تحقيقات وتقارير

بعد تجنب التصعيد في المنطقة… هل تتجه طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات؟

بعد تجنب التصعيد في المنطقة… هل تتجه طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات؟

ناصر الأمين

  تجنبت المنطقة مسار تصعيد كان سيصعب تقدير تبعاته التي تتفاوت بين انهيار النظام بشكل كلي وتفكك البلاد وبين زعزعة سنوات من جهود التقارب بين إيران ودول الخليج التي كانت قد تتحول أراضيها (حيث تملك الولايات المتحدة مواقع عسكرية عدة) إلى أهداف للصواريخ الإيرانية في حال كان قد اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الأربعاء، قرار توجيه ضربات ضد إيران.

وكان الفضل في ذلك إلى السعودية وقطر وعمان ومصر التي أقنعت واشنطن، حسب الإعلام الغربي والعربي، بعدم دفع المنطقة نحو المجهول. وفي الأيام التي تلت، تحولت نبرة مواقف ترامب تدريجياً من التهديد إلى الاحتواء حتى وصلت، الجمعة، إلى أن يشكر الحكومة في إيران على عدم «إعدامها» متظاهرين.
وفي منشور على منصة تروث سوشال، قال ترامب، الجمعة: «أكن احتراما كبيرا» لقرار القادة الإيرانيين بوقف عمليات الإعدام شنقا، مضيفاً أن أكثر من 800 شخص كان من المقرر إعدامهم، لكنه قال إنه لن يتم إعدامهم الآن. وقال: «شكرا لكم «. يذكر أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، كان قد نفا، الأربعاء، أي خطط لإعدام متظاهرين.
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مسؤول سعودي، لم تكشف هويته، إن الدول الخليجية الثلاث «قادت جهودا دبلوماسية مكثفة ومحمومة في اللحظات الأخيرة لإقناع الرئيس ترامب بمنح إيران فرصة لإظهار حسن النية»، مشيرا أنّ الحوار قائم. وأكد المسؤول السعودي أنّ الجهود الخليجية سعت لـ«تجنب خروج الوضع عن السيطرة في المنطقة». وأضاف: «أبلغنا واشنطن أن أي هجوم على إيران سيفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل الخطيرة في المنطقة».
وأشار المسؤول إلى قرب الضربة على إيران ليلة الأربعاء-الخميس، واصفا إياها بـ«ليلة بلا نوم لمحاولة نزع فتيل المزيد من القنابل في المنطقة». ونقلت الوكالة عن مسؤول خليجي آخر أن «الرسالة التي تم توجيهها إلى إيران هي أن الهجوم على المنشآت الأمريكية في الخليج سيكون له عواقب على العلاقات مع دول المنطقة».
ويبدو أن جزءا كبيرا من التأهب الإسرائيلي في الأيام الماضية كان دفاعياً، إذ نقلت القناة 12 العبرية عن مصادر، الجمعة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أيضاً شارك في الطلب من ترامب عدم الإقدام على هجوم ضد إيران خوفاً من ردها إذ قد تفضل طهران توجيه ضربة لإسرائيل على المخاطرة بعلاقاتها مع جيرانها الخليجيين.
ولا يمكن الجزم بأن تصريحات ترامب وما نقله الإعلام العبري يعبر عن موقف صادق أم أنه يخفي تحركات وخططا أخرى. وقد يدفع ما نقله عدد من المواقع الأمريكية، الجمعة، بأن الجيش الأمريكي ينقل حاملة الطائرات يو إس إس لينكولن من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط، نحو الاعتقاد بصحة التقديرات الإسرائيلية مؤخراً بأن تراجع ترامب عن توجيه ضربة قد يكون «خدعة» أو مناورة. وقد زار، الجمعة، رئيس جهاز الموساد، ديفيد برنياع، الولايات المتحدة لإجراء محادثات تتعلق بإيران ما قد يشير إلى استراتيجيات غير عسكرية لدى إسرائيل، ربما أساسها الوجود الكبير للموساد داخل إيران، تريد إقناع ترامب بها.
أما في إيران، لم تنكشف بعد تفاصيل حملة القمع الواسعة التي نفذتها القوات الأمنية من أجل احتواء الاحتجاجات التي تضمنت في أيامها الأخيرة مستوى غير مسبوق من العنف من قبل الشارع، اعتبرت الحكومة أن مصدره عناصر «إرهابية» خارجية. لا يمكن تأكيد هذه المعلومة أو نفيها حتى الآن، رغم تصريحات رئيس الـ«سي أي أي» السابق، مايك بومبيو، الذي تمنى لعناصر الموساد المتواجدين إلى جانب المتظاهرين سنة سعيدة، وما نقلته القناة 14 في إسرائيل حول تقديم «دولة أجنبية» الأسلحة الرشاشة للمتظاهرين الإيرانيين. لكن المؤكد أن غالبية الضحايا كانوا من المدنيين والمتظاهرين. وقد تراوحت أعداد القتلى، حسب المنظمات الحقوقية، بين 2400 و3428، في الوقت الذي قدر بعض ناشطي الخارج ووسائل إعلام معارضة الأعداد بين 12000 و20 أف قتيل، إلا أن هذه الأرقام لا يمكن الأخذ بها لما تلعبه من دور في خطاب المعارضة في الخارج الذي اجتهد بلا كلل على مدار أسبوعين (وما زال) من أجل دفع ترامب إلى قصف بلادهم.
أدنى تقدير لعدد القتلى يساوي أكثر من 4 أضعاف قتلى احتجاجات 2022-2033 حين قدرتهم وكالة «هرانا» الحقوقية بحوالي 537. سيضع هذا العدد غير المسبوق من الضحايا الحكومة تحت ضغوط هائلة لإيجاد حلول سريعة تقنع الإيرانيين بعدم العودة إلى الساحات في الأسابيع المقبلة. مع ذلك، المتظاهرون لم يستجيبوا لدعوات الرئيس الأمريكي بالعودة إلى الميادين والاستيلاء على المؤسسات، ولا لدعوات رضا بهلوي ابن الشاه المخلوع الذي يحاول باستمرار وبدعم إسرائيلي إيجاد موطئ قدم له في السياسة الإيرانية وتقديم نفسه على أنه زعيم للمعارضة في الخارج في الوقت الذي لم يثبت (باستثناء بضع شعارات) أنه يملك أي شعبية في إيران. وربما كانت دعوة ترامب للتظاهر هدفها قياس الإدارة الأمريكية مدى قدرتها على إدارة الشارع الإيراني عن بعد، وقد تكون من بين العوامل التي دفعتها نحو تفعيل الضغوط الخارجية، إن كان عبر التهديد بتنفيذ ضربات، أو بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على شركاء إيران التجاريين في معاملاتهم مع الولايات المتحدة في حال استمرت تبادلاتهم التجارية مع طهران. وإن أصرت الإدارة الأمريكية على تنفيذ هذه العقوبة فإن ذلك سيدفع بالاقتصاد الإيراني نحو المزيد من الانهيارات التي ستجعل مهمة إدارة الأزمة الاقتصادية التي أشعلت في البداية هذه الجولة من التظاهرات مسألة معقدة جداً.
الحكومة الإيرانية أبدت انفتاحها منذ بداية الأسبوع على إجراء محادثات مع واشنطن، وكان ترامب قد كشف أن طهران تواصلت معه لتأكيد ذلك. وبعد أن قال ترامب إنه أغلق قناة التواصل واعداً المتظاهرين بأن المساعدة قادمة، كرر عراقجي تأكيد رغبة إيران على التفاوض قائلاً لترامب عبر فوكس نيوز: «لا تكرر خطأ يونيو، إيران مستعدة للحوار الدبلوماسي»، في إشارة إلى انقطاع المحادثات النووية بين الطرفين إثر شن إسرائيل عدواناً على إيران تحول إلى حرب الـ12 يوما والتي شاركت فيها واشنطن بقصف مفاعل نووية إيرانية.
السؤال هنا يبقى ماذا يمكن لإيران أن تقدمه لواشنطن في حال عادوا إلى طاولة المفاوضات؟ وقد حدد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الذي تواصل مباشرة مع مسؤولين إيرانيين، خلال الأيام الماضية، القضايا التي يجب أن يعالجها أي اتفاق مع إيران، وهي: تخصيب إيران اليورانيوم محلياً، مخزون اليورانيوم، الجماعات المسلحة التي تدعمها إيران في المنطقة، وبرنامجها للصواريخ البالستية الذي برهن خلال الحرب الماضية ضرورته لأمنها القومي إذ أصبح خطر تعرض المدن الإسرائيلية للقصف الرادع الوحيد أمام قيام الاحتلال بشن عدوان جديد عليها، خاصة بعد انسحابها من سوريا والضربة التي تعرض لها حزب الله في جنوب لبنان. ونوه ويتكوف إلى أن إيران قد تقبل بذلك بسبب ضعف اقتصادها.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، شدد منذ أيام على ضرورة التوصل إلى اتفاق بين إيران وأمريكا يحافظ على مصالح الطرفين. وقد يعني ذلك أن تتخلى طهران عن فكرة تخصيب اليورانيوم محلياً وعن دعمها للجماعات المسلحة في المنطقة (أي أن تقبل بترسيخ هيمنة إسرائيل في سوريا ولبنان) مقابل أن تتخلى واشنطن عن المطلب (الإسرائيلي) بوضع قيود على برنامج إيران البالستي.
في الواقع، كانت إيران قد ذهبت بعيداً في التنازلات خلال محادثات ما قبل حرب الـ12 يوما، إذ قبلت في حينها نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة أخرى وأبدت انفتاحاً، حسب مركز كارنيغي، على «خفض التوتر الإقليمي» إما عبر تفكيك وأو حصر نشاط الجماعات المسلحة التي تدعمها في المنطقة، إلى جانب محاولاتها لإغراء ترامب عبر عروض بفتح السوق الإيراني أمام الشركات والاستثمارات والبضائع الأمريكية. وكانت خطوطها الحمر في حينها متمثلة «بصفر تخصيب= لا اتفاق» إلى جانب رفضها إدراج برنامج الصواريخ ضمن المفاوضات. ومن المستبعد أن يتبدل موقفها حيال البالستي إلا أنها قد تضطر إلى القبول، أقله مؤقتاً، باستيراد اليورانيوم بدل تخصيبه.

ـ «القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب