
«غولدا» فيلم عن دور غولدا مائير في حرب أكتوبر
كمال القاضي
على الرغم من الاهتمام الشعبي الكبير بالأفلام المصرية، التي تناولت تفاصيل حرب أكتوبر/تشرين الأول والتفاعل الشديد مع رسائل السينما في هذا الشأن، إلا أن أحداً من الجمهور العادي لم يُحاول التعرف على رد الفعل الإسرائيلي تجاه هزيمتهم المُنكرة في الحرب التي أطلقوا عليها حرب يوم الغُفران، بمشاهدة فيلم من أفلامهم الوثائقية الدعائية، ولو من باب العلم بالشيء ومعرفة نمط تفكير العدو.
وربما جاء الإهمال المُتعمد من جانب الجمهور المصري والجماهير العربية إزاء رد الفعل السينمائي الإسرائيلي من باب الاحتقار، وعدم الاعتراف بوجود مهارات إبداعية لديهم يُمكنهم من خلالها إنجاز أفلام عن الحرب، فضلاً عن اليقين القاطع لدى القاعدة الشعبية العريضة بأن ما يُمكن صناعته من أفلام سيتضمن بكل تأكيد أكاذيب ليس لها ظل من حقيقة. ولهذا لم يشغل أحد باله بهذه القضية طوال السنوات الماضية، إلى أن ظهر في الأفق الفيلم الوثائقي الأمريكي البريطاني «غولدا» تأليف نيكولاس مارتن وإخراج جاي ناتيف وبطولة هيلين ميرين وكاميل كوتين وليفي شرابين، وهو إنتاج عام 2003.
وبعد مرور 21 عاماً على الفيلم المُثير للجدل والحُزن، من وجهة نظر الأمريكيين والأوروبيين تم عرضه عالمياً لأول مرة ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورة عام 2023 الماضية، لتطفو على السطح مُجدداً حكاية بطلة الفيلم غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إبان فترة حرب أكتوبر 1973، ليُعاد طرح الأسئلة حول الصورة الدرامية التراجيدية التي نقلها صُناع الفيلم، ليُثيروا بها تعاطف العالم مع الشخصية السياسية البارزة التي تألمت بشدة من آثار الهزيمة التي لحقت بإسرائيل في عيد الغُفران. ولأن إثارة التعاطف أمر يستوجب الحيلة ويستدعي وجود وسائل تأثيرية لتحقيق الغرض، فقد تعمد كاتب السيناريو نيكولاس مارتين أن تبدأ الأحداث بمثول رئيسة الوزراء المهزومة أمام لجنة «إجرانات العُليا» للتحقيق معها في أسباب الهزيمة، لتتحول المرأة القوية من كائن فولاذي إلى امرأة ضعيفة متهمة بالتورط والإهمال، ما أدى حسب قائمة الاتهامات، وملف الحرب الموضوع أمام كبار المُحققين إلى وقوع كارثة راح ضحيتها الآلاف من الجنود الإسرائيليين، وتبدد الحُلم التاريخي في إقامة دولة تمتد من النيل إلى الفرات.
ولأن مشهد البداية هو ما تأسس عليه الفيلم فقد اعتنى به المخرج جاي ناتيف بجعله الأكثر دراماتيكية وتأثيراً، وبالفعل انطلت الحيلة واستمر العرض على نحو تصاعدي مُثير للاهتمام والشفقة، واكتساب تعاطف الجمهور الأمريكي مع البطلة المهزومة، لاسيما مع ظهور موشي ديان داخل الكادر السينمائي كأحد المسؤولين المُباشرين عن الهزيمة، كونه لم يتعامل بجدية مع المعلومات التي وصلته قبل الحرب عن استعداد الجيشين المصري والسوري للهجوم على إسرائيل في الساعة السادسة مساء يوم عيد الغُفران. هذه النقطة حولت الأنظار تجاه ديان باعتباره سبب وقوع الكارثة، وخففت الضغط الشعبي عن غولدا مائير، بالإضافة إلى وجود مشاهد أخرى صورت رئيسة وزراء إسرائيل، وقد أصيبت بحالة نفسية وعصبية قاسية، جراء شعورها بضياع الحُلم الإسرائيلي ونهايته إلى الأبد كمشروع استراتيجي يُحقق بناء الدولة. غير أن هناك بعض الأجزاء المهمة في الفيلم تتعلق بموضوع ثغرة الدفرسوار، ومُحاصرة الجيش الثالث الميداني للقوات المُسلحة المصرية من قبل إسرائيل، ما مثل نقطة أساسية حاولت من خلالها مائير قلب موازين الحرب لصالحها، بإملاء بعض الأوامر على وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر لمطالبة أمريكا بإرسال طائرات الفانتوم لمساعدتها في الحرب.
كذلك محاولة الضغط أيضاً على وزير الخارجية، لإجبار الرئيس السادات على الاعتراف بإسرائيل كدولة وليس ككيان، وهي جزئية بالغة الأهمية في أحداث الفيلم تم التركيز عليها بقوة وألقي عليها الضوء كنقطة جوهرية وفرصة ضائعة تؤكد أن غولدا مائير بذلت محاولات كثيرة ومُضنية لتحجيم الخسارة وتقليل آثارها. كما أنها بالحديث عن القتلى من الجنود الإسرائيليين وبكائها الشديد لفقدانهم، حاولت المرأة الحديدية، حسب الرؤية السينمائية، اكتساب بعض التعاطف ولو بشكل نسبي لتحسين موقفها أمام اليهود في كل أرجاء العالم، خاصة أنها استخدمت عبارات معينة في هذا الإطار للتأثير على كيسنجر لتلبية طلباتها بتذكيرها له بأنه مواطن يهودي في الأصل قبل أن يكون وزيراً لخارجية أمريكا. وفي الوقت نفسه حاولت غولدا مائير التقليل من أهمية كلام هنري كيسنجر حول اعتزام الاتحاد السوفييتي تقديم المُساعدات لمصر خلال أيام الحرب، حتى تُحافظ على الروح المعنوية داخل إسرائيل، وتؤكد على عدم الاستسلام لفكرة الهزيمة ورفض التعامل مع الواقع الجديد بشكل صريح.
هذا بعض ما تضمنه الفيلم الأمريكي البريطاني الوثائقي «غولدا» من حيثيات تدل على الانحياز الكامل من جانب أمريكا والغرب لإسرائيل، وخوفهم على اهتزاز الصورة التاريخية لرئيسة الوزراء الشهيرة غولدا مائير إبان حرب أكتوبر، أو حرب يوم الغُفران كما يسمونها بوصفها رمزاً من رموز الوطنية، من وجهة نظر الداعمين والمُناصرين والواقفين باستمرار في ظهر إسرائيل، عبر كل مراحل الصدام والصراع مع مصر وفلسطين والعرب قاطبة.
مصحح




