«قصصكم ع المسرح» رافق النازحين خلال العدوان وبعده وأتاح لهم فرصة التعبير فرح ورداني

«قصصكم ع المسرح» رافق النازحين خلال العدوان وبعده وأتاح لهم فرصة التعبير فرح ورداني: الفن مفتاح لنتمسك بهويتنا كعرب رغم الاختلاف ودوره نشر الوعي ورفض الظلم والعنف
زهرة مرعي
بيروت ـ من مهمات المسرح الحقيقي اللصيق بالناس أن يُعبّر عنهم، وينشر الوعي بينهم، ويعلي الصوت رفضاً للظلم والعنف بدون خوف. هذا ما تختصره الممثلة فرح ورداني مديرة جمعية لبن بمفهومها لدور المسرح.
«قصصكم ع المسرح» نشاط تنظمه جميعية لبن، لفتتني دعوة لمن يرغب بالتعبير بالتوجه إلى الجمعية في توقيت وزمن محددين. في تواصل مع فرح ورداني التي تتولى مهمة التدريب في لبن فرض النشاط الذي تمّ انجازه خلال العدوان بالتواصل مع النازحين نفسه. كانوا 24 عضواً من لبن أنجزوا ما يزيد عن 200 لقاء مع النازحين، وهم مثابرون على العمل بأشكال مختلفة.
مع الممثلة فرح ورداني هذا الحوار:
○ نلمس دائماً تفاعلاً من جمعية لبن مع الأحداث الكبيرة التي يمرّ بها لبنان. خلال وبعد العدوان الصهيوني قدّمتم «قصصكم ع المسرح». كيف تفاعل الأطفال مع هذا العنوان؟
• «قصصكم ع المسرح» عرض شهري نقيمه في الأستوديو منذ 11 سنة، توسّع وكبر خلال العدوان الإسرائيلي، فالواقع استدعاه. مع بدء العدوان نزح عدد كبير من المنتمين للجمعية عن منازلهم، كمجموعة ندرك مدى ارتباطنا بواقعنا، ولهذا تابعنا العمل. يستحيل أن نشهد العدوان بأيدٍ مكتوفة، فهذا يتنافى مع تعريفنا لذاتنا بأننا ناشطون سياسياً واجتماعياً، لا نملك قدرة حمل السلاح والدفاع عن وطننا، بل نملك قدرة التخفيف عن شعبه. قررنا الإنطلاق إلى مراكز الإيواء حيث النازحين، أقمنا ورشات عمل أسبوعية مع الأطفال، تضمّنت الموسيقى، والمسرح، والغناء، والرقص والرسم، والهدف خلق مساحة تُخفف عنهم أثر الصدمة. بعد أسابيع على بدء العدوان، وتعمّق إحساس النازحين بالعنف الكبير الذي أدى لانسلاخهم عن واقعهم، قررنا إقامة عروض مسرحية تتيح سماع قصص الناس، عروض قالت لهم بأننا نسمعهم ونراهم ونهتم بهم، ونساعدهم على استخرج القصص من داخلهم. نُدرك بأن عدونا يهدف لمحونا جسدياً، وفكرياً وثقافياً وقتل كل مقاومة فينا، ومن الواجب أن تبقى قصص الناس على قيد الحياة بعد روايتها من قبلهم، وما لا نرويه من قصصنا يصبح ملكاً للاعداء.
○ متى بدأ نشاطكم مع النازحين وأين؟
• بدأت حركتنا باتجاه مراكز النزوح منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر وضمن الجنوب. واستمر حضورنا وفق وتيرة محدودة خاصة في النبطية رغم تعرّضها للغارات. حضور توسع تبعاً لاتساع العدوان. وتواصلنا اونلاين مع الذين قرروا الصمود في القرى الأمامية مثل عين إبل وتبنين وبرعشيت وسواها، مع توسع العدوان احتجنا أسبوعاً لملمة الفريق، بعد نزوحهم إلى كافة المناطق اللبنانية.
○ عندما يكون الإنسان بحالة نزوح وفي وضع نفسي صعب هل يُقبل على اللقاء مع غرباء لا يعرفهم؟
• يقبلون وبلهفة وشوق. كنّا نقصد مدارس النبطية التي تأوي نازحين، وفي الوقت نفسه الصفوف الدراسية مستمرة لإنجاز العام الدراسي 2023/2024، وجدار الصوت يخرق الأجواء بين الحين والآخر، والقصف البعيد على قرى الجنوب متواصل. بوجودنا كان التلامذة النازحون يشعرون بمساحة آمنة تسمح بالتعبير عن ما يجول في خاطرهم، وما يؤرقهم.
○ ماذا سجلت من انطباعات خلال تلك اللقاءات؟
• يمكن وصف المرونة التي يتمتع بها هذا الجيل من اللبنانيين بالاستثنائية. جيل تعلّم القراءة والكتابة اونلاين خلال الجائحة. قدرة احتمالهم كبيرة، يتمتعون بامكانية تطويع الواقع الذي يعيشونه بشكل مُدهش، لم تقف الحرب بطريقهم.
عرضنا في مدارس وصفوف خسرت طلاباً في العدوان إما بالقصف أو المقاومة، تلامذة صفوف ثانوية يدرسون الرياضيات، والعلوم وزملاءهم شهداء.
○ وكيف عبّروا عن قصصهم على المسرح؟
• تحدّثوا كثيراً عن الخسارات. وتساءلوا عن الاستمرار. وجدوا في التعلّم فعل صمود، وفي لقاءاتهم اليومية فعل انتصار. وتحدثوا عن الفن ودوره في مساعدتهم على متابعة الحياة والمواجهة.
○ هل تركت الخسارات الإنسانية لديهم نقمة؟
• بالتأكيد وتركت، الحزن بادٍ لدى بعضهم، والنقمة مُطلقة على العدو المتوحّش، الذي يغيب ويعود ليذكر أهل الجنوب جيلاً بعد جيل بعدوانيته. تحدّثت إحدى المعلّمات كيف شرحت لأطفالها واقع العدو ولماذا نكرهه، وخلصت بأنه بنفسه أخبرهم عن حاله، فهو لا يتوانى من إعادة تغذية الكره، وتقديم مبرراته للأجيال الجديدة مع كل حرب يُقدم عليها.
○ وماذا عن التواصل مع الذين لم يغادروا منازلهم في القرى الحدودية؟
• كنا نغتنم فرصة نشاطهم مع الرعية، أو مع الكشّاف الذي ينتسبون له. عرضنا لهم عدداً من المسرحيات عبر زوم.
○ وهل حققتم تفاعلاً؟
• بالطبع. تحدثوا في أمور بعيدة عن الحرب كالتنمّر، والأحلام، والطموحات، والتفوّق على المخاوف. تلميذة من عين ابل تحدّثت عن تفوقها على خجلها من خلال المسرح، وبتشجيع من أستاذها.
○ هل حدث قصف قريب خلال تواصلكم عبر زوم؟
• نعم وردة فعل التلامذة تقدير الصوت «قريب أو بعيد».
