59 عاماً على النكسة: جرحٌ عربي لم يندمل

59 عاماً على النكسة: جرحٌ عربي لم يندمل
بقلم رئيس التحرير
في تاريخ الأمم محطات فاصلة لا تُقاس بنتائج المعارك وحدها، بل بما تتركه من آثار عميقة في الوعي الجمعي ومسار التاريخ. وتبقى نكسة الخامس من حزيران عام 1967 واحدة من أكثر تلك المحطات تأثيراً في التاريخ العربي الحديث، إذ لم تكن مجرد هزيمة عسكرية فقدت خلالها الأمة العربية أجزاءً عزيزة من أراضيها، وإنما شكلت لحظة مفصلية أعادت رسم الخريطة السياسية والفكرية والاستراتيجية للمنطقة بأسرها.
لقد جاءت النكسة في ذروة صعود المشروع القومي العربي الذي حمل آمال الجماهير العربية في الوحدة والتحرر والتنمية والاستقلال، فكان وقعها أشبه بالصدمة الحضارية التي دفعت إلى مراجعات فكرية وسياسية واسعة ما زالت أصداؤها تتردد حتى يومنا هذا. فمن رحم تلك الهزيمة برزت أسئلة كبرى حول طبيعة الدولة، ومفهوم الحكم الرشيد، ودور المؤسسات، وعلاقة السلطة بالمجتمع، وأسباب الفجوة بين الشعارات والواقع.
وإذا كان الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا قد قال: “من لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه أن يكرره”، فإن استحضار ذكرى النكسة لا ينبغي أن يكون استدعاءً لمرارة الماضي بقدر ما هو دعوة إلى فهم أسبابه واستخلاص دروسه. فالأمم الحية لا تقف عند لحظات الانكسار، بل تحولها إلى محطات للمراجعة والبناء والتجديد.
واليوم، وبعد ما يقارب ستة عقود على تلك الحرب، لا تزال المنطقة العربية تواجه تحديات مصيرية تتعلق بالأمن القومي والتنمية والاستقرار والوحدة الوطنية، فيما تبقى القضية الفلسطينية جوهر الصراع ومحور الاختبار الحقيقي لقدرة الأمة العربية على استعادة عناصر قوتها وصياغة مشروعها المستقبلي.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة نكسة حزيران باعتبارها حدثاً تاريخياً يتجاوز حدود الزمان والمكان، لفهم التحولات التي أعقبتها، واستيعاب أسباب التراجع والتفكك العربي، والبحث عن السبل الكفيلة باستعادة الفاعلية العربية على أسس واقعية تقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، واحترام إرادة الشعوب.




