“لم ينسقوا معنا”.. مواجهة علنية بين واشنطن وتل أبيب: حماس تتطلع لـ”نموذج لبناني” في غزة

“لم ينسقوا معنا”.. مواجهة علنية بين واشنطن وتل أبيب: حماس تتطلع لـ”نموذج لبناني” في غزة
ميخائيل ميلشتاين
يجسد الإعلان الأمريكي عن تشكيلة مجلس السلام والانعقاد الأول للجنة إدارة القطاع في القاهرة في نهاية الأسبوع أننا دخلنا عملياً إلى المرحلة الثانية، رغم الفجوات القائمة حول تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق في غزة. التغيير الدراماتيكي للواقع ليس متوقعاً على الفور، لكن تطلع ترامب لعرض إنجاز يبدو تطلعاً عميقاً جداً. وعليه، ربما نرى قريباً مشاهد تستهدف تسويق واقع جديد، مثل وصول مندوبي اللجنة الإدارة لغزة، وانتشار طواقم تخضع لإمرتها في معابر الحدود أو الوزارات الحكومية، وربما حتى مشهد رمزي لجمع سلاح كدليل على بداية تنفيذ تجريد القطاع من السلاح.
يستوجب الخطاب في إسرائيل الاعتراف بعدة حقائق وبأقل ما يمكن من الشعارات. الأول هو الصلة بالسلطة. فما بالك أن اللجنة الإدارية ليست معرفة تماماً كتابعة لرام الله، ما ينعكس من تشكيلة أعضائها: رئيس اللجنة علي شعث كان مدير عام وزارة المواصلات في الماضي؛ وآخر كان بمكانة وزير في الحكومة الفلسطينية؛ وثمة مسؤول كبير سابق في جهاز المخابرات العامة الفلسطيني. وقد رحبت السلطة بالطبع بإقامة اللجنة الذين اتخذ الكثيرون من أعضائها صوراً في الماضي أو في الحاضر، فيما صورة أبو مازن معلقة في الخلفية.
ثمة حقيقة ثانية أليمة ومقلقة تتعلق بحماس. فقد رحبت المنظمة بإقامة اللجنة، ما يجسد أنها لا تخشاها وتعتقد أنها ستشكل غطاءً تجميلياً وستكون مسؤولة عن توفير احتياجات الغزيين دون تقييد عمل المنظمة على المستوى الأمني أو أي تدخل في عمل منظومتها المدنية (الدعوة). تسعى حماس عمليا لتثبيت نموذج حزب الله في غزة؛ أي بقاؤها الجهة السائدة في المنطقة، مع وجود حكومة رسمية ضعيفة في الخلفية.
رحبت حماس بإقامة اللجنة، ما يجسد أنها لا تخشاها وتعتقد أنها ستشكل غطاءً تجميلياً وستكون مسؤولة عن توفير احتياجات الغزيين دون تقييد عمل المنظمة
وثمة حقيقة صادمة على نحو خاص تتعلق بمجال عمل إسرائيل؛ فقادتها يصرون على إمكانية العودة إلى القتال في كل مرحلة، لكن حرية عملها في القطاع تقل بالتدريج، وهي في تأخر عن الخطوات التي يسرعها ترامب ويصبح عملياً صاحب القرار الأساس. هكذا، فقد أُعلن في اللجنة التنفيذية لمجلس السلام عن أعضاء كبار من قطر وتركيا (بمن فيهم وزير الخارجية التركي) وهما الدولتان اللتان ترفض إسرائيل أي حضور لهما في غزة في اليوم التالي. على هذه الخلفية، تنشأت مواجهة علنية أولى بين “القدس” وواشنطن في موضوع غزة مثلما ينطوي عليه البيان الشاذ الذي نشره أمس مكتب رئيس الوزراء، وادعى فيه بأن تركيبة المجلس لم تنسق مع إسرائيل وتتعارض وسياستها.
والأخطر هو أن قطار المرحلة الثانية انطلق رغم عدم انتهاء موضوعين جوهريين كما ترى إسرائيل: إعادة ران غوئيلي، ونزع سلاح حماس. بالنسبة للسلاح، يبدو أن محاولة تجري لإخراج الكستناء من النار نيابة عن حماس، من قبل الوسطاء (أساساً قطر ومصر)، وذلك من خلال بلورة حل وسط يلزمها على التنازل عن “سلاح هجومي” فقط. ويتركز الجهد في هذه اللحظة على إقناع ترامب بأن هذا تنفيذ دقيق لمطالبه، ولا نستبعد أن يقبل بذلك.
تصطدم إسرائيل الآن بضغط متزايد لفتح معبر رفح في الاتجاهين رغم عدم تنفيذ شروط المرحلة الأولى كلها وعلى رأسها إعادة غوئيلي. إذا ما عاد غوئيلي إلى إسرائيل فسينشأ ضغط لتعميق انسحاب من الخط الأصفر، الذي عرض كإنجاز مركزي لإسرائيل مع نهاية الحرب، وكتنازل أكبر قدمته حماس. ثمة علامة استفهام تبقى تحوم أيضاً حول قدرة إسرائيل على كبح الوجود التركي في القوة الدولية في غزة، ومنع خطوات إعمار ما لم ينزع سلاح حماس.
في هذا السياق، نوصي بأن تبدأ إسرائيل بحثاً حول جوهر السيطرة في الخط الأصفر، التي يؤمن كثيرون بأنها ستبقى على مدى السنين. وهذا يعرض كعقيدة أمن قومي حديثة وفي مركزها حضور في عمق أرض العدو: فضلاً عن غزة، يطبق الأمر أيضاً في الساحة السورية، وهناك من يحاولون احتواء المنطق ذاته في الضفة أيضاً. هذا النهج يعكس جواباً عسكرياً على صدمة 7 أكتوبر، لكنه لا يسند لبحث استراتيجي معمق. هكذا تثور بضعة أسئلة جوهرية ليست واضحة: كم من الوقت يفترض أن يبقى ذاك الحزام الأمني؟ كم هي جدية الأفكار التي تتحدث عن الضم وإقامة مستوطنات فيه (مثلما أعلن وزير الدفاع مؤخراً ورفضه ترامب رفضاً باتاً)؟ وكم هي جادة وقابلة للتحقق فكرة إقامة غزة بديلة في الأرض الإسرائيلية، وإن كان فمتى؟
إن استعراض القوة بدون تفكير استراتيجي معمق ستعمق الفجوة المتسعة بين ما تطالب به إسرائيل منذ بدء وقف النار في غزة وبين الواقع المتشكل. على إسرائيل أن تصوغ أهدافها القابلة للتحقق وتتمسك بثلاثة مطالب مبدئية: إعادة غوئيلي، وحفظ حرية العمل ضد كل تهديد ناشئ في القطاع (كما تنفذ في لبنان)، إضافة إلى ذلك التأكد شدة الرقابة على محور فيلادلفيا وبخاصة في معبر رفح، وبسيطرة أمريكية. اللجنة التي أقيمت لن تكون بداية تغيير إيجابي في غزة، وليس بوسعها التصدي لحماس بجدية، لكنها أهون الشرور في الظروف الحالية. فالأمر لا بد أنه أفضل حالياً من “سياسة رافضة”، فما بالك العودة إلى حرب قوية ومحاولة السيطرة على القطاع، وهي خطوات تتعارض مع ما يتطلع إليه ترامب.
يديعوت أحرونوت 18/1/2026