○ هل من قصص مؤثرة رواها الأطفال تصلح للمسرح؟
• وهي كثيرة وبالغة التأثير. طفل عمره بحدود 11 سنة، وصف نفسه بالمُهذّب والهادئ، والمتفوّق، وأعلن أنه بات عصبياً جداً، ويشعر بحاجته للسباب. سألته تحديد زمن تلك المشاعر التي تنتابه؟ فأجاب: «من ليلة اللي نمنا بالشارع». كان في لحظتها طفلاً عادياً يعيش حياة منتظمة مع أم وأب وإخوة ويذهب يومياً إلى المدرسة. ليلة واحدة تكفّلت بتحويله إلى إنسان يستغرب ذاته. اُضطر مع ذويه لترك منزلهم في الضاحية الجنوبية حين اشتدّ القصف، وكانت السيارة مأوى أخواته ووالدته على كورنيش المنارة، ونام مع والده على الرصيف. طفل خسر هويته في ليلة، وتحوّل بحسب تعريفه لذاته «صرت كتير عنيف». هي قصة تُلخص أثر الحرب في نفوس البشر. وفي مسيرة لبن حولنا العديد من القصص التي سمعناها إلى إنتاج كامل. فضمن شراكة طويلة مع «محاربون من أجل السلام» قدمنا مسرحية بعنوان «ملجأ 89» بهدف أرشفة الذاكرة التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب الأهلية، وعملنا مطولاً في منطقة الكرنتينا بعد تفجير الرابع من آب/اغسطس. وصدر كتاب بعنوان «أحياء من الكرنتينا»، يجمع بين دفتيه حكايات الناس. وحالياً نعمل على مشروع جمع القصص التي سمعناها خلال الحرب الأخيرة، والبحث جار إن كانت ستُجمع في كتاب أو ستتحوّل إلى مسرحية. أتمنى إيجاد تمويل لهذه الأفكار رغم كوننا نتلمس محاولات طمس لقصص العدوان الأخير.
○ دائماً القصص مؤلمة؟
• بل أن طفلاً أخبرنا بما هو مضحك. نزح من النبطية إلى طرابلس حيث اكتشف «حلاوة الرز» وأغرم بها، ولأجلها تسجّل في النادي كي يأكل منها الكثير، كي لا يزيد وزنه. بالتأكيد سمعنا قصصاً مضحكة، وفي الوقت نفسه تُعبّر عن التقارب بين الناس وإيجابيات التجربة فيما بينهم.
○ طفل لبناني بات عنيفاً بعد ليلة التحف فيها السماء. فما هو أثر الحرب على أطفال غزة وهم لاجئون من الجد إلى الأب؟
• بالطبع واقعهم مؤلم. لن يكونوا بمنأى عن تأثير العنف المتوارث عليهم. وسيعملون للرد وعبر الأجيال. مع الاحتلال الصهيوني يراقب الأطفال الواقع، ويدركون فرضية إن لم أقتِل فسوف اُقتَل، ولا خيار آخر. يدركون أن عدوهم يصفهم بالوحوش البشرية، والعالم جميعه لا يعترف بإنسانيتهم. العنف الذي عاشه أطفال غزّة وما يزالون، يعجز العقل البشري من استيعابه.
○ الألم متوارث؟
• بالتأكيد الصدمة تُورّث دون معايشتها بالوعي، الأجيال ترث صدمات الأجداد. وتُمثّل التروما في التعبير الطبي الأذى الذي لا يزول. إذاً الـ «دي إن أي» ترث الصدمات والخوف والرعب.
