتحرك فقط وفق العناوين المعلنة..
وجود قوة عسكرية حليفة لواشنطن في منطقة استراتيجية من سوريا منح الولايات المتحدة نفوذاً واسعاً، ووفر لها ورقة ضغط على دمشق، وأعطاها موقعاً مهماً في مواجهة إيران وروسيا، وفي الوقت نفسه جعلها لاعباً أساسياً في الملف السوري..
لكن هذه الورقة أصبحت مع مرور الوقت مكلفة.
تركيا ترفض وجود قوة كردية مسلحة قرب حدودها.
دمشق ترفض وجود جيش خارج سيطرة الدولة.
وإيران تنظر إلى الوجود الأمريكي في سوريا باعتباره تهديداً لنفوذها.
فماذا تفعل واشنطن؟.
تغيّر قواعد اللعبة.
بدلاً من أن يبقى الأكراد قوة عسكرية منفصلة، يتم إدماجهم داخل مؤسسات الدولة السورية.
وهكذا تستطيع واشنطن أن تقول لتركيا: انتهى خطر الجيش الكردي المستقل.
وتقول لدمشق: لقد أصبحت “قسد” جزءاً من الدولة.
وفي الوقت نفسه تقول للأكراد: لم نتخلَّ عنكم، بل ننقل قضيتكم من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي.
إنها، ببساطة، إعادة تدوير للورقة الكردية.
تركيا ربحت المعركة… ولكنها لم تربح الأكراد..
بالنسبة إلى تركيا، يمثل حل “قسد” تطوراً بالغ الأهمية.
فأنقرة لم تكن تعترض على وجود الأكراد السوريين كمكوّن اجتماعي، وإنما كانت تخشى قيام قوة كردية مسلحة ومنظمة على حدودها.
ولهذا فإن دمج القوات الكردية في الجيش السوري يحقق لها هدفاً طالما سعت إليه: لا جيش كردي مستقلاً على الحدود التركية.
لكن تركيا تدرك أيضاً أن إلغاء الأكراد سياسياً أمر مستحيل.
لذلك يبدو أن المعادلة الجديدة تقوم على قاعدة واضحة:
الأكراد جزء من سوريا، وليسوا مشروعاً لدولة كردية مستقلة.
وإذا نجحت هذه المعادلة، فإن تركيا تكون قد حققت ما عجزت عن تحقيقه عسكرياً خلال سنوات طويلة من خلال تسوية سياسية مدعومة أمريكياً.
وهنا تكمن المفارقة:
تركيا لم تهزم الأكراد، بل دفعت باتجاه إدماجهم داخل الدولة السورية بدلاً من بقائهم قوة منفصلة.
دمشق أمام امتحان تاريخي..
أما دمشق، فإنها تقف أمام فرصة قد لا تتكرر.
فدخول القوات الكردية في مؤسسات الدولة يعني عملياً أن مشروع تعدد الجيوش داخل سوريا يمكن أن يبدأ بالتراجع.
لكن استعادة السلاح لا تكفي.
الدولة السورية أمام امتحان سياسي حقيقي:
هل تستطيع أن تمنح الأكراد حقوقهم باعتبارهم مكوّناً سورياً أصيلاً، من دون أن تسمح بقيام دولة داخل الدولة؟
إذا نجحت دمشق في ذلك، فإنها ستوجه ضربة قوية لمشاريع التقسيم.
أما إذا تعاملت مع الملف الكردي بمنطق الغالب والمغلوب، فإن الأزمة ستعود عاجلاً أم آجلاً.
فالأكراد لا يريدون فقط أن يدخلوا الجيش السوري.
إنهم يريدون أن يعرفوا أي سوريا سيدخلون إليها.
سوريا التي تعترف بتنوعها وتضمن حقوق مكوناتها ،أم سوريا تعود فيها المركزية إلى ما كانت عليه؟
إيران… الخاسر الصامت؟..
قد تكون إيران الطرف الذي يتابع التطورات بأكبر قدر من الحذر.
فطهران لا تعارض من حيث المبدأ وحدة سوريا، بل إن تقسيم سوريا كان سيشكل خطراً على الدولة السورية وعلى موقعها الإقليمي.
لكن وحدة سوريا شيء، ومن يقود سوريا الموحدة شيء آخر.
وهنا تكمن المشكلة.
إذا أدى التفاهم الأمريكي ـ التركي إلى قيام سوريا موحدة ذات جيش مركزي قوي، لكن مع تقليص النفوذ الإيراني وإبعاد طهران عن القرار السوري، فإن إيران ستكون أمام خسارة استراتيجية حقيقية.
المشكلة الإيرانية ليست في اختفاء “قسد”؛ المشكلة في ظهور معادلة سورية جديدة لا تكون إيران جزءاً أساسياً منها.
ولذلك فإن السؤال الذي يشغل طهران ليس: ماذا سيحدث للأكراد؟
بل:
ماذا سيحدث للنفوذ الإيراني بعد أن تتغير قواعد اللعبة السورية؟.
هل انتهى المشروع الكردي؟.
القول إن حل “قسد” يعني نهاية القضية الكردية سيكون تبسيطاً خطيراً.
القضية الكردية لم تكن في الأساس قضية سلاح فقط.
إنها قضية هوية وحقوق وتمثيل سياسي وثقافي.
والانتقال من السلاح إلى السياسة قد يكون، بالنسبة إلى الأكراد، أكثر واقعية من استمرار مواجهة مفتوحة مع تركيا ودمشق من دون ضمان استمرار الدعم الأمريكي.
لذلك قد يكون القرار بالنسبة إلى مظلوم عبدي محاولة للانتقال من مرحلة البندقية إلى مرحلة المفاوضة.
والسؤال هو: على ماذا حصل الأكراد في المقابل؟.
إذا حصلوا على اعتراف دستوري بحقوقهم وتمثيل سياسي وإدماج حقيقي في مؤسسات الدولة، فقد يكونون قد حققوا مكسباً سياسياً أكبر من الحفاظ على جيش منفصل.
أما إذا كان المطلوب منهم فقط تسليم السلاح والعودة إلى النظام القديم من دون ضمانات، فإن المشكلة لن تكون قد حُلّت، وإنما جرى تأجيلها.
أمريكا لا تريد تقسيم سوريا… وهذا هو الجديد..
ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر إثارة.
لقد اعتاد كثيرون على تفسير السياسة الأمريكية في سوريا من زاوية تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ.
لكن التطورات الجديدة قد تشير إلى أن واشنطن باتت ترى المصلحة في سوريا موحدة سياسياً وعسكرياً، ولكن ضمن توازنات جديدة.
سوريا الموحدة قد تكون أكثر قدرة على ضبط الحدود، ومحاربة التنظيمات المسلحة، ومنع الفوضى، والتعامل مع تركيا، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
لكن واشنطن تريد أن تكون هذه الدولة الموحدة بعيدة عن الهيمنة الإيرانية، وألا تتحول إلى قاعدة تهدد مصالحها أو مصالح حلفائها.
وهنا تحديداً تكمن اللعبة.
واشنطن قد لا تكون بصدد تقسيم سوريا، بل إعادة تركيبها.
والفرق بين الأمرين كبير جداً.
المعركة لم تعد على وحدة سوريا… بل على قرارها..
لقد تغير السؤال.
في السنوات الماضية كان الجميع يسأل:
هل ستتقسم سوريا؟
أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر خطورة:
من سيملك القرار في سوريا الموحدة؟..
تركيا تريد سوريا آمنة على حدودها.
أمريكا تريد سوريا لا تعود إلى الفلك الإيراني..
إيران تريد سوريا لا تتحول إلى قاعدة للولايات المتحدة أو إسرائيل.
دمشق تريد استعادة سيادتها الكاملة.
والأكراد يريدون ضمان حقوقهم داخل الدولة.
وهذه المصالح قد تتقاطع اليوم، لكنها لن تتطابق غداً.
لذلك فإن حل “قسد” قد يكون نهاية مرحلة، لكنه ليس نهاية الصراع.
إنه بداية صراع من نوع آخر: صراع على شكل الدولة السورية، وعلى هوية جيشها، وعلى تحالفاتها، وعلى قرارها السياسي.
والأخطر من ذلك كله أن سوريا قد تكون أمام لحظة تاريخية يتم فيها لأول مرة منذ سنوات الانتقال من معركة “من يسيطر على الأرض؟” إلى معركة “من يملك قرار الدولة؟”
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي.
فإذا استطاعت دمشق أن توحد الجيش، وتستوعب الأكراد، وتحافظ على وحدة الأراضي، وتمنع أي قوة خارجية من مصادرة قرارها، فإنها ستكون قد ربحت المعركة الكبرى.
أما إذا أصبحت سوريا الموحدة مجرد واجهة تتصارع خلفها واشنطن وأنقرة وطهران وغيرها، فإن “قسد” ستكون قد حُلّت بالفعل…
لكن المشكلة السورية لن تكون قد حُلّت..
وربما يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة كلها:
هل تعيد أمريكا توحيد سوريا… لكي تستعيد دمشق سيادتها، أم لكي يصبح النفوذ الأمريكي هو صاحب الكلمة الأخيرة في سوريا الموحدة؟..



