اقتصاد

بعد تهديد أوتاوا له بإغراق أمريكا في الظلام: ترامب يؤجل قرار رفع التعرفة الجمركية

بعد تهديد أوتاوا له بإغراق أمريكا في الظلام: ترامب يؤجل قرار رفع التعرفة الجمركية

خالد الحمادي

أوتاوا ـ تعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خسارة المعركة الاقتصادية التي شنّها ضد الجارة الشمالية للولايات المتحدة، كندا، إثر مواجهة الأخيرة لتهديداته بأدوات أكثر قوة وأعمق تأثيرا على بلده، والتي دفعته إلى التراجع ـ حتى الآن – عن تنفيذ قرار رفع التعرفة الجمركية عن المنتجات الكندية الواردة إلى الولايات المتحدة وتأجيل تنفيذه مرتين، والذي قد يصل به الحال إلى إلغائه مستقبلا مع ضخامة تأثيرات ذلك على الاقتصاد الأمريكي في حال تم تنفيذه، مقارنة بتأثيره السلبي على الاقتصاد الكندي.
وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترامب أعلن منذ وصوله إلى البيت الأبيض في العشرين من كانون الأول/يناير الماضي عزمه رفع التعرفة الجمركية إلى 25 في المئة على المنتجات الكندية الواردة إلى بلاده، والتي ترتبط معها باتفاقات تبادل تجاري منذ عقود تقضي بإعفاء منتجات البلدين من الرسوم الجمركية.
ووقع ترامب على قرار تنفيذي، مطلع الشهر الماضي، يقضي برفع التعرفة الجمركية على منتجات كندا، غير أنه أُجبر على تأجيل تنفيذه مرارا في اللحظات الأخيرة حتى مطلع الشهر المقبل، إثر مواجهة الحكومة الكندية لهذا القرار الأمريكي بصرامة وبنفس الحدّية، وصلت حد المعاملة بالمثل واتخاذ قرار برفع التعرفة الجمركية إلى 25 في المئة على المنتجات الأمريكية الواردة إلى كندا.
وهددت كندا باستخدام أوراق اقتصادية أكثر تأثيرا على الولايات المتحدة في هذه المعركة التجارية التي دشّنتها الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب، وفي مقدمة ذلك رفع التعرفة الجمركية على الطاقة الكهربائية التي تصدرها كندا إلى الولايات الأمريكية الشمالية المجاوة لها، وفي مقدمة ذلك ولاية نيويورك، ووصل التهديد الكندي حد التهديد بقطع خدمة الكهرباء عن الولايات الشمالية الأمريكية وإغراقها بالظلام. تُعدّ الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لكندا، وكذا أكبر سوق للمنتجات الكندية، ففي العام 2024، تم تصدير بضائع كندية بأكثر من 680 مليار دولار أمريكي، وفي مقدمة هذه الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة الوقود والنفط الخام، والمركبات والآلات والمفاعلات النووية، والغلايات والحديد والصلب والأخشاب بالاضافة إلى المنتجات الزراعية.
وفور إعلان دخول القرار التنفيذي الأمريكي بشأن زيادة التعرفة الجمركية على واردات المنتجات الكندية إلى الولايات المتحدة حيّز التنفيذ، مطلع الشهر الجاري، فرضت كندا على الفور رسوما جمركية موازية على سلع أمريكية بقيمة 30 مليار دولار، وأعلنت كندا أن نطاق هذه الرسوم سيتسع إلى 125 مليار دولار ليشمل بقية المنتجات الأمريكية في غضون ثلاثة أسابيع.
ويرى اقتصاديون أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا ستنعكس سلبا على الأسواق الأمريكية أكثر منها على السوق الكندي، وبالذات على سوق السيارات والحديد والصلب وعلى تكاليف بناء المساكن؛ حيث تقدّر الواردات الأمريكية لمادتي البناء الرئيسيتين وهي الخشب والجبس من كندا والمكسيك بأكثر من 70 في المئة.
وبدأت آثار هذه الحرب التجارية بين البلدين الجارين في أمريكا الشمالية تلوح في الأفق بإلقاء ظلالها القاتمة على الوضع الاقتصادي عموما وبالذات على أسعار المواد الغذائية وعلى السلع الاستهلاكية، وخلقت اضطرابا واضحا في سوق الأسهم الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة.

مجابهة التهديدات الأمريكية

أعلن دوغ فورد، رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو الكندية، المنتجة للطاقة الكهربائية بواسطة مساقط شلالات نياغرا، وكذا المستضيفة لكبرى مصانع إنتاج السيارات والحديد والصلب، عن رفع رسوم خدمة الكهرباء المصدّرة إلى الولايات المتحدة في حال مضت واشنطن في تنفيذ قرارها برفع التعرفة الجمركية على المنتجات الكندية.
وقال في مؤتمر صحافي «دعني أكون واضحا، لن أتردد في زيادة هذه الرسوم إذا لزم الأمر، اذا أقدمت الولايات المتحدة على تصعيد الموقف، ولن أتردد في قطع الكهرباء بالكامل – عن الولايات المتحدة». موضحا «أشعر بالأسف الشديد على الشعب الأمريكي، لأنه ليس هو الذي بدأ هذه الحرب التجارية معنا، وإنما شخص واحد المسؤول عن ذلك وهو الرئيس ترامب».
وأضاف «نفضّل أن نعمل معا. نريد أن نبيع الولايات المتحدة المزيد من الطاقة، المزيد من الكهرباء، والمزيد من المعادن الثمينة. نريد أن نجعل كندا والولايات المتحدة الأغنى، والأكثر نجاحا والأكثر أمانا على وجه الأرض، ولكن حسب مسؤوليتي الحكومية وظيفتي الأساسية هي حماية مصالح شعبي في أونتاريو وفي كندا بشكل عام».
وقال فورد بلغة قوية خالية من الدبلوماسية وبلهجة غير مسبوقة «سأفعل كل ما يتطلبه الأمر، سأقاتل كما لم أقاتل من قبل لحماية مصالح شعبي».
ويرأس دوغ فورد حكومة مقاطعة أونتاوريو منذ 2018، وهو من حزب المحافظين التقدمي، الذي يعد الحزب المعارض الرئيس للحزب الليبرالي الكندي الحاكم، كما تعد أونتاريو المقاطعة الأغنى في كندا، نظرا لاحتوائها على مقار كبرى الشركات في العاصمة الاقتصادية للبلاد، مدينة تورونتو، وكذا لوقوع العديد من المدن التي تحتضن صناعة السيارات فيها مثل وينزور، أوكفيل، كامبريدج، أوشاوا وأليستون، بالإضافة إلى مدينة هاميلتون التي تتمركز فيها صناعة الحديد والصلب، وكذا مدينة نياغرا التي تتشارك مع ولاية نيويورك الأمريكية مساقط شلالات نياغارا، التي تنتج الجزء الأكبر من الطاقة الكهربائية في كندا وتصدر جزءا كبيرا منها إلى ثلاث ولايات أمريكية هي نيويورك وميتشيغن ومينيسوتا. وتعد الطاقة الكهرومائية المنتجة في شلالات نياغرا الكندية، من أقوى الأوراق التي هددت الحكومة الكندية باستخدامها لممارسة الضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعدول عن قراره برفع التعرفة الجمركية عن المنتجات الكندية المصدّرة إلى الولايات المتحدة، والتي جعلت الإدارة الأمريكية تتراجع مرارا عن تنفيذ قرارها الجنوني، تفاديا لقرار جنوني مماثل قد تتخذه الحكومة الكندية، لمجابهة ذلك.
وتعد مياه نهر نياغرا، الذي يُشكل الحدود الطبيعية بين مقاطعة أونتاريو الكندية، وولاية نيويورك الأمريكية، المصدر الرئيسي لشلالات نياغرا، التي تولّد الطاقة الكهرومائية عبر محطتين لإنتاج الطاقة الكهربائية في الجانب الكندي، وتعتمد عليها بشكل كبير ولاية نيويورك بالإضافة إلى ولايتي ميتشيغن ومينيسوتا، الأمريكيتين، كما تشكل أيضا مصدرا رئيسا للطاقة الكهربائية في مقاطعة أونتاريو الكندية.
ونظرا لأن ولاية نيويورك الأمريكية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الطاقة الكهربائية المُولّدة من شلالات نياغرا، عبر محطات الطاقة الكهرومائية الكندية، اضطرت حكومة مقاطعة أونتاريو الكندية، بضوء أخضر ودعم من الحكومة الفيدرالية في كندا، إلى استخدام ورقة رفع رسوم خدمة الكهرباء المباعة للولايات المتحدة، كإحدى أدوات الضغط لمجابهة «القرارات الجنونية» التي اتخذها الرئيس الأمريكي ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع العام الجاري، ضد كندا وضد العديد من الدول الأخرى، وفي مقدمتها الجارة الجنوبية، المكسيك.
وأسفرت التوجهات الأمريكية نحو رفع التعرفة الجمركية على كندا، عن تقديم رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو – مطلع كانون الثاني/يناير الماضي – استقالته من منصبه الحكومي كرئيس للوزراء في الحكومة الفيدرالية ومن زعامة الحزب الليبرالي الحاكم لكندا منذ العام 2015، تحت ضغوط تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد ومضاعفة ذلك مع التصعيد التجاري الأمريكي على كندا.
ولانتشال البلاد من الأزمة الاقتصادية الراهنة وتحسين صورة الحزب الليبرالي أمام الناخبين، في الانتخابات النيابية المقرر انعقادها في تشرين الأول/أكتوبر القادم، انتخب الحزب الليبرالي في التاسع من الشهر الجاري رئيسا جديدا للحزب وهو الخبير الاقتصادي المخضرم في البلاد مارك كارني، والذي كلّفه الحزب الليبرالي -عقب فوزه – برئاسة الوزراء في كندا حتى إجراء الانتخابات النيابية القادمة، ومن المقرر أن يستمر في رئاسة الوزراء في حال تمكن الحزب الليبرالي من تشكيل الحكومة الفيدرالية عقب الانتخابات المقبلة.
ويعد مارك جوزيف كارني 1965 أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين في كندا، حيث شغل مناصب اقتصادية رفيعة في كندا وغيرها خلال حياته المهنية، وفي مقدمتها منصب محافظ البنك المركزي الكندي من عام 2007 إلى عام 2013، ومحافظ بنك إنكلترا البريطاني من عام 2013 إلى عام 2020، كما عمل قبل ذلك نائبًا أول لوزير المالية الكندي.
وقاد كارني ـ خلال عمله في رئاسة البنك المركزي الكندي – إدارة السياسة النقدية الكندية بنجاح خلال الأزمة المالية العالمية، عام 2008، وبعد تعيينه محافظًا لبنك إنكلترا، لعب دورا رئيسا في قيادة استجابة البنك المركزي البريطاني لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ويعد أحد مهندسي تلك المرحلة الاقتصادية في بريطانيا.
ويأمل الكثير من الكنديين، وبالذات المؤيدين للحزب الليبرالي، في أن يلعب كارني دورا مهما في إنقاذ كندا من التضخّم العالي الذي أصاب الوضع الاقتصادي في البلاد، ومجابهة السياسة الاقتصادية التي تنتهجا الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب، ومواجهتها بالمستوى القوي الذي يضمن لكندا مكانتها الاقتصادية المعهودة.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب