منوعات

حارسٌ في الزنزانة ومشجعٌ في الملعب: حين تنتصر فلسطين بلا صفارة

حارسٌ في الزنزانة ومشجعٌ في الملعب: حين تنتصر فلسطين بلا صفارة

مريم مشتاوي

في أقصى الزنازين، حيث الوقت لا يتحرك إلا بثقل الوجع، وفي ظلال الجدران التي لا تعرف سوى صدى الآهات، ترجل وليد. لم يودع أحداً. لم يكن يعلم أن حارس المرمى لا يحرس الموت. لم يكن يدري أن الشباك التي أعدّ نفسه لحراستها، ستتحول إلى أسلاك تقيده، وأن الكرة التي لطالما طاردها بشغف الطفل، ستستبدل بقيد، وبدل الهتاف صمت السجان.
وليد الباشا، ابن السبعة عشر ربيعاً، لم يكمل ربيعه الثامن عشر، ولم يُمهل كي يرى الحياة كما أرادها. من بلدة سلواد، شرقي رام الله، جاء يحمل الحلم بين يديه كما يحمل الحارس الكرة المرتدة من ركنٍ خادع. كان حلمه بسيطاً، بقدر ما كان نبيلاً؛ أن يصبح حارساً لمرمى فريق كبير، أن يحمل القفازات البيضاء لا القيود، أن يصرخ فرحاً بعد كل تصدٍ للكرة لا أن يصمت للأبد.
في أكاديمية العاصور الفلسطينية، كان وليد نجم الحراسة، ينتظر المباريات كما ينتظر الطفل العيد. يبتسم كثيراً، يركض كثيراً، ويصدق كثيراً. لم يعرف الخبث الذي يتربص بالقلوب النقية، ولا توقع أن للبراءة ثمناً قد يكون الحياة نفسها.
اعتُقل دون تهمة واضحة، سُحب من حضن أهله كما تُنتزع الوردة من أرضها، لمجرد أن اسمه ذُكر في اعترافات مشكوك فيها. هكذا اقتيد إلى سجن «مجدو»، وهناك بدأ فصله الأخير، لا في كتاب الطفولة، بل في ملحمة الأسر.
في سجون الاحتلال، كان يعيش بين العزل والانتظار. أصيب بمرض الجرب.. تُرك وحيداً، بين الألم والبرد، يُحك جلده ويخدشه، بينما العدالة خارج الزنزانة تتثاءب.
والده يقول: «كان وليد بصحة جيدة، لم يكن يعاني من شيء، كان يحلم فقط».. وكان يراهم في المحكمة عبر شاشة باردة لا تنقل حرارة الأحضان، لا تسمح بلقاء العيون، فقط وجهٌ على شاشة، يشبه ابني، لكنه مكسور، متعب، صامت.
ستة أشهر من التأجيل، ومحاكم تتفنن في المماطلة، حتى أصبح الانتظار سجناً إضافياً. لم يُنطق بالحكم، لأن القيد كان أسرع من العدالة. ومنذ أيام فقط، خرج أسير من نفس زنزانته، وقال لنا: «وليد بخير، يبعث بسلامه».. وحين تهيأنا للفرح، باغتنا الموت بخبر: «لقد استُشهد وليد»…
كيف يموت من كان قبل أيام يبعث بسلامه وتحياته وأشواقه؟ أي يدٍ اغتالت الحلم بهذه القسوة؟ من يحاسب السجان حين يكون القتل ببطء، حين يُختزل الموت في إهمالٍ مقصود، في دواءٍ غائب، في طبٍ لا يُمارس إلا بعد أن يموت الجسد؟
هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية نعت الشهيد، ونددت بالجريمة، ووصفتها بأنها صفحة جديدة في سجل التوحش الإسرائيلي. وقالت إن استشهاد القاصر وليد يشكل مرحلة أكثر دموية من أي وقت مضى. ثلاثمئة شهيد أسير، هم الشهود الصامتون على هذه المجازر المقننة، على هذا الموت الذي لا يزعج العالم لأنه يقع خلف الجدران.
لكن وليد ليس رقماً. هو ليس جثة أخرى في أرشيف الدم. وليد كان حلماً، كان ضحكةً في ساحة المدرسة، كان نداءً في مرمى صغير من تراب، كان أملاً على شفاه أم كانت تُحضّر له فطور المباراة.
من يكتب عن وليد، لا يكتب عن موتٍ عابر، بل عن نكسةٍ في ضمير العالم.
لقد كان حارساً، لكنه لم يُمنح فرصةً لحراسة مستقبله. لقد وقف في المرمى، لكنه لم يقف في وجه الموت، لأن الموت في الزنازين يأتي دون صفارة، دون سابق إنذار، دون معنى.
والده، المنكوب، لا يزال يطرح السؤال ذاته: «كيف مات؟ ولماذا؟» وليس ثمة جواب. لأن الإجابة لو كانت عادلة، لما مات. ولو كانت الرحمة تسكن قلب المحتل، لما جاع، ولا مرض، ولا تُرك وحده يودع الحياة في صمتٍ قاتل.
في بلدة سلواد، حكاية وليد لا تزال تُروى. الأطفال هناك، حين يركلون الكرة، يذكرونه. حين يلبسون القفازات، ينظرون إلى السماء. ربما، في كل مرمى يقف فيه طفلٌ فلسطيني، هناك روح وليد تحرس. هناك شبحه الجميل، صوته، ضحكته، قلبه النابض بالأمل. وليد مات، لكن الحلم لم يمت. لأن كل طفل فلسطيني يحلم أن يحيا كما عاش وليد: بريئاً، طاهراً، شجاعاً. وكل أمّ تنظر إلى صورة وليد، وتقول في قلبها: «كان يمكن أن يكون ابني»…
وهنا تكمن المأساة، وتكمن البطولة معاً.
رحل وليد، حارس المرمى الذي لم يُهزم في المباريات، لكنه خسر معركةً لم يُسمح له أن يخوضها. خسر في ساحةٍ لا جمهور فيها، ولا عدالة، ولا حكم.
لكنه، في قلوبنا، لم يُهزم. لأن روحه تحرس اليوم كل المرمى الفلسطيني، كل الشرف، كل الحلم.
وليد، سلاماً عليك… أيها البطل الصغير، يا شهيد الحلم، يا حارس الغياب…

حين سجّل مشجع تونسي هدفاً باسم فلسطين!

في لحظةٍ لم تتوقعها الكاميرات، وفي مشهدٍ هزّ أعمدة الملعب كما تهزّ الريح أعشاش العصافير على شرفات البيوت، خرج من بين المدرجات مشجعٌ تونسي، لا يحمل قميصاً باسم نجم شهير، ولا وشماً على وجهه ليدّعي المجد، بل كان يحمل شيئاً أثقل من كل ذلك: غضبًا تزينه الكرامة، وحبًا تتقدمه فلسطين.
كان يُدعى على الأغلب حسن أو مراد أو زياد، لا يهم الاسم، فما فعله صار اسمه. نزل إلى أرض الملعب لا ليسجل هدفاً، بل ليمزق صمتاً. قفز بخفة قطة تعرف دروب الليل، اقترب من اللافتة الإعلانية التي تعلوها حروف «كارفور».. تلك الشركة التي قررت أن تسند ظهرها للاحتلال الإسرائيلي بلا حياء ولا خجل، ثم بكل ثقة وجرأة نادرة، مدّ يده، وبدأ ينزع الشعار كما يُنتزع الظلم من جدار الوطن.
هكذا أخرج من جيبه علم فلسطين، ذاك العلم الذي لا يموت رغم محاولات الطمس المتكررة، ورفعه عالياً بيدٍ تهتز بالعنفوان، عمّ التصفيق كالرعد في يوم عاصف. لم يُصفق الجمهور للمباراة، بل للكرامة التي مشت على العشب الأخضر وهي تقول: «الحق لا يحتاج لتأشيرة دخول.»
رفع العلم كما يُرفع الأذان، بقلبٍ مفعم، وصدرٍ مرفوع، ولحظة واحدة صارت تاريخه كله. الكاميرات، لوهلة، ترددت: هل تنقل هذا المجد أم تتجاهله كما تتجاهل الفضائيات صرخات الغزيين تحت الأنقاض؟ لكن الجمهور كان قد قرر: نحن معك يا تونسي، نحن معك يا حامل الحلم، نحن معك يا من تحب فلسطين حباً لا يُترجم إلى بيانات، بل بالأفعال.
ثم جاءت قوات الأمن. ظهروا من كل صوب، كما في مشاهد أفلام الأكشن، كأنّ الرجل هدد الأمن العالمي بعلم من قماش. أمسكوه من ذراعيه، شدّوه من قميصه، لكنه لم يُسقط العلم، كان لا يزال مرفوعاً.
أخرجوه من الملعب كأنه بطل، لا مذنب. حتى وهو مكبل اليدين، بدا كمن انتصر. كانت ملامحه تقول: «فعلت ما لم تجرؤ عليه الأنظمة».
وهكذا صار المشجع التونسي، الذي لم يكن على قوائم النجوم، نجمًا بنجمتين: نجمة تلمع على جبينه، ونجمة تتوسط علمه الفلسطيني. سقطت عنه جنسيته الجغرافية مؤقتًا، وصار سفيراً لكل من لا صوت له، لكل من ضاعت فلسطين من نشرات أخبارهم، لكنه أبقاها محفورة على جدار القلب.

*كاتبة لبنانيّة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب