هلال شوال يعمِّق الخلافات بين دول وشعوب المنطقة ويحولها الى «ليلة الشك»

هلال شوال يعمِّق الخلافات بين دول وشعوب المنطقة ويحولها الى «ليلة الشك»
للمفطر فرحتان، يكرر مشايخ الدين في المغرب الكبير مع كل فطر جديد سعيد، فرحة نهاية مشقة الصيام وفرحة جزاء مفترض، أما فطر هذه السنة فقد جاء بجدالات وأفراح إضافية.
لا أريد أن أكون: على الأقل ذلك ما عكسته وسائل التواصل الاجتماعي التي ضجت بخبر منع رئيسة حزب اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبان من الترشح لخمس سنوات مع نفاذ فوري، بالإضافة إلى السجن سنتين ومثلهما مع وقف التنفيذ. الخبر الذي علقت عليه وسائل إعلام مغاربية بـ»الزلزال»، و»الصدمة» وغيرها من المفردات التي تعبر عن حجم المفاجأة التي ستغير لا محالة خارطة السياسة داخل فرنسا خلال السنوات المقبلة، تحول إلى تريند على مواقع التواصل الاجتماعي كـ»إكس»، «فيسبوك» و»تيك توك»، وفي الوقت الذي تصاعد فيه وسم «أنا مارين» بين أتباع أهم وجوه اليمين المتطرف في فرنسا، تحول الأمر إلى مادة للتندر، الشماتة بل الفرح بين المغاربة عامة الذين يشكلون أكبر عدد من المهاجرين داخل فرنسا، والذين تبني حولهم «لوبان» ومستنسخاتها على الساحة السياسية الفرنسية برامجها. لكن فرنسا لم تكن بطلة عيد المغاربة فقط، بل اعتلت بورصة الوسوم عالميا لهذا الأسبوع.
لم تكن المغنية الأمريكية «ليدي غاغا» تتوقع أن يتحول مقطع من أغنيتها الشهيرة «باد رومانس» لوسم (كراهية) عالمي مع تحوير «بسيط» في كلماتها. الأغنية التي تصدرت سباقات الأغاني منذ أزيد من خمسة عشرة سنة، عادت خلال هذا الأسبوع، ولكن لتحمل رسالة خصت بها الفرنسيين تحديدا، ويبدو أنها أثارت انزعاج حتى أكثر الطوائف جدية في البلاد. «لا أريد أن أكون فرنسيا» عوض «لا أريد أن نكون أصدقاء» في النسخة الأصلية مرفقة بفيديو يعبر فيه أشخاص كثر من جنسيات مختلفة استياءهم من الفرنسيين لسبب أو آخر: قلة نظافة شخصية، عجرفة، إفراط في تناول الزبدة، وغيرها من الأسباب التي برر بها أمريكيون وأوروبيون من جنسيات مختلفة ضيقهم من الفرنسيين، مبرزين في الوقت ذاته البدائل «القومية» المميزة، «زيت زيتون»، حمام إيطاليا الشعبي (ذو الأصول الفرنسية)، معالم سياحية، مناظر طبيعية، تجعل هذه البلاد أو تلك أفضل بكثير من فرنسا. لم يرق الأمر لشرائح واسعة من الفرنسيين الذين انغمسوا في حملة افتراضية مضادة تعدادا لمزايا الحياة الفرنسية: مدرسة ووزارة تعليم (في تندر على قرار الرئيس الأمريكي الأخير)، بطاقة تأمين صحي، مطابخ راقية، أكل صحي ومتنوع، بل وصل الأمر حد نشر الجيش الفرنسي على قناته الرسمية على موقع «تيك توك» مقطعا مصورا قصيرا اعتزازا بقدرات البلاد الدفاعية ورسالة تأكيد على الفخر بكونها فرنسية.
لم يشغل هذا التريند تحديدا المنطقة المغاربية، رغم القرب الجغرافي والتاريخي بينها والقوة الاستعمارية السابقة، لكن تناحرا مشابها و»عاطفة قومية» مفرطة سيطرت على مواقع التواصل. في الوقت الذي انشغل فيه سكان المملكة المغربية بصور منظومة «باتريوت» التي انتشرت على الصفحات في البلاد، تناقل الجزائريون أخبار استلام طائرات سوخوي متطورة حصرية للجزائر على صفحات كبرى داخل الجمهورية، كما شغلت المناورات التي قامت بها قوات تونسية على الحدود الليبية الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من البلدين: يعتقدون أن لهم جيشا، يظنون أنهم يرهبوننا بهكذا أسلحة بدائية، سخر كثر من الليبيين في حين أكد الأكثر شوفينية من التونسيين أن دور تونس محوري في الحفاظ على وحدة ليبيا حتى الساعة، ولولا الدعم التونسي لليبيين لما حظوا بدولة بعد كل العنف الذي مرت به البلاد. موقف تعفف عن التعليق عليه فريق من رواد مواقع التواصل التونسيين الذي انشغلوا بالغول الأمريكي الذي صارت ظلاله أكثر فأكثر حضورا. انشغلت – ولاتزال – الكثير من الصفحات التونسية بـ»أوامر» الرئيس الأمريكي لسفيره القادم في تونس بعد أن شدد على ضرورة المضي قدما في «اتفاقات إبراهام» التي تقسم الطبقة السياسية التونسية، وفعل ما يجب في بلاد السفير «المليملي» الذي استذكره التونسيون بمزيج من الحسرة والفخر. تناقلت صفحات كثيرة دوره الرائد في سن تقليد الإفطار السنوي في البيت الأبيض، منذ أكثر من قرنين من الزمن متسائلين حول «الغياب» المثير للريبة لسفيرة البلاد عن المأدبة التي جمعت ممثلين عن الكثير من البلدان العربية والإسلامية. فيما راح البعض يقللون من شأن الأمر والتأكيد على أن المأدبة كانت على شرف الطوائف التي دعمت الرجل للوصول إلى البيت الأبيض منذ أشهر إلا أن البعض لم يقتنع ورأى في الأمر إشارة لا تخطئ عما ينتظر البلاد. طالب البعض بضرورة ثبات الموقف في وجه «الأمبريالي الأكبر»، آخرون علقوا على الوضع الهش في البلاد وغياب ما يغمضون بها عين «الإعصار».
هلال و«رؤى»
لم تكن المنطقة العربية في حاجة لما «يفتتها بزيادة»، فبالإضافة لاختلاف وجهات النظر والمواقف حول حاضر وقادم «فلسطين»، مستقبل اتفاقات أبراهام، إعادة «تعريف» معاداة السامية بين شريحة من «المثقفين»، جاء هلال شوال ليعمق الخلافات بين دول وشعوب المنطقة. تحول موعد عيد الفطر لهذه السنة لمادة للجدل و»قضية رأي عام إقليمي»، بعد أن تشابه مصير «وحدة المطالع» بمصير «القمة العربية الأخيرة». والحقيقة أن الاختلاف في توقيت الأعياد الدينية لم يكن يوما موضوعا خلافيا في دول كاملة السيادة، اللهم بين جحافل العلماء والمشايخ، إلا أن لوسائط التواصل الاجتماعي رأي آخر على ما يبدو. ارتبط فطر السنة بجملة غرائب في المنطقة المغاربية، إذ تحول أمر رصد الهلال إلى ما يشبه «ساسبنس» يسبق نهاية كلاسيكو. تعود التونسيون كما الجزائريون خلال السنوات الأخيرة على اعتماد قرارات المملكة العربية السعودية في ما يتعلق بالرزنامة القمرية (إلا فيما ندر)، الأمر الذي جعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي يتفاعلون بقوة مع خبر تعذر رؤية الهلال بعد إعلان سابق مشابه في كل من مصر وليبيا.
في تونس حيا كثر القرار، ورأوا في الأمر إحياء للمرجعية «الزيتونية». في الجزائر تحول التأخر في البت في أمر العيد لمادة للسخرية بين نشطاء الفضاءات الرقمية خصوصا مع تزامن «ليلة الشك» مع نهاية الأسبوع، واضطرابات جوية موسمية، قبل أن تتحول موريتانيا إلى الوسم الأكثر تداولا في شمال إفريقيا، والسبب إشاعة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي رافقت تأكيد رصد الهلال في عدة مناطق في البلاد عكس باقي دول المنطقة.
أما الشائعة فقد دارت حول تأكيد أعلى الهيئات في البلاد تأكيد رؤية هلال العيد في توقيت السحور، ما جعل الأمر يتحول لـ»نكتة» يتفنن في تلوينها رواد مواقع التواصل الاجتماعي من مصر وحتى المغرب، قبل أن تنفي تقارير إعلامية زيف الأمر، وارتباط تأخر الإعلان النسبي بتوقيت البلد الذي يختلف عن بلدان المنطقة الأخرى.
كاتبة من الجزائر