الصحافه

لماذا أوقفت الدول العربية ترامب عن توجيه ضربة لإيران؟

لماذا أوقفت الدول العربية ترامب عن توجيه ضربة لإيران؟

د. يهودا بلجنا

قبل ثلاثة أسابيع، كان يخيل أن الشرق الأوسط يقف على شفا انفجار. في 28 كانون الأول 2025، بعد نحو 15 سنة من “الربيع العربي” التي نشبت في تونس، اجتاحت إيران موجة مظاهرات جماهيرية على خلفية انهيار الدولة اقتصادياً. ومن القمع العنيف والإجرامي الذي قام به النظام الإيراني بحق الاحتجاجات، برز موقف علني وحازم للرئيس الأمريكي ترامب، الذي وعد المتظاهرين بأن “المساعدة آتية على الطريق”، ودعاهم لمواصلة الكفاح.

لكن بعد أيام من ذروة التوتر، بما في ذلك إخلاء قوات من قواعد مركزية في الشرق الأوسط، علم أن ترامب تراجع عن تهديده العسكري. وكشفت سلسلة تقارير عن أن جملة ضغوط شديدة من جانب دول عربية، وأساساً دول الخليج، عملت من خلف الكواليس، وأقنعت الرئيس الأمريكي بأن الهجوم سيكون خطأ استراتيجياً وأنه يجب إعطاء فرصة للدبلوماسية.

ظاهراً، هذا سيناريو خيالي؛ فإيران هي “العدو المركزي”، “الشيطان الأكبر” لكثير من دول الخليج، ولهذا لماذا تكبح هذه الدول بالذات هجوماً أمريكياً قد يسقط “رأس الأفعى”؟

السبب العلني والحقيقي لتوجه دول مثل السعودية والإمارات وقطر وحتى تركيا، للبيت الأبيض هو خوفهم من زعزعة استقرار الإقليم. فقد فهمت دول الخليج جداً بأن هجوماً أمريكياً قد يؤدي إلى حرب شاملة

السبب العلني والحقيقي لتوجه دول مثل السعودية والإمارات وقطر وحتى تركيا، للبيت الأبيض هو خوفهم من زعزعة استقرار الإقليم. فقد فهمت دول الخليج جداً بأن هجوماً أمريكياً قد يؤدي إلى حرب شاملة، تكون هي فيها الأهداف الأولى للرد الإيراني. في منظومة اعتباراتها مع وضد، بدت الصورة واضحة: إذا شعر نظام طهران بأنه على وشك الانهيار، فربما ينفذ هجوماً هداماً بمثابة “عليّ وعلى أعدائي يا رب”، في ظل استخدام ميليشيات مؤيدة لإيران ومنظمة وكيلة في اليمن والعراق والأردن وسوريا ولبنان.

كما أن الدول العربية، إلى جانب تركيا، واعية لسياسة الصفقات لدى ترامب، ولهذا كان سهلاً عليها امتشاق ورقة التداعيات الاقتصادية العالمية لهجوم أمريكي. فأنقرة ستتصدى لموجة لاجئين أخرى، فهي الآن بالكاد تنجح في الانتعاش من موجة اللاجئين التي اجتاحتها عقب الحرب الأهلية في سوريا. وذاكرة السعوديين ما زالت تتألم بهجمة الحوثيين على أرامكو في أيلول 2019. ناهيك عن أن النظام الإيراني في عمل عقابي سيغلق مضائق هرمز، ما سيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة، الأمر الذي سيضر ليس فقط اقتصادات المنطقة بل أيضاً الجيب الأمريكي – نقطة حساسة لترامب.

سابقة خطيرة للدكتاتوريين

لكن فضلاً عن ادعاءات المخاوف من حرب إقليمية شاملة أو من أضرار اقتصادية، ثمة سبب يدفع زعماء الدول العربية وتركيا وشمال إفريقيا إلى الارتعاد خوفاً؛ فنظرة شاملة إلى استعراض الأحداث (بخاصة من قبل الأردن ومصر وسوريا)، ستعرض صورة جافة تماماً، وليس صدفة. فقد نهض الشعب الإيراني ضد الدكتاتورية الإجرامية والفاسدة التي سيطرت عليه بيد عليا منذ 1979. لكن ماذا إذا واجهت الأنظمة الدكتاتورية القامعة في تركيا ومصر والبحرين وقطر موجة مظاهرات للعدالة الاجتماعية والحرية عندها أيضاً؟ فهل ستقرر الولايات المتحدة التدخل لإنقاذ الشعوب المحبة للحرية؟

التخوف الحقيقي بسيط ومباشر: إذا اختارت واشنطن اليوم الوقوف إلى جانب متظاهري طهران، فغداً ستوجه نظر مشابهة نحو القاهرة وأنقرة والمنامة والدوحة أيضاً. أي تأييد العربي – تركي لإسقاط نظام آية الله سيكون سهماً مرتداً، فمن يصفق لسقوط دكتاتورية واحدة سرعان ما سيكتشف أن روح الاحتجاج لا تعترف بالحدود، وما يجري اليوم لدى العدو سينشب في بيته غداً.

إسرائيل اليوم 18/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب