هآرتس: الحرب الحقيقية مع من بيده وقفها ولا يفعل… ثم يطمح لـ “نوبل”!

هآرتس: الحرب الحقيقية مع من بيده وقفها ولا يفعل… ثم يطمح لـ “نوبل”!
لا توجد في هذه المرحلة أهمية لتقارير تأتي من مشاورات المستويات السياسية العليا حول طاقم المفاوضات الذي سيرسل إلى وجهة جديدة غريبة، وعن اقتراحات محدثة ربما ستنقلها دول الوساطة في الاتصالات حول صفقة التبادل. حسب معرفتنا، المفاوضات حول الصفقة ما زالت عالقة. القناة الوحيدة التي يتم حسم الأمور فيها تجري هاتفياً بين نتنياهو وترامب. مثلما نشر حاييم لفنسون أول أمس هنا، فقد نجح نتنياهو في خطة تجنيد ترامب إلى جانبه، الرئيس الأمريكي يصدق تفسيرات رئيس الحكومة وكأنه يمكن هزيمة حماس بعملية عسكرية سريعة من خلال احتلال مدينة غزة. هذا هو سبب عدم ضغط ترامب على نتنياهو للموافقة على الصفقة.
رد حماس الإيجابي الذي قدمته لدول الوساطة، مع تحفظات صغيرة في 18 آب، ألجأ نتنياهو منذ ذلك الحين إلى التسويف، فلم يعط أي رد إسرائيلي على الاقتراح. المنشورات استهدفت حرف الانتباه وتخفيف الضغط الذي ينبع من المظاهرات الكبيرة التي تنظمها هيئة عائلات المخطوفين. ولكن ترامب يفترض أن نتنياهو جدي، وأن الجيش الإسرائيلي سيحقق إنجازات عسكرية كبيرة قريباً. من هنا جاء التقدير الذي أسمعه الرئيس هذا الأسبوع، وكأن الحرب قد تنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، أسمع تنبؤاً أكثر حذراً، حتى نهاية السنة. بعد ذلك، ترامب تراجع.
الواقع على الأرض ما زال بعيداً عن الوهم الذي يبيعه نتنياهو لترامب. الاستعداد للعملية يجري ببطء. أوامر تجنيد عشرات آلاف رجال الاحتياط تم توقيتها في 2 أيلول، وفي حينه، سيحتاج الأمر إلى القيام بعمليات كثيرة قبل السيطرة على مدينة غزة. فالكابنيت، كما نعرف، صادق على عملية السيطرة وليس على عملية احتلال كامل للمدينة. موقف رئيس الأركان إيال زامير معروف، فهو يفضل الصفقة على العملية العسكرية، حتى صفقة جزئية. هو يشكك في إحداث أي فرق بدخول بري إلى المدينة، كما وعد نتنياهو ترامب، وهو يخشى على حياة المخطوفين والجنود. المعلومات الاستخبارية لدى الجيش الإسرائيلي غير دقيقة، وسيصعب القيام بعملية برية واسعة وطويلة في غزة بدون تعريض حياة المخطوفين للخطر. وهناك صعوبة أخرى تكمن في إخلاء السكان.
نتنياهو ما زال يتفاخر بإنجازه في أيار 2024، حين حذره الرئيس الأمريكي السابق بايدن بأن إسرائيل لن تنجح في إخلاء مئات آلاف السكان من رفح، لكن الإخلاء استكمل في غضون بضعة أيام. في هذه المرة، كل شيء يتحرك بشكل أبطأ. الجيش الإسرائيلي طلب من المواطنين الإخلاء والتوجه نحو الجنوب، لكن بضعة آلاف فقط هم كل من تركوا مدينة غزة في الأسابيع الأخيرة. فضلاً عن أن مناطق اللجوء التي حددها الجيش، غير آمنة. في النقاشات الداخلية قدرت الاستخبارات بأن 800 ألف شخص، أي ثلث الموجودين في مدينة غزة، لن يوافقوا على طلب المغادرة. المعنى أنه إذا صممت الحكومة على الاستمرار في العملية، فسوف تستخدم خطوات أكثرعنفاً، وسيعرضون حياة الكثير من السكان للخطر.
