منوعات

في سعي للتحرر من أعباء ألقت بثقلها على حياتها وشبكتها بما يشبه القيد زينة دكاش: «اللي شبكنا يخلصنا» محطات من حياتي شاركتها مع آخرين

في سعي للتحرر من أعباء ألقت بثقلها على حياتها وشبكتها بما يشبه القيد زينة دكاش: «اللي شبكنا يخلصنا» محطات من حياتي شاركتها مع آخرين

زهرة مرعي

بيروت ـ «القدس العربي»:  وانتصرت خاصية التعبير لدى زينة دكاش. مارست على نفسها ما يُعرف بـ«التعبير الكاشف للذات»على المسرح. تناوبت على البوح مع زميلها في العرض يوسف شنكر، مستحضرين الطفولة والشباب وما تلاهما. في عرض «اللي شبكنا يخلصنا» سعت الممثلة والكاتبة والمخرجة زينة دكاش، لأن يكون التعبير عن حياتها سبيلاً للتشارك مع الآخرين. وكذلك كان حال يوسف شنكر. نجحت في استدراج الجمهور، وبعد كل عرض يكون التفاعل عالياً جداً.

زينة دكاش الفنانة التي اختصّت بالعلاج بالدراما، وفتحت أبواب السجون في لبنان لمساعدة السجناء على التعبير، تنظر إلى عرضها المسرحي كعلاج ذاتي، ومن ثم جذب للجمهور للمشاركة بقصصه وحكاياته واستخراجها من حيث تقيم، وتؤلم. تصف دكاش حجم الكبت في مجتمعاتنا بالمحزن.
مع زينة دكاش هذا الحوار:

○ كم كنت بشوق للمسرح؟
• إن كان السؤال بمعنى شوقي كممثلة للمسرح، فليس كثيراً. الشوق الأكبر تمثّل بضرورة التعبير عن مشاعري، بعد إلحاح. وهكذا تتجلّى الحاجة للمسرح عندي برغبة التعبير عن أمر ما. نضُجت فكرتي، وبات التعبير عنها لازماً.
○ عندما تراودك تلك المشاعر هل يصبح النص سريع الولادة؟ وهل تتشاركين قراءته مع آخرين؟
• بدأت كتابة النص في آذار/مارس 2024 وكان العرض الأول للمسرحية في شباط/فبراير 2025. هذا النص بالتحديد قرأه وأبدى رأياً حوله كثيرون. ولهم جميعاً قلت شكراً في منشور عُلِّق على جدار مسرح المونو حيث تُعرض المسرحية. أغلب من قرأ النص من أهل المسرح، ممثلين وكتّاب ومخرجين.
○ لماذا أغنية عبد الحليم حافظ عنواناً؟ هل التشابك بينك وبين بشر السجون كان وصله عميقاً؟
• الأغنية بحد ذاتها ليست هدفي، فـ»جانا الهوانا» أغنية حب، و«اللي شبكنا يخلصنا» كلام حقيقي وواقعي لكثرة الأمور التي تتشابك فيها حياتنا مع آخرين. الرغبة الواضحة والصريحة دعوة لمن شبكنا كي يخلصنا. من المسائل المتشابكة في حياتنا وفي مسرحيتي بشكل خاص هو لبنان. وطن نحبه لحدود العبادة، وتركه عصيٌ. ترك فينا ندوباً، وبتعبير آخر استهلك قوانا سريعاً. وطن أدخلنا في متاهات مع ذاتنا، ومع أحبابنا. والموضوع الآخر الذي يشبك حياتنا هو أهلنا. فوالدتي على سبيل المثال لها حضور كبير في المسرحية. والدتي وسواها من الأمهات يترجين ابناءهنّ «أوعا تفللو.. خليكن حدنا.. ما تتركونا». اهلنا كبار السن يخافون الوحدة، ويخافون فقدان الدواء، والموت بالتأكيد. فبلدنا أدخل كبار السن في متاهة، ومتاهتهم دخلت إلى حياتنا الشخصية. إنها صلاة مني، ومن يوسف شنكر ـ السجين السابق ـ لهذا البلد الذي اقتحم حياتنا الشخصية. فيوسف المولود من أب فلسطيني ممنوع من نيل الجنسية اللبنانية. وعاجز عن اختيار عمل لأنه ممنوع من العمل في مهن كثيرة. وأنا زينة دكاش المواطنة اللبنانية في صراع مع وطني هل أبقى أم أغادر؟ سؤال يطرح نفسه دائماً. لكل هؤلاء نصلي ونطلب الخلاص.
○ كنت حيال سيرة ذاتية وأنت تعدّين النص كم تأثرت بكونك معالجة نفسية، أو معالجة بالدراما؟
• ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي تعبير عن الذات من خلال عمل مسرحي يُسمّى «الأداء الكاشف للذات». هو مفهوم طوّرته المعالجة الأمريكية بالدراما رونيه اميونا. لم أكن حيال سرد لإنجازاتي نجاحاً أو فشلاً، بل هي محطات من حياتي قررت مشاركتها مع المشاهدين، وبعضهم قد يكون عاش أو يعيش ما هو مشابه. وقد يشاهد العرض المسرحي متفرجون من الذين يقصدون عيادتي للعلاج، وسيكون للعرض المسرحي دور الداعم، نظراً لوجود ما نتشاركه ضمن العيادة، كمثل الإشارة لفتح سبل التعبير مع الأهل، لاستخراج كافة المشاعر. فمن يحتفظ بداخله بما يشغله سلبا مع وطنه، أو مع ذويه، عليه محاولة التخفف منه بالتعبير عنه.
○ هل كان سهلاً قرار مشاركة الجمهور بما هو ذاتي ومباشر جداً كحضور زوجك وابنتك في النص وفي حضور الافتتاح؟
• بل زوجي موجود بالصوت، حين يقول سأغادر إلى الأردن لم أعد احتمل العيش في هذا البلد. صوت سُجّل بالأستوديو، وبالتأكيد بموافقته التامة وإلاّ لن يكون ما كان. منذ بدء الإعداد لهذا العرض كان موافقاً على كافة تفاصيله، مساعداً لي كشريكة له بالتعبير عن نفسي. كما يعمل لمساعدة الآخرين للتعبير عن ذاتهم، ومن المفيد الإشارة إلى النضج الكبير الذي يتمتع به زوجي.
○ كان حال الجميع على المسرح طبيعيا وسلسا وبدون تقمّص أدوار. ما الذي أفتى بذلك؟
• إنه النص الحقيقي الناتج من كلماتنا ومحادثاتنا معاً، وبالطبع من مشاعرنا، منها أحاديث جرت بيني وبين «يوسف» كمثل ترداد قول ماغي فرح «مش راح يسكّر المطار». إنه نقل الواقع إلى المسرح.
○ كيف تداخل في عرض «اللي شبكنا يخلصنا» العام مع الخاص؟ من سند الآخر أكثر هل العام سند الخاص أم العكس؟
• تعرفين أعمالي منذ البداية. منذ سجن رومية للرجال، إلى سجن بعبدا للنساء وغيرهما من الأعمال. وفيها جميعاً يتداخل العام بالخاص، وبغير ذلك لا منتوج علاجيا يمكن مشاركته مع الناس. فكيف لنا تفسير العام المتمثّل بكافة الصدمات التي واجهناها، بدون المشاركة بانعكاسها وأثرها على الخاص؟ لست وحدي من تأثّر في هذا البلد، لكني اعتمدت المسرح لأتحدّث عن كيفية تأثري بتلك الصدمات. قد يعمد المشاهد للمقارنة بين أثر تلك الصدمات عليه وعليي معاً، هو تشجيع على المشاركة بالقصص التي نشعر بضرورة التعبير عنها.
○ كان مؤثراً حضورك في الفيديو بدور «فرجيني» وحضور سينتيا كرم بدور «ناهية». التحادُث مع من رحلوا أين يقع في سياق محاولات الشفاء؟
• يوسف وأنا لم نتوقّف عن المحادثة مع والدتينا بعد رحيلهما. أشعر بأن الحوار مع الأعزاء الذين سبقونا ميزة ونعمة، والبعض يرفض الأمر معتبراً أياه حواراً مع الذات. بالنسبة لي توطدّت علاقتي بوالدتي بعد رحيلها أكثر مما كانت خلال حضورها. في هذا العرض المسرحي أجدني أدعو الناس لتطوير هذا الجانب من التعبير. يذهب الأشخاص، والسؤال هل تذهب الروح؟ وهل تذهب الذكريات التي تركوها؟ الأحاديث التي نُكملها مع من رحلوا تأتي بالكثير من الإجابات.
○ أين يقع هذا المشهد الذي تابعناه على المسرح في سياق الشفاء؟
• وصلت مع يوسف كي يطرح أحدنا السؤال على الآخر «قولك هنّي حاسين بما نقوله لهم؟» ووجدنا أننا نشارك بالإجابات التي نجدها مفيدة وجيدة. العظيم في هذا الحوار أن نقرر متابعته مع من غادرنا وصولاً لإيجاد الإجابات. على صعيدنا الشخصي نحن حققنا المطلوب من الحوار مع من رحلوا، والهدف دعوة الناس لإجراء هذا الحوار وصولاً للشفاء. في اطار العلاج بالدراما يأتي العرض المسرحي إثر الشفاء، ما يشكل دعوة للجمهور للقيام بما هو مشابه.
○ إذاً ما هو جواب الجمهور إثر دعوته للتعبير؟
• بالفعل حجم الرسائل التي تردني قد تفاجئك. إنه الشكر. والبحث في كيفية حلحلة الموضوعات العالقة مع من رحلوا، قبل أيام قالت لي إحداهنّ بأنها بصدد كتابة رسالة لوالدتها التي رحلت قبل 20 سنة. ويتلقى يوسف رسائل تعبّر عن الثقة بأن مرتكب جريمة لن يبقى مجرماً طوال حياته. كل يتناول من المسرحية ما يرغب به. بعضهم لم يكن يعرف أن الأم ليس لها إمكانية توريث أبنائها. ثمة أسئلة متعددة استوحاها الجمهور من خلال هذه المسرحية، وساعدتهم في نقاش مسائل عالقة في حياتهم.
○ كيف تفسرين قرارك كمخرجة بالتقشف في السينوغرافيا؟
• لم أشعر بتلك الضرورة. ما جرى على المسرح حوار يصحّ أن يكون مكانه السيارة، أو الطريق أو في منزلي. قلنا أفكارنا ورافقتنا صور الأهل مُعلّقة على المسرح فقط بدون أي شيء آخر. إلى ناحيتي صور أخي ووالدي ووالدتي، وإلى ناحية يوسف صور أخيه ووالده ووالدته.
○ أليس في هذا ثقة كبيرة بالنص؟
• جالست العديد من السينوغراف وبالنتيجة قررت صرف النظر عن كافة الأفكار، فالعرض المسرحي في مُجمله روحاني. فهل من سينوغرافيا في السماء؟ لست أدري.
○ بانتظار المسرحية المقبلة هل نقول أنك ستدخلين مرحلة جديدة من حضورك كمخرجة وكاتبة وممثلة؟
• منذ زمن أعرف بأني كاتبة ومخرجة. وإذا وجدت نصاً كتبه أحدهم ويجب أن يصل للمجتمع فلن أتردد في تجسيده. في هذه المرحلة شعرت بضرورة التعبير الشخصي فكانت مسرحية «اللي شبكنا يخلصنا». وهذه المسرحية تضيء إلى جانب حضوري مع يوسف شنكر وسام غزال على المسرح، على ثلاث شخصيات أخرى، شخصيات وجدت في طريقنا في هذه الحياة، أعطت الكثير بدون تفكير وتحليل، ورددت «ليش لاء». إنها السيدة التي تزور السجن يومياً حاملة الملابس للسجناء، من دون انتماء منها لدين أو جمعية. إلى الشاب اليتيم الذي يتفقد المزارات ينظف صورها، ويزينها بالورود، وذاك الذي يحمل الكاميرا ويلتقط الصور. تلك الشخصيات هي التي حددت نهاية المسرحية، فأنا ويوسف نحمل الماضي بصور أهلنا ونسأل ماذا نفعل بها؟ ولهذا تظهر في الفيديو أسمى ابنتي، وبتول إبنة أخ يوسف تُطيران الطائرات الورقية في السماء. وفي تلك الطائرات صور الراحلين من الجد إلى الجدة والخال والخالات. إنه الجيل الجديد الذي يدعو للانطلاق. فالراحلون يحتاجون لأن يتحرروا وينطلقوا نحو الملكوت.
○ لماذا يمتنع البعض عن البوح وينكمشون على ذاتهم؟ ولماذا يرى آخرون البوح ضرورة؟ ما الفرق بين شخصية هذا وذاك؟
• مجتمعنا صعب للغاية. ترتبط حياة كل منا بالعائلة التي نشأ فيها، في الغالب العائلات تؤثر الصمت على التعبير، وتخشى ردة فعل الآخرين وكيف سيتمّ تناولهم. حجم الكبت مُحزن، في حين أن أشياء بسيطة كفيلة بتحرير الإنسان، الصدمات الناتجة من العائلة تتراكم، في حين أن مفهوم العائلة بات بعيداً عن قيمته التي كانت في السابق.
○ أين جمعية كتارسيس الآن؟
• موجودة. وفي إطارها أقدّم العلاج بالدراما للناس. كما وأتعاون مع جمعيات أخرى وخاصة جمعية «ريستارت» للسجناء، وقبل أيام انطلقنا في جلسات علاجية للسجناء في الشمال.

المصور: غسّان افلاك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب