مقالات
التنوع الثقافي والوحدة الوطنية المجتمع العربي السوري أنموذجاً بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق

التنوع الثقافي والوحدة الوطنية المجتمع العربي السوري أنموذجاً
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق
إهتمام علماء الاجتماع والدراسات الأنثروبولوجية قديمة،ضاربة نفسها،في أعماق العلم الاجتماعي-الأنثروبولوجي من عصور موغلة في قدمها،ويعد مؤسس،هذا العلم العلامة ابن خلدون،الذي قدم في مقدمته الشهيرة أنموذجا لها.
وتريد هذه التوطئة أن تدخلنا،وقد اخترنا ابن خلدون أنموجاً،وهو صاحب القول:” الإنسان ابن عوائده.”في دراسة الثقافة،وشأنها في التنوع الثقافي،ودور بل قل وظيفة هذا التنوع في تكوين شخصية الإنسان .
ولاشك أن الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة،وخاصة الأنثروبولوجيا الثقافية أضافت لدراسة الثقافة والتنوع الثقافي
الكثير من المفاهيم والمصطلحات،وطرق البحث الحقلية
والميدانية،وعن قرب وعن بعد،
وتعمقت الدراسات الأنثروبولوجية بدراسة الشخصيات
الاجتماعية الثقافية،فأضافت بذلك إلى الأنثروبولوجيا الثقافية
المناهج الجديدة،التي تنوعت آلياتها في مايسمى التحليل
الأنثروبولوجي،الذي أخذ على عاتقه،دراسة التنوع الثقافي،و
التأثير المتبادل بين الشخصيات الاجتماعية والثقافة،وخلصوا على ذمة ابن خلدون،وروث بنديكت،إلى أنّ الثقافة تظل تكون
الإنسان،على أساس قانون التأثير المتبادل بينهما.
وأخذتني إهتمامات هؤلاء،وخاصة ابن خلدون في قوله
“الإنسان ابن عوائده”إلى الاهتمام المفتوح على عدد من الدراسات،كان بدايتها،أطروحة الدبلوم،تحت إشراف المفكر
الأستاذ الجامعي أنور عبد الملك،في جامعة غرونوبل بفرنسا،وكان آنذاك،أستاذاً وباحثاً في أحد مراكز البحوث الوطنية،في باريز،وموضوع الأطروحة،كان تحت عنوان :”العلاقة
الجدلية بين الثقافة والشخصية،وكنت أعتبر هذه الأطروحة
مقدمة منهجية لدراسة الشخصية العربية،في فكر ميشيل عفلق،ولكن هذه الدراسة لم تنجز بسبب سفر الدكتور أنور إلى اليابان ليحاضر في واحدة من جامعات طوكيو،*،ومرض الحساسية الذي افقدني منً وزني مايعادل 17 كيلو ونيف.وهددت بالموت،من قبله حيث المخرج منه إلا بتغيير الطعام والمناخ
والحقيقة غير منقوصة،إني بدأت الإهتمام بالتنوع الثقافي في سوريا،إنطلاقاً من ريف حماه،بسبب إقبال أهلنا
في الغاب وقرى سلمية ومصياف ووادي العيون،للانتماء إلى حزب البعث،غداة الثامن من آذار عام 1963.هذا الإقبال غير
المسبوق.
والتزاماًً بالعنوان الذي خصصناه،لهذه الدراسة،عن التنوع الثقافي في المجتمع العربي السوري،نمّر برؤية على هذا التنوع،بدأً من ذكر تواجد كل تنوع،في المناطق والجهات السورية،ونرى أنّ التنوع الثقافي المسيحي ينتشر في أغلب المدن والجهات السورية،ثم المكون الثقافي الدرزي،في جبل العرب،وإدلب،وضواحي دمشق،أما المكون الثقافي العلوي فيتواجد في جبل العلويين،ومدن الساحل،والغاب،وقرى سلمية،والريف الشرقي لمدينة حمص وضواحيها الشرقية.والمكون الكردي في دمشق وحماه،وفي مناطق من الجزيرة السورية،مثل القامشلي،وهم بالأساس من كرد تركيا
،ولايحسبًون آنذاك،بمفهوم المواطنة،وإنّما بمفهوم الإقامة—،كرد علي مرحعاً.
وقد عرف هذا التنوع بقوته وتفاعله الخلاق،في
إطار وسياق الوحدة الوطنية،وتعود الفوة في التنوع الثقافي
السوري،في جوانية مكوناته التي ذكرناها،إلى الحياة الديمقراطية،التي فتحت الأبواب أمام حضور الحياة السياسية
ممثلة بالأحزاب ،واستقطابها للتنوعات الثقافية استقطاباً
تمثل في قوة الوحدة الوطنية السورية،ومتانة التنوع الثقافي السوري ،حزبياً وسياسياً،وحهوياً ووطنياً
لكن هذا التنوع الثقافي السوري،الذي عرف بقوته ووحدته الوطنية،كان هدفا للاستعمار الفرنسي،مع الاحتلال وبعده،ومن ثم الصهيونية العالمية،التي رأت في دور سوريا
الوطني والقومي تهديداً لكيانها في فلسطين العربية،نقول
إنّ هذه القوة بدأت تضعف،ومن ثم تتفكك وتتعادى في مابعد
هزَّة الثامن من آذار ،يوم بدأت المكونّات العسكرية،تتقاتل
للاستيلاء على السلطة،
وقد زاد تفكك التنوع الثقافي انقساماً في الحياة السورية
غداة مؤامرة شباط عام 1966،وترافق مع هذا الضعف ثقافة
الكراهية وثقافة الخوف والاقتتال الطائفي،بدءاً من أحداث حماه غير المسبوقة بقوة العنف والإجراءات القمعية الثأرية
عام 1982،وماتلاه من مذابح وتهجير وتدمير.ونجح حافظ الأسد في سبيل تمكنه من السلطة،وتوريثها لأبنائه،ومن في رعيته لتذرية التنوع الثقافي وإضعافه.مالم تنجح به القوى الأجنبية المعادية.
نخلص مما تقدم إنّ هناك صلات بنائية-نسبة للبناء الاجتماعي،بين قوّة التنوع الثقافي وضعفه،والنظام السياسي،
فكلّما ازداد التنوع السياسي انتشاراً في المجتمع العربي السوري،كلما اتسعت مساحة الديمقراطية،ازداد التنوع الثقافي
وحدة وتماسكا،وتفاعلاً خلاّقاً،وكلما تمكنت الديمقراطية في
الحياة السورية من الظّفر بمستخقاتها ومؤشراتها ومحدداتها،
أي ألّف بائها من حياة برلمانية صحيحة،غير مؤدلجة تزويراً وشطارة،على النحو التي عرفتها الحياة السورية،خلال عقد الخمسينات من الألفية المنصرمة،كلما قويت الوحدة الوطنية،
وتحصنت بما يحميها،من الذهنية الاستبدادية..*.
*_ لأستاذي انور عبد الملك،وهو في تربته التحية ، والدي أصبح صديقي بعد عودته إلى مصر أمّ الدنيا.
* إهدي هذه الدراسة لكل رفاقي من أبناء التنوع الثقافي السوري،في كل من جبل العرب وجبال الساحل السوري
ورفاقي من إبناء المسيحية الشرقية ًمنبتها،في القدس عروسة
العروبة.وفي مقدمتهم أستاذي ميشيل عفلق.هولاء الرفاق الذين كبروا على الطائفية.
د-عزالدين حسن الدياب.


