600 شهيد منذ تشرين الأول: إسرائيل تسرّع الاغتـيالات في غزة
600 شهيد منذ تشرين الأول: إسرائيل تسرّع الاغتـيالات في غزة
تتحوّل الاغتيالات الإسرائيلية في غزة إلى سياسة مفتوحة، مدفوعةً بحسابات نتنياهو الانتخابية وتراخي الضغوط الأميركية. ويأتي هذا فيما يبقى تنفيذ اتفاق «وقف إطلاق النار» معلّقاً، وتُدفع غزة إلى مزيد من القتل بانتظار انتهاء الاستحقاق الإسرائيلي.
غزة | نجحت إسرائيل، ليل الإثنين – الثلاثاء، في اغتيال قائد «كتيبة جباليا البلد» وعضو المجلس العسكري في «كتائب القسام»، أحمد البطش، وذلك إثر استهداف سيارة كان يستقلّها في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة. ويعدّ البطش، الذي نجا خلال السنوات العشر الماضية من 42 محاولة اغتيال، ثاني قيادي من الصف الأول تنجح إسرائيل في تصفيته خلال أسبوع واحد، بعدما تمكّنت، مطلع الأسبوع الجاري، من اغتيال قائد لواء مدينة خانيونس في «القسام»، محمد اليازوري.
بالتوازي مع ذلك، وخلال ساعات أمس فقط، نفّذت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية عشر عمليات استهداف، طاولت سيّارات مدنية وتجمّعات للمواطنين في مناطق مكتظّة بالسكان. وقصفت إحدى تلك الطائرات تجمعاً قرب مفترق الأمن العام في حي الشيخ رضوان شمال غزة، ما أدى إلى استشهاد المسعف شريف لبد والطفل محمد الزناتي. كما استُهدفت سيارة مدنية في حي الشيخ عجلين، الأمر الذي تسبّب في إصابة عشرة مواطنين واستشهاد القيادي في «سرايا القدس» نمر إرشي. كذلك، أطلقت قوات الاحتلال النار في اتجاه خيام النازحين في مخيم حلاوة شرق مدينة جباليا البلد، متسبّبةً باستشهاد المسنّ صالح الدبور. وإلى جانب ما تقدّم، قصفت الطائرات المسيّرة تجمعاً للمواطنين قرب مفترق الـ17 في شارع الرشيد، ما أدى إلى استشهاد المواطن يوسف الزعيم؛ وأغارت أيضاً على تجمّع مماثل في محيط منطقة الجوازات، ما أسفر عن إصابة ثلاثة مواطنين، بينهم طفلة وامرأة.
وبذلك، يبدو أن عمليات الاغتيال والاستهدافات المتتابعة تحوّلت بالفعل إلى واقع ميداني يومي، لا يستدعي، حتى الآن، إدانة أو اعتراضاً يُذكر من الوسطاء الإقليميين، في حين وصفها مراسل صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية بأنها «ملاحقة لم تتوقف منذ وقف إطلاق النار». وإذ ناهز عدد تلك العمليات، حتى الآن، 600، وتسبّبت باستشهاد أكثر من 1200 فلسطيني منذ دخول «وقف إطلاق النار» حيّز التنفيذ في تشرين الأول من العام الماضي، تبدو المساحة التي أتاحها التوافق الإسرائيلي – الأميركي لتكثيف الاغتيالات ورفع متوسّط حوادث القتل اليومية من 5 إلى 10، مرتبطة بحدود الفعل المطلوب إسرائيلياً قبيل الموسم الانتخابي.
الوضع الحالي سيبقى معلّقاً إلى حين انتهاء الموسم الانتخابي الإسرائيلي
وفي هذا السياق، كانت تكرّرت تصريحات لمسؤولين أميركيين، من بينهم صهر الرئيس جاريد كوشنر، دعوا فيها حركة «حماس» والوسطاء إلى تفهّم الموقف الانتخابي الحرج الذي يواجهه رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، والذي يدفعه، في هذه المرحلة، إلى التملّص من تنفيذ بنود «خطة السلام»، وعلى رأسها دخول «اللجنة الإدارية» إلى قطاع غزة، ناهيك عن الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق. وقال كوشنر، في كلمة له خلال «مؤتمر يالطا» للاستراتيجية الأوروبية، تناول فيها الضربة الإسرائيلية التي وقعت في 9 أيلول 2025 في الدوحة، واستهدفت كبار مسؤولي «حماس» في أثناء اجتماع لهم: «لم ينجح الهجوم كعملية عسكرية، ممّا أدى إلى عزل إسرائيل عالمياً، وقد استخدمنا هذا الوضع للضغط عليها لعقد صفقة». وأضاف: «رغم أن إسرائيل كانت لديها في البداية تحفّظات بشأن الشروط التي روّجت لها إدارة دونالد ترامب، فإن المسؤولين الإسرائيليين أصبحوا ينظرون إلى الاتفاق بشكل أكثر إيجابية لاحقاً. واليوم، هم سعداء للغاية بالاتفاق، لكن في ذلك الوقت كانوا غير مرتاحين لِما كنّا ندفعهم إلى القيام به»، مستدركاً بأنه «تبيّن أن الأمر كان رائعاً بالنسبة إليهم؛ لقد كان رائعاً لشعب غزة، لأن لديهم الآن حكومة جديدة هناك تتطلّع بوضوح إلى تولّي السلطة قريباً، بمجرد أن نتقدّم في عملية نزع السلاح».
وتكشف المزايدات السياسية التي تشهدها الساحة الإسرائيلية عشية الانتخابات، مدى حساسية الموقف. إذ ردّ حزب «الليكود»، أمس، على تصريحات كوشنر، التي زعم فيها أن الولايات المتحدة استغلّت فشل نتنياهو في اغتيال قادة «حماس» في قطر، وما نجم عن تلك العملية من عزلة دولية لإسرائيل، للتدخل في تلك اللحظة والدفع نحو وقف الحرب وتوقيع الاتفاق. وقال «الليكود» إن القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء بإدخال الجيش إلى مدينة غزة ومهاجمة قادة «حماس» في قطر، إلى جانب الضغط الكبير الذي مارسه ترامب، هما اللذان دفعا الحركة إلى التخلّي عن مطالبها والموافقة على إطلاق سراح جميع الأسرى المتبقّين في غزة.
أما ترامب، فبدا في الآونة الأخيرة أقلّ اكتراثاً بما يجري في غزة، وهو لم يَظهر من قَبل بهذا القدر من اليأس في الدفع نحو تطبيق خطّته الخاصة بالقطاع. وظهر ذلك بوضوح في حديثه إلى الصحافيين، قبل يومين، في إيرلندا، حين قال: «ما يحدث في غزة الآن ضئيل جداً. الواقع أن غزة لم تعُد المكان الذي يشغل حديث الناس كما في السابق». وتشير كلّ تلك التقاطعات في المشهد السياسي، والتي تجد انعكاساتها المباشرة على الواقع الميداني المشتعل، إلى أن الوضع الحالي سيبقى معلّقاً إلى حين انتهاء الموسم الانتخابي الإسرائيلي، مع ما يفرضه ذلك من استمرار في عمليات القتل اليومية في القطاع.