العميد احتياط آساف أوريون، من معهد واشنطن الأمريكي، قال إن الحكومة تقدم عرضاً مزيفاً حول العملية العسكرية. وقال: “هنا يوجد تأطير كاذب لاحتمالات، بين هزيمة حماس واستسلامها، مع تجاهل أن ما بقي في القطاع توابع لحماس فقط وليس منظومة عسكرية منظمة، ومعالجتها تقتضي معركة في اليوم التالي. هذا يشبه علاج مرض السرطان: العملية نجحت، والآن جاء وقت العلاج الكيميائي. ولكن الجراح في هذه الحالة يصمم على مواصلة العملية الجراحية لأنه سيحصل على ساعات إضافية”.
يصعب التنبؤ أو القول بيقين إن ترامب سيفقد الصبر. من الواضح أنه كان يريد إنهاء الحرب. كل بضعة أيام يعبر عن عدم رضا عن الوضع في القطاع، وهكذا يدفع ضريبة كلامية لمؤيديه الذين ملوا من سلوك إسرائيل في غزة، لكنه حتى الآن لم يضع أي إنذار نهائي حول ذلك لنتنياهو. بالعكس، إذا كان في الكابنيت الإسرائيلي أي خلاف بين الصقور (سموتريتش وبن غفير وبدرجة معينة نتنياهو ورون ديرمر) وبين الأقل صقورية (آريه درعي وجدعون ساعر)، فسيقف ترامب مع المجموعة الأولى.
مساء أول أمس، مثلما قال براك ربيد في “أخبار 12″، جرت مشاورات أولية في البيت الأبيض حول خطة “اليوم التالي” في القطاع. كان بين المشاركين شخصيات سابقة مثل صهر ترامب جارد كوشنر ومبعوث الرباعية طوني بلير. تحدث ديرمر عن بلير، رئيس الحكومة البريطانية السابق، وكأنه يتحدث عن “رئيس مستقبلي لغزة”. مع الأخذ في الحسبان الإنجازات السابقة لهذه المجموعة، سيصعب إيجاد تشجيع. لم نتقدم كثيراً عن تخيل ذكاء ترامب الصناعي حول الريفييرا التي فيها فنادق على شاطئ غزة والخالية من الفلسطينيين. رئيس الحكومة محق مبدئياً في طلبه إقصاء حماس عن الحكم في قطاع غزة، لكن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في رفض نتنياهو قبول أي تدخل للسلطة الفلسطينية كبديل عن حماس. مشكوك فيه أن هزيمة حماس التي وعد بها نتنياهو ترامب هي هدف قابل للتحقق. لا يوجد هنا سيناريو رفع العلم على جزيرة ايوجيما، مثلما يتخيل ترامب.
في مناطق واسعة في القطاع، تم تجريد حماس من قدرتها العسكرية الرئيسية، وفقدت سلسلة قيادتها عدة مرات. وفي كانون الثاني عندما أعلن عن وقف إطلاق النار بعد الصفقة التي توسط فيها بايدن وأكملها ويتكوف، كانت حماس في نقطة حضيضها الدراماتيكي. وما يحدث منذ ذلك الحين هو إعادة بناء بطيئة لشبكتها، التي تعمل الآن في معظمها في إطار حرب العصابات، وأحياناً، مثلما في الهجوم الفاشل على موقع دفاعي للواء “كفير” في خان يونس الأسبوع الماضي، تحاول إخراج عملية مركزة وأكثر طموحاً إلى حيز التنفيذ. في هذه الأثناء، يصعب وصف وضع يلقي فيه الحمساوي الأخير سلاحه في ظل عدم وجود وقف لإطلاق النار متفق عليه. الأكثر تأكيداً هو بقاء جيوب مقاومة عنيدة لفترة طويلة. ليس صدفة أن يقدرالجيش الإسرائيلي بأن العملية ستمتد أشهراً.
أربع قذائف
ثارت هذا الأسبوع عاصفة دولية حول الحادثة في مستشفى ناصر في خان يونس، التي قتل فيها 22 فلسطينياً بأربع قذائف أطلقتها دبابة إسرائيلية. كان من بين القتلى صحافيون وعمال إغاثة، وتظهر الصور بوضوح أن الإطلاق استمر أيضاً بعد أن بدأت الطواقم الطبية بإخلاء وعلاج المصابين. إزاء الردود الشديدة، حتى من الولايات المتحدة، اضطر نتنياهو والجيش الإسرائيلي إلى نشر بيانات تعبر عن الأسف، باللغة الإنجليزية. ثم سُوق للجمهور الإسرائيلي معلومات تربط حوالي نصف القتلى بحماس، وشرحت بأن الجيش الإسرائيلي هاجم كاميرا مثبتة على السطح، “كانت تراقب الجنود”.
هذه الحادثة أثارت الاهتمام بهوية المصابين. ولكن الحقيقة المحزنة، أنه عشرات من المدنيين الفلسطينيين يقتلون في القطاع يومياً بنار الجيش الإسرائيلي في أحداث كثيرة. ولا أحد يكلف نفسه عناء التحقيق فيما حدث هناك في معظم الحالات: هل المس بقائد صغير لحماس أو مبنى مشكوك بوجود نشاطات عسكرية حوله، يبرر قتلً جماعياً لمدنيين موجودين في محيطه. ما الذي أدى إلى موت الفلسطينيين الذين كانوا في طابور قرب مركز توزيع الطعام؟
الجيش الإسرائيلي، مثل الحكومة والجمهور، لا يبالي بنتائج الحرب ضد حماس. لا يمكن تجاهل الدور الذي تقوم به هنا مشاعر الانتقام. كان هذا واضحاً بعد 7 أكتوبر، أمام الصدمة التي أثارتها مشاهد المذبحة ضد سكان الغلاف وفي حفلة “نوفا”. ولكن بعد سنتين تقريباً، ما زال الانتقام عاملاًرئيسياً في العمليات. بقدر ما يمكن التشخيص، فإن الكثير من هذه العمليات، في ذروتها التدمير الممنهج لإحياء وبلدات كثيرة في القطاع، تأتي ميدانياً من الأسفل إلى أعلى. ولكن هذا لم يكن ليحدث بدون غض النظر، وأحياناً روح القائد تكون واضحة في المستوى الأعلى. هيئة الأركان لا تتدخل في ذلك، والحكومة من ناحيتها راضية، ويكفي الاستماع إلى لهجة التهديد والانتقام التي تبناها نتنياهو ووزير الدفاع كاتس، هذه تعبيرات لم يتجرأ أي زعيم إسرائيلي على استخدامها ذات يوم.
ما يتجاهله نتنياهو وكاتس هو العزلة الدولية الخطيرة التي دفعت سياستهما إسرائيل إليها، بالتحديد حول الحرب التي شنتها مع التبرير الكامل لخطواتها الأولى. وهذه ليست بالقتل والتدمير فقط، بل بنية شركائهم السياسيين الذين لم يعد نتنياهو يحاول إقصاء نفسه عنها: تدمير القطاع، الاحتلال، طرد السكان وإعادة بناء المستوطنات هناك. في الخلفية، بصورة تقريباً لا تحصل على أي تغطية، يقوم سموتريتش بتوسيع عملية السيطرة على أراض بمساحات كبيرة في الضفة الغربية. سيطرته المزدوجة، على المالية والصلاحيات المدنية في وزارة الدفاع، توفر دعماً لمستوطني التلال. وحسب تقرير نشره أمس أمير ايتنغر في “يديعوت أحرونوت” بلتديرمر يتحدث عن ضم مناطق في الضفة في الفترة القريبة القادمة. وحسب قوله، فإن السؤال هو: ما المساحة؟ في سعيه للبقاء، نتنياهو مستعد لتحمل أي مخاطرة، أما الوحيد الذي يمكنه وقف ذلك، ولكنه لا يحرك أي ساكن، فهو ترامب. ربما يجب على أحد أن يهمس في أذن الرئيس ليقول لهشيئاً بسيطاً: ما دامت الحرب في غزة مستمرة فلن تفوز بجائزة نوبل للسلام. سيتم نشر الإعلان النهائي عن هوية الفائز هذه السنة في 10 تشرين الأول.
عاموس هرئيل
هآرتس 29/8/2025