○ نعرف الأغنية المقاومة فهل للمسرح دور مقاوم؟
• الفن بكافة وجوهه يفترض أن يكون مقاوماً نظراً لدوره في بث الوعي لدى الناس. وأي فن يعرّف نفسه بأنه غير مقاوم، فذلك يعني قبوله بنظام عنيف يمارس على البشر. خلال هذه الإبادة إن لم أكن أملك موقفاً أعلنه من خلال فني، أكون من المسوقين للواقع القائم. فننا يمثّل حريتنا بعد أن شهدنا على تدهور أخلاقي مريع، بعدم تصدي العالم لوصفنا من قبل الاستعمار الصهيوني بالحيوانات. كفنانين نعرف الفنان الصهيوني شمعون ليفي الذي يُنسب له تأسيس المسرح الإسرائيلي. يقول في كتابه «المسرح الإسرائيلي» بأن الإسرائيليين كتبوا في السنوات الخمس الأولى نصوصاً مسرحية، بحجم ما كتبه العرب منذ الجاهلية إلى لحظة تأسيس دولة إسرائيل. ويشرح دوافع غزارة المسرح في بدايات تأسيس الكيان بهدف إقناع «الرجل الأبيض ذو الساق الطويلة، والخصر النحيف، والعظام اللينة، بأن هذه الأرض الصخرية المتعرّجة هي أرضك». والسؤال كيف يمكن إقناع رجل لا يملك العضلات لتساعده على تسلّق الصخور التي تتميز بها منطقتنا، بأنه في أرضه؟ فذاك الرجل الأبيض مركّب جينياً كي يعيش في أوروبا حيث الأرض منبسطة ولينة ودون صخور، وغير مؤهل لأن يعيش في أرضنا التي تصل حراراتها لما فوق الأربعين درجة مئوية. ولهذا نشُطت الكتابات والعروض المسرحية كي تُقنعهم بأنهم في أرضهم. وعندما دخل مقاتلو حماس إلى غلاف غزّة في السابع من أكتوبر شاهدوا انتشاراً لإعلانات تقول «أنتم شعب واحد». بعد مرور 77 عاما على تأسيس الكيان المستوطنون يحاولون اقناع ذاتهم بوحدة مجتمعهم، فيما هم مجتمعات مُشرذمة. الفن مفتاح كي نتمسّك بهويتنا الواحدة كعرب رغم بعض الاختلافات.
○ من أين تمويلكم وما هي شروطه؟
• نعمل بمبدأ الشراكات مع شركاء محليين ودوليين. أحياناً يكون التمويل من قبلهم، أو من جهة ثالثة. في لبن ندقق بمصدر التمويل حيث نرفض التطبيع مع الجهات التي تموّل قتلتنا بالمليارات، ومن ثم تمنحنا فتات الألوف لنقدم فناً يرضيهم. شركاؤنا موثوقون كما «كير، ويو أن دي بي، ومحاربون من أجل السلام، وفوروم زد أف بي» وغيرهم من الهيئات المعروفة عالمياً في المجال الاجتماعي والإنساني.
○ دعم دون شروط؟
• بعضهم حاول خلال العدوان على لبنان فرض شروطه، فتخلينا عن الشراكة وكانت كبيرة، ولم نرض بالمطلوب. كان تعاون مع منظمة ألمانية عمره سنوات، طلبوا حذف فيديو عن فيسبوك، وهو أغنية أحمد قعبور «لينا كانت طفلة تصنع غدها»، قدّمها فريق لبن وتضمّنت عبارة «على أمل نعرض على كافة الأراضي الفلسطينية».
○ فرح ورداني لماذا أنت ممثلة؟
• منذ كنت تلميذة في ثانوية فخر الدين انتسبت لنادي المسرح. كانت علاماتي مميزة جداً وتتيح لي دراسة الاختصاص الذي أختاره. وجدت في المسرح المكان الذي أتنفّس منه، والمكان الأكثر صدقية. خلال دراستي الثانوية لعبت دور ولد، شعرت بقدرتي على تجسيد كل ما أريده على المسرح، بعيداً عن ضغوط المجتمع وأحكامه وقيوده. المسرح هو الحرية المُطلقة، ولأجل هذه الحرية قررت احتراف التمثيل.
○ دور لعبته ولا يُنسى؟ وآخر تتمنينه؟
• في صيف 2024 لعبت مع المخرج حمزة عبد الساتر إلى جانب زميلي حسن عبّود، وجميعنا أعضاء في لبن. قدمنا مسرحية «ساليديا» وكنت بدور «رهف» وهي خريجة مسرح وأستاذة في إحدى المدارس، تعيش قصة حب مع زوجها، ومن خلال الخطايا السبع يكون الجواب إذا كان موجوداً أم لا؟ هو أجمل أدوار حياتي. ويشغلني دائماً لعب شخصية ليلى خالد في السينما.
«القدس العربي»: