كتب

الإسرائيليون بشأن غزة.. منهم مؤيد لسياسة نتنياهو ومنهم معارض: لماذا أخطأ الطرفان؟

الإسرائيليون بشأن غزة.. منهم مؤيد لسياسة نتنياهو ومنهم معارض: لماذا أخطأ الطرفان؟

البروفيسور داني أورباخ

  بعد إعلان ترامب عن هوية أعضاء “مجلس السلام” في غزة، ادعى بعض المحللين بأن نتنياهو قاد إسرائيل إلى فشل مطلق. وحسب هذه الادعاءات، كان يمكن إنهاء الحرب قبل ذلك بكثير، في صيف 2024 مثلاً مع الإنجازات إياها، لكن مع خسائر أقل. لكن نتنياهو رفض كل اقتراح لـ “تسويات إقليمية” فقادنا إلى هزيمة استراتيجية. بعض من مؤيدي نتنياهو يدعون بالمقابل بـ “نصر مطلق”. لكن الطرفين مخطئان. فكل من مؤيدي نتنياهو أم معارضيه ينبغي أن يعترفوا بالحقائق التالية حتى لو لم تكن مريحة لمن يسعى لرواية قصة بسيطة عن هزيمة ساحقة أو نصر مطلق.

أولاً، ينبغي أن يقال بحق: في أثناء الحرب، لم تطرح على الطاولة أي صفقة معقولة لإسرائيل؛ فالمطالب التي طرحتها حماس كانت متطرفة تقريباً من المرحلة الأولى: انسحاب شبه كامل من القطاع مقابل قسم من المخطوفين، وانسحاب كامل مقابل الجميع أحياء وأمواتاً. والأسوأ يكاد لا يتبقى لإسرائيل أوراق مساومة إقليمية لاستخدامها لتحرير باقي المخطوفين. وكان معنى الأمر إعادة قوات حماس إلى حدود