غزة تموت تجويعاً.. وغياب حليب الأطفال “الأكثر فتكاً”: ما معنى “إدخال” المساعدات في القاموس الإسرائيلي؟

غزة تموت تجويعاً.. وغياب حليب الأطفال “الأكثر فتكاً”: ما معنى “إدخال” المساعدات في القاموس الإسرائيلي؟
بعين غير انتقادية، يبدو أن صندوق المساعدة لغزة قصة نجاح مدهشة. بعد أن تفاخر الإثنين الماضي بأنه قام بتوزيع أكثر من “85 مليون وجبة”، وفي اليوم نفسه “لم تكن أي أحداث”، كان يمكن الاعتقاد بأن الصعوبات والمنشورات السلبية في بداية طريقه لم تكن إلا الحبل السري الذي رافقه أثناء الولادة. ولكن في هذه المعادلة الناجحة عدة عوامل مجهولة، بالأساس غياب العلاقة ونظرة أوسع للصورة. إذا كان في قطاع غزة 2.1 مليون شخص مطلوب إطعامهم ثلاث وجبات في اليوم، فقد احتفل الصندوق الإثنين الماضي باليوم الـ 56 لنشاطاته، فما هو عدد الوجبات التي كان يجب أن يوزعها؟ بحساب بسيط، نحصل على جواب واحد وهو 353 مليون وجبة. هكذا، حتى لو بمعجزة ما، نجح سكان غزة بتوزيع الطعام الذي يوزعه الصندوق فيما بينهم، وبعد ذلك طبخه واستخراج كل السعرات الحرارية منه والمكونات الغذائية الموجودة فيه، فإن الأمر ما زال يتعلق بكمية قليلة من كمية الطعام المطلوب لبقاء السكان على قيد الحياة. هذه الفجوة تكشف خدعة واحدة في الحسابات المتعلقة بالتجويع.
وثمة فجوات أخرى. ففي نهاية الأسبوع الماضي، ارتفع الجوع درجة في غزة. فالمستشفيات، والمنظمات الإنسانية، والصحف وسكان غزة، الجميع يتحدثون عن نقص كبير في الطعام، حتى مقارنة بالأشهر السابقة. أمس، نشرت وزارة الصحة في القطاع بأن 15 شخصاً توفوا خلال 24 ساعة، بينهم أربعة أطفال، بسبب الجوع وسوء التغذية. منذ بداية الحرب، قيل بأنه توفي 101 أشخاص لنفس الأسباب، بينهم 80 طفلاً. عشرات الأموات يتم إحصاؤهم في الفترة الأخيرة لنفس الأسباب.
لكن الجوع في القطاع لا يتمثل فقط بالأرقام؛ بل ينعكس أيضاً في الصور والأفلام والروايات. الشبكة مليئة بالتوثيقات – أطفال رضع يتم جائعون، أيديهم وأرجلهم نحيلة، وبطونهم منتفخة، شخص بالغ يأكل أوراق التين ليشبع جوعه، شخص تحدث عن رجل طارد زوجته بعد أن أكلت وجبته، المستشفيات تتحدث عن كبار سن ينهارون بسبب التعب ودرجة الحرارة والجوع، والدان قالا إنهما حاولا تقديم القليل من العزاء لأولادهما بدلاً من الخبز. “لم آكل منذ يومين”، قالت امرأة اسمها سلوى، وهي أم لطفل رضيع من حي التفاح. “جسمي لا ينتج الحليب، وطفلي يبكي إلى أن ينام. نغذيه على ماء الأرز، ولكنه يعرف الحقيقة، حسب طعمه التافه”.
إضافة إلى التقارير التي تتدفق حول الجوع المتفشي، ينشر صندوق المساعدة لغزة بيانات احتفالية في الصحف عن توزيع كميات كبيرة من الطعام، وكأن الأمر يتعلق بعالمين متوازيين، غريبين عن بعضهما. لفهم العلاقة المتبادلة بين هذين العالمين، يجب الغوص في أعماق البيانات والحقائق. حسب الصندوق، يوجد في كل صندوق مساعدات 57.75 وجبة (الحساب هو ثلاث وجبات في اليوم ضرب 5.5 فرد في كل عائلة ضرب 3.5 يوم) لكن هذا الرقم يثير التساؤل.
على سبيل المثال: في ظروف العيش الحالية في القطاع، هل يمكن حقاً إخراج نحو 60 وجبة من خلال 16 – 18 كغم طعاماً؟ تركيبة الرزم تتغير، لكن يمكن إيجاد 4 كغم طحين في معظمها، 3 كغم معكرونة، علبة طحينة، 4 كغم حمص وعدس، زجاجة زيت، كيلو ملح و2 كيلو أرز. نظرياً، كمية لا بأس بها من هذه السلع يجب أن تدخل إلى طنجرة الطبخ، وهذه مهمة مستحيلة في ظل الوضع الحالي في القطاع، لأنه لا مطبخ يعمل، أو حتى غاز للطبخ. وثمة نقص كبير في المياه النظيفة المطلوبة أيضاً للطبخ، هذا قبل الأمر المفهوم ضمناً، وهو القدرة على الاحتفاظ بالطعام وتخزينه لبضعة أيام بين الهرب والتهجير مرة تلو الأخرى.
سؤال آخر: هل الطعام الذي يقدمه الصندوق يصل في الأصل إلى المحتاجين إليه؟ منذ بدأ الصندوق في العمل قبل شهرين تقريباً، وهو يعمل في أربعة مراكز توزيع، تكون مفتوحة كل يوم لفترة قصيرة جداً، على الأغلب ربع ساعة، إلى حين نفاد الطعام، وبدون جدول زمني معروف مسبقاً. الدمج بين الجوع من جهة وعدم اليقين بخصوص فتح مراكز التوزيع من جهة أخرى، خلق وضعاً يعرض فيه عشرات الآلاف حياتهم للخطر يومياً، يأتون إلى المراكز يومياً على أمل الحصول على بعض الطعام لعائلاتهم، حتى إن بعضهم ينامون على الرمال في مناطق إطلاق النار المحيطة بمراكز التوزيع ليكونوا في أول الطابور.
هذا الضغط يحول الطريق إلى مراكز التوزيع والمراكز نفسها إلى فخاخ موت – في كل يوم يقتل العشرات، معظمهم بنار جنود الجيش الإسرائيلي الذين يحاولون السيطرة على الجمهور بواسطة النار الحية. حتى الآن، تم إحصاء 1000 فلسطيني قتلوا بهذه الطريقة في مراكز التوزيع وفي الطريق إليها أو قرب الشاحنات التي تنقل الغذاء. من كان لهم حظ وبقوا أحياء ونجحوا في الدخول إلى مراكز التوزيع، يتقدمون من أكوام الصناديق ويخطفون ما تصل إليه أيديهم. خلافاً للتوزيع الذي قامت به الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية على أساس تسجيل منظم ومن خلال مئات نقاط التوزيع، لا نظام أو قانون في مراكز صندوق المساعدة؛ كل يخطف بقدر استطاعته ويهرب بجلده. لذلك، فإن المحتاجين جداً للطعام، من الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى، تبقى أيديهم فارغة.
“أيضاً، ثمة فروقات بين من يحصلون على المساعدات”، قال للصحيفة شخص تواجد في القطاع حتى فترة قريبة. حسب قوله، فإن مجموعات منظمة من الشباب ترسل الأصدقاء إلى مراكز التوزيع لتحقيق المكاسب. “هم يفتحون الصناديق ويأخذون السلع الثمينة مثل الجبنة والزيت وربما التونا، ويركضون إلى السيارة التي تقف على مسافة غير بعيدة ويضعونها فيها”، قال. “في طريق العودة إلى مخيمات النازحين، يبيعون هذه السلع مباشرة من السيارة، وكلما ابتعدوا عن مراكز التوزيع ترتفع الأسعار”.
وعندما يصل الطعام إلى السكان المحتاجين جداً، فإنه لا يساعدهم، لأن الطعام الذي يوزعه الصندوق غير متنوع بما فيه الكفاية. ولا يوجد طعام مخصص لمرضى الاضطرابات الهضمية ومرضى القلب أو مرضى الكلى. ثمة نقص في غذاء الأطفال، الذي غيابه هو الأكثر شدة، ويبدو أنه الأكثر فتكاً. غذاء الأطفال أصبح سلعة حيوية لإنقاذ حياة أطفال غزة، لأن الأمهات، اللواتي هن أنفسهن يعانين من سوء التغذية، لا يمكنهن إرضاع أطفالهن.
فيما يتعلق بهذه المسألة، ثمة تناقض بين البيانات التي ينشرها مكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق، وبين الواقع على الأرض. حسب المكتب يقول منسق أعمال الحكومة، إنه تم إدخال 2500 طن من غذاء الأطفال والطعام المكمل للأطفال إلى القطاع خلال الأشهر الأخيرة، لكن يوجد لمفهوم “إدخال” عدة تفسيرات. المنظمات الإنسانية التي تعمل في القطاع تقول إن كمية كبيرة من الطعام الذي يشق طريقه إلى القطاع تعلق بالفعل في الجانب الفلسطيني من الحاجز، لأن الجيش الإسرائيلي يمنع حركة الشاحنات. في حالات أخرى، تدخل الشاحنات إلى القطاع ولكن يتم نهبها وهي في الطريق إلى مخازن التوزيع. على أي حال، الفوضى التي خلقتها الحرب، وعمليات التهجير المتكررة للسكان وانهيار المنظومة الصحية، كل ذلك يمنع الطعام عن الأطفال المحتاجين جداً له، ويسرقون منهم احتمالية البقاء على قيد الحياة.
هذه الكارثة كانت متوقعة. فخبراء في التغذية وفي توزيع المساعدات الإنسانية، حذروا الحكومة الإسرائيلية من هذا السيناريو. وحتى الآن، رغم موت الأطفال والكبار تجويعاً، وانهيار برنامج التغذية، فلا أحد في المنظومة الإسرائيلية يشعر بالإلحاحية. وهذا ينطبق أيضاً على ما يحدث في المحكمة العليا في القدس. ففي 18 أيار الماضي، قدمت أربع منظمات حقوق إنسان التماساً للمحكمة العليا (بعد رفض التماس سابق في هذا الشأن)، طلبت فيه السماح بإدخال الغذاء بدون قيود إلى القطاع. بعد ذلك، قدمت النيابة العامة عشرة طلبات لرفض إعطاء إجابة على الالتماس، الأخير قدمه المحامي يونتان بيرمان والمحامي يونتان سيتون من قسم الالتماسات في النيابة العامة. هذا الطلب أيضاً، مثل تسعة طلبات سابقة، صادق عليه أمس القاضي يوسف الرمان.
نير حسون
هآرتس 23/7/2025




