الافتتاحيهرئيسي
الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين الاستحقاق الوطني ومخاطر التأجيل

الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين الاستحقاق الوطني ومخاطر التأجيل
من يملك قرار التأجيل؟ وهل تتحول معيقات الاحتلال إلى ذريعة لتعطيل الديمقراطية؟
بقلم رئيس التحرير
تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مرحلة شديدة الحساسية، في وقت تتواصل فيه الإجراءات الانتخابية رسمياً، فيما تتصاعد في المقابل النقاشات السياسية حول إمكانية تأجيلها بحجة المعيقات القائمة في القدس وقطاع غزة والضفة الغربية.
وبحسب لجنة الانتخابات المركزية، فإن المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو حدد موعد الاقتراع في 28 تشرين الثاني، وتشمل العملية الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة. كما أكدت اللجنة، بعد تعديل مدة الترشح، أن موعد الاقتراع ما زال ثابتاً وأنها ماضية في تنفيذ العملية الانتخابية وفق الجدول المقرر.
وهنا تبرز المسألة القانونية والسياسية الأهم: من يملك قرار التأجيل؟
من الناحية القانونية، لجنة الانتخابات المركزية هي الجهة المستقلة المختصة بإدارة وتنظيم العملية الانتخابية وتنفيذ مراحلها وفق القانون، لكنها ليست جهة سياسية تملك منفردة إلغاء الموعد المحدد بمرسوم رئاسي. وبالتالي، فإن تغيير موعد الانتخابات يستلزم قراراً رسمياً من الجهة صاحبة الاختصاص، ولا يجوز أن يتحول الحديث عن «المعيقات» إلى مسار غير معلن لتعطيل الاستحقاق.
والأخطر أن العملية الانتخابية دخلت فعلياً مرحلة الترشح، وقد بدأت القوائم بتقديم طلباتها، فيما تؤكد اللجنة استمرار الإجراءات. وهذا يخلق التزاماً سياسياً وقانونياً متزايداً تجاه المرشحين والناخبين والقوائم التي رتبت أوضاعها على أساس أن الانتخابات ستجري في موعدها.
الاحتلال يعرقل الانتخابات.. لكنه لا ينبغي أن يقرر مستقبل الديمقراطية الفلسطينية
لا أحد يستطيع تجاهل واقع الاحتلال الإسرائيلي، وما يفرضه من قيود في القدس والضفة الغربية، فضلاً عن الظروف الاستثنائية في قطاع غزة. لكن السؤال الاستراتيجي هو: هل تكون مواجهة هذه المعيقات عبر تأجيل الانتخابات، أم عبر حشد موقف فلسطيني وعربي ودولي لإجبار الاحتلال على احترام الحق الفلسطيني في المشاركة السياسية؟
إن تحويل الاحتلال إلى سبب دائم لتعليق الانتخابات قد يؤدي، من حيث لا يريد أحد، إلى منح القوة القائمة بالاحتلال قدرة غير مباشرة على التحكم في توقيت الحياة السياسية الفلسطينية.
والبديل هو تحويل المعيقات إلى قضية دولية: ضغط أمريكي وأوروبي وعربي واضح لضمان إجراء الانتخابات في القدس وغزة وسائر الأراضي الفلسطينية، وتوفير الرقابة الدولية، وحماية العملية الانتخابية من التدخلات والضغوط.
وقد بدأت أوروبا بالفعل مساراً عملياً في هذا الاتجاه؛ إذ استقبلت لجنة الانتخابات بعثة استكشافية للاتحاد الأوروبي تمهيداً لإيفاد بعثة مراقبة كاملة، بينما أعلنت فرنسا استعدادها لتقديم الدعم اللازم لتنظيم الانتخابات وفق المعايير الدولية.
الدور الأمريكي والعربي.. من المراقبة إلى الضمانات
المطلوب أمريكياً وأوروبياً وعربياً ليس التدخل في خيارات الناخب الفلسطيني أو نتائج الصندوق، وإنما ضمان حرية الصندوق نفسه.
وهنا تبرز أهمية الدور المصري والأردني والعربي في دعم الحوار الوطني الفلسطيني ومنع تحويل الخلافات الداخلية إلى ذريعة لتعطيل الاستحقاق. كما أن القاهرة تستضيف حراكاً للحوار بين الفصائل في وقت يتصاعد فيه الجدل حول مستقبل الانتخابات.
أما الولايات المتحدة، فإن مسؤوليتها السياسية، بحكم وزنها وتأثيرها في إسرائيل، تتمثل في الضغط لضمان عدم عرقلة الانتخابات في القدس، وعدم السماح بأن تتحول الإجراءات الإسرائيلية إلى حق نقض غير معلن للإرادة الشعبية الفلسطينية.
الانتخابات الفلسطينية والمسار الإسرائيلي
تأتي الانتخابات الفلسطينية في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، قبل انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 بأكثر من شهر بقليل. وتظهر استطلاعات الرأي المنشورة خلال الأسابيع الأخيرة تقارباً وتغيراً مستمراً في موازين القوى بين معسكرات إسرائيلية مختلفة، ولذلك لا يمكن استباق النتيجة أو التعامل مع أي استطلاع باعتباره نتيجة محسومة.
لكن أياً تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فإن المصلحة الفلسطينية تقتضي امتلاك عنوان سياسي فلسطيني منتخب، ومؤسسات تستند إلى الشرعية الشعبية، وبرنامج وطني قادر على مخاطبة المجتمع الدولي.
فإجراء الانتخابات لا يعني إنهاء الانقسام تلقائياً، لكنه يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي على أساس التمثيل الشعبي، وتجديد شرعية المؤسسات، وتعزيز قدرة الفلسطينيين على خوض معركة سياسية وقانونية ودبلوماسية أكثر تماسكاً.
المطلوب: حماية الموعد لا إدارة التأجيل
إن تأجيل الانتخابات، إذا أصبح ضرورة قاهرة وثبت تعذر إجرائها بصورة نزيهة وشاملة، يجب ألا يكون قراراً مفتوحاً أو بلا سقف زمني، بل قراراً معللاً ومحدداً بمدة وضمانات واضحة، وبعد أوسع توافق وطني ممكن.
أما إذا كانت المعيقات قابلة للمعالجة من خلال الضغط الدولي والترتيبات الفنية والأمنية، فإن الأولى وطنياً واستراتيجياً مواصلة المسار.
لقد انتظر الفلسطينيون طويلاً استعادة حقهم في اختيار ممثليهم. واليوم، لا ينبغي أن تكون المعادلة بين «انتخابات مثالية» و«لا انتخابات»، بل بين تذليل العقبات وإجراء الانتخابات، أو ترك الاحتلال والانقسام يحددان موعد الديمقراطية الفلسطينية.
إن حماية الانتخابات مسؤولية فلسطينية أولاً، لكنها أيضاً مسؤولية عربية وأوروبية ودولية. والمطلوب من واشنطن والعواصم الأوروبية والعربية ليس اختيار الفائزين، وإنما حماية حق الفلسطينيين في اختيارهم بأنفسهم.
فالشرعية لا تُمنح من الخارج، ولا تُؤجل إلى أجل غير مسمى؛ الشرعية يصنعها صندوق الاقتراع عندما تتوافر له الحرية والنزاهة والقدرة على التعبير عن إرادة الشعب.
