مقالات

النزعة العسكرية الإسرائيلية: أزمات داخلية تتفاقم يومًا بعد يوم، وحياة الضحايا تُقاس بأقل مما تُقاس به نشرات الطقس.بقلم مروان سلطان- فلسطين 🇵🇸 

بقلم مروان سلطان- فلسطين 🇵🇸

النزعة العسكرية الإسرائيلية: أزمات داخلية تتفاقم يومًا بعد يوم، وحياة الضحايا تُقاس بأقل مما تُقاس به نشرات الطقس.

بقلم مروان سلطان- فلسطين 🇵🇸 

21.11.2025

———————————————————

 الضربات الاسرائيلية بعد التوصل لاتفاق وقف اطلاق النار ، في عمقها الاستراتيجي، يندرج جزءا من سياسة اسرائيلية تتعمد ابقاء الجبهة الجنوبية والشمالية في حالة توتر دائم. فكل استهداف محدود يعيد توجيه رسائل متعددة الاطراف ، رسالة بان اسرائيل قادرة على تحريك خطوط النار متى تشاء، ورسالة بان الهدوء ليس اكثر من استراحة قصيرة في معادلة مفتوحة. بهذه الطريقة، تبقي اسرائيل المنطقة معلقة على حافة الاشتعال، لا حرب كاملة ولا سلام مستقر، وانما حالة رمادية تسمح لها بالمناورة وبفرض معادلات جديدة دون كلفة مواجهة شاملة. كل هذا جزء من استراتيجية اسرائيلية جديدة وهي اظهار القوة العسكرية المفرطة ، حتى السلام تريد تحقيقه بالقوة، وهذا يؤكد على عمق الازمات التي تعيشها اسرائيل داخليا وخارجيا . وبين الحسابات السياسية والعسكرية في تلك المواجهات ، فان هناك دماء غزيرة تسيل جلها من الاطفال والنساء الذين هم ضحايا الحروب ووقودها ، دون اي اعتبار للانسانية، والطفولة والبراءة، والمراءة ما بين ضحية او مكلومة.

الازمات الداخلية الاسرائيلية المتعددة ، تتسبب في تصعيد عسكري محدود لا يجر الى حرب شاملة ، لكنه يسبب خسائر في الارواح ، والممتلكات بشكل واسع. هجمات على غزة بعد وقف اطلاق النار، هجمات على مخيم عين الحلوة في لبنان، واخرى على سوريا. تفاقمت اعداد الضحايا بالعشرات في اليومين الماضيين، وكان جلهم من الاطفال والنساء. عدد الذين استشهدوا في غزة حوالي ستون شخصا في يومين من الهجمات. وكذلك في عين الحلوة حيث استشهد حوالي 14 شخصا ، كانوا متواجدين في ملعب لكرة القدم.

تعيش اسرائيل مجموعة من الازمات تجبر رئيس الوزراء الاسرائيلي على تلك الحماقات للبقاء على سدة الحكم.  يواجه رئيس الوزراء نتنياهو ازمة داخلية ، بسبب الائتلاف اليميني الحاكم الذي يرى في استمرار الحرب وسيلة لتحقيق اهداف اليمين الاسرائيلي ، ومنع المعارضة ان تصورها ضعيفة لدى الجمهور الاسرائيلي والكنيست. والازمة الاخرى هي ان اسرائيل لم تنجز حتى اللحظة الانتصار الذي سقوته الى الجمهور الاسرائيلي على مدى عاميين متتاليين من الحروب في عدة جبهات، وبالتالي هناك العديد من الاهداف التي ترى اسرائيل انه مطلوب منها ان تحققها ، عبر ضربات خاطفة، اما الازمة الكبرى التي تواجهها اسرائيل فهي دور اسرائيل كذراع للولايات المتحدة الامريكية والغرب اصبح موضع شك لدى الادارة الاميركية وخاصة امام ظهور لاعبين اقليمين اخرين، وبالرغم من ذلك يبقى امن اسرائيل وتفوقها فوق كل اعتبار ، لذا فهي تلجأ الى ضربات تحقق للولايات المتحدة مصالحها. اما الازمة الاهم هي كيف تتعامل اسرائيل مع سبعة ملايين فلسطيني يعيشون جنبا الى جنب مع الاسرائيليين على ارض فلسطين. علما ان الحرب الاخيرة، كانت تضع في اهدافها تغير هذا الوضع الديموغرافي بما بتناسب معها.

وبهذا السلوك الذي يعيد فتح ابواب النار بعد كل تهدئة، يتعمق الشعور بان اسرائيل لا تنظر الى الهدوء باعتباره خطوة نحو تسوية سياسية، بل مساحة لالتقاط الانفاس قبل جولة اخرى من الضغط العسكري. ومع تكرار هذه الدورة، يصبح من الطبيعي ان تتآكل الثقة في اي مفاوضات، وتنتزع الثقة في المفاوضين .  

وان يتعزز الانطباع بان الطاولة السياسية ليست سوى واجهة مؤقتة لا تغير شيئا في الواقع الميداني. فحين تكون الضربات هي اللغة الوحيدة المستمرة، تتراجع قيمة الكلام، وتضيع فكرة الحل بين بيانات وتصريحات لا تجد ترجمة على الارض

مع ذلك، يبقى البعد الانساني هو الاكثر قسوة، والاكثر حضورا في وجدان الناس. فحين يتكرر سقوط الاطفال تحت الركام، وتتحول البيوت الى مقابر صغيرة، لا يعود النقاش السياسي قادرا على تفسير ما يجري. هناك خسارة اخلاقية لا يمكن تجميلها، وجرح مفتوح ينزف مع كل خبر عن عائلة دفنت تحت حجارة بيت كان قبل ساعات جزءا من حياتها اليومية. وفي اللحظة التي تسقط فيها عشرات الارواح، معظمهم من الاطفال والنساء، يصبح السؤال اكثر الحاحا: لماذا اقدمت اسرائيل على هذا التصعيد؟.

في النهاية، لا يمكن قراءة ما حدث الا باعتباره رسالة سياسية وعسكرية، لكنه ايضا جرح انساني لا يندمل. صفعة تقول ان حياة البشر في هذه الارض ما زالت معلقة بين تفاهمات هشة وحسابات قوة لا تهتم كثيرا بما يتركه الدمار خلفها من وجع وخراب.  أن حياة الضحايا من الأطفال هنا تُقاس بأقل مما تُقاس به أخبار الطقس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب