
باسم يوسف يهزم نتنياهو في عقر داره: ارموا السيوف واشتروا ميكروفونات!
أنور القاسم
قد يسجل هذا الأسبوع في تاريخ الإعلام العالمي بأنه أرخ لقمة سلطة الإعلام مقابل جبروت السلاح، الكلمة مقابل الصاروخ والطائرة الحربية والمدفع.
صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية قالت في افتتاحيتها أن عدد العاملين في مجال الإعلام الذين قُتلوا في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة الأكبر تاريخيا، معتبرة استهداف الصحافيين عمدا «جريمة حرب» غير مسبوقة.
وبات واضحا أن عددا من المراسلين في غزة والشرق الأوسط، وبعض الصحف الدولية، ومعهم لفيف من نجوم الإعلام في كل دول العالم، استطاعوا أن يؤثروا ويفعلوا ما عجزت عنه القوات الدولية والأمم المتحدة والدبلوماسية الغربية والأسيوية والشرق أوسطية مجتمعة.
لا بل أن قروشا من الأموال دفعت رواتب للصحافيين أنجزت أكثر بكثير مما حققته صفقات بالمليارات للأسلحة والقمم الدبلوماسية غير المجدية مطلقا حتى اللحظة.
شاهدت أمس حلقة جديدة لأحد أضخم البودكاست الكندية -الأمريكية، الذي قدّم حلقة استثنائية عن غزة. حل فيها الإعلامي المصري باسم يوسف ضيفًا، واستطاع أن يثبت للملايين هناك وحول العالم أن الصوت يمكن تغييبه بالرصاص، لكن الحقيقة لن تغيب أبدا كالشمس.
البرنامج اسمه «نيلك»، المعروفة أيضًا باسم «فتيان نيلك»، وهي قناة يوتيوب شهيرة جدا تجذب الشباب الأمريكي والكندي.
أهمية هذه الحلقة تأتي في توقيتها، حيث استضاف فريق البرنامج قبل عشرة أيام بنيامين نتنياهو نفسه، الذي نثر في الأجواء التضليل والعنجهية، وأثار استياء شريحة واسعة من جمهور البرنامج، ودفع القائمين عليه للبحث عن ضيف قادر على تفنيد تلك الأكاذيب لإعادة التوازن له. فاختاروا باسم يوسف.
باسم الإعلامي، دعا المشاهدين إلى التحقق بأنفسهم من كل ما يقوله، مستفيدًا من كون الحلقة تُبث مباشرة وللمرة الأولى في تاريخ القناة، بلا قص أو تعديل أو مونتاج، لتكون كلماته أقوى من الرصاص.
والتزم أحد مقدّمي البرنامج، وهو أمريكي يهودي، الصمت طوال الحلقة، مكتفيًا بمتابعة الحوار بذهول، فيما لم يخفِ باسم انزعاجه من غسل الأدمغة، الذي يعانيه هؤلاء، معبرًا عن مزيج من الغضب والشفقة لجهلهم بحقائق القضية الفلسطينية، مؤكّدًا أنه يقرأ ذلك في عيونهم وهو يخاطبهم.
ومن أقوى لحظات اللقاء حين واجههم بحقيقة أن الولايات المتحدة دفعت في عام 2024 أكثر من 17.5 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لدعم إسرائيل بالسلاح، الذي يقتل أطفال غزة، ثم طرح سؤاله المباشر: هل أنتم موافقون على ذلك؟
التأثير كان واضحًا، فخلال ثلاثة أيام فقط حققت الحلقة أكثر من مليوني مشاهدة على «يوتيوب»، بينما حلقة نتنياهو، التي مضى عليها 15 يومًا، لم تتجاوز 1.8 مليون مشاهدة، مع ملاحظة أن التعليقات تكاد تتفق على الانبهار بأداء باسم وصراحته وقوة الحقائق التي عرضها.
حتى في التفاصيل الصغيرة، أبدع في الرمزية؛ إذ ارتدى قميصًا يحمل علم فلسطين على الجهة اليسرى عند القلب، موضحًا أنه يخص مجموعة «طيور غزة» من راكبي الدراجات، معظمهم من مبتوري الأطراف بسبب القصف، وهو ما أثار صدمة المذيع.
لم تكن هذه مجرد حلقة عالمية في «بودكاست»، بل كانت اختراقًا واعيًا لجدار السردية الصهيونية داخل منصة أمريكية ضخمة، وفي توقيت حساس، وبعد استضافة رأس الدعاية الإسرائيلية مباشرة.
لقد جعل الإعلامي الحلقة سلاحًا ناعمًا، لكنه بالغ التأثير في معركة الوعي، خصوصًا أن المنصة تستهدف جمهورًا شابًا بعيدًا عن الإعلام التقليدي، وهو الجمهور الذي يمكن أن يغيّر مواقفه إذا اصطدم بحقائق صادمة ومباشرة.
هذا نجاح إعلامي أقوى من الصواريخ وأبعد أثرا، استطاع أن يوظف الأرقام، وربطها بالمسؤولية الشخصية للمشاهد الأمريكي.
لم يكتفِ باسم يوسف بالرد على حجج نتنياهو، بل نسف بنيانها من أساسه، وترك أثرًا مدويًا في وعي شريحة واسعة من الجمهورين الأمريكي والكندي، لم تعتد أن تسمع هذه الحقيقة من مصدر عربي، وبذلك يكون قد صنع حدثًا إعلاميًا يستحق أن يُتداول على نطاق واسع.
في الولايات المتحدة الآن – معقل نتنياهو الحقيقي – أصبح الشباب الأمريكي ينتقدون هؤلاء الصهاينة في العلن في مواقع التواصل الاجتماعي، مما أحرج كثيرا من داعمي إسرائيل في الإعلام، حيث أصبحوا منبوذين، يرددون السردية المحروقة نفسها، التي لم تعد تنطلي على أحد.
بيرس مورغان الإنكليزي الثائر
على الضفة الأخرى من الأطلسي يقف الإعلامي البريطاني الشهير بيرس مورغان ببرودة الإنكليزي وذكائه الوقاد وسيطرته المذهلة على برنامجه الأوسع انتشارا في الغرب ليسقط كل أسبوع في برنامجه صنما سياسيا أو عسكريا يبرر الإبادة في غزة.
فقد هزم منذ ثلاثة أشهر حتى الآن وبشكل متتال غالبية قادة الاحتلال وسفراءهم والمتحدثين باسم الحكومة، بالحجة والمنطق والإنسانية، وبلغ الدهاء به أن أعاد سؤالا واحدا حول قتل أطفال غزة، وجهه لزعيمة المستوطنين خمس مرات، ولم تستطع أن تجاوب عليه، فخرجت من الحلقة تاركة وراءها دخان احتراق روايتها وغضبا عارما في وسائل التواصل داخل إسرائيل وفي دول الغرب.
وقف هذا النجم يفند الروايات والأساطير لوحده، ما جعله منذ فترة هدفا لحملات تظليلية ترميه بأسطوانة «معاداة السامية»، التي فندها كلها على الهواء، ليحقق نصرين في آن، نصرا للإنسانية بالدفاع عن المضطهدين والمجوعين في غزة، ونصرا للإعلام الغربي والبريطاني المتهم بعضه بمحاباة إسرائيل حتى في إبادتها العلنية لغزة.
إعلاميون في سجلات الخالدين
باستشهاد أنس الشريف ومحمد قريقع وزملائهما يرتفع عدد الصحافيين في قطاع غزة إلى 237 صحافيا، قتلوا عمدا، ومع سبق الإصرار والترصد، منذ بداية الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لم يكن استهداف مراسلي «الجزيرة» مجرد امتداد لسلسلة طويلة من الانتهاكات بحق الصحافيين، بل خطوة محسوبة في إطار إستراتيجية أوسع تهدف إلى إسكات الكاميرات، التي وثّقت المأساة في قطاع غزة، وتهيئة المشهد لمجازر بلا شهود.
وقد كشفت شبكة «سي أن أن» توقيع أكثر من 50 مؤسسة إخبارية رسالة مفتوحة تتضامن مع الصحافيين العاملين في قطاع غزة، وتدعو إلى حمايتهم وضمان حريتهم في أداء عملهم.
الملفت أن من بين الموقعين على الرسالة، وكالات الأنباء العالمية «فرانس برس»، «أسوشيتد برس»، «رويترز» بالإضافة إلى وسائل إعلام بارزة من بينها «نيويورك تايمز»، «بي بي سي نيوز»، صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية.
العالم يتغير بسرعة، والإعلام له الصدارة في هذا، نعم الخسائر كبيرة جدا في الأرواح والأبرياء والأملاك، لكن عودتنا القضايا الكبرى على أنها دائما بحاجة لدفع الثمن الغالي، الذي يوازي غلاوة هذه القضية.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»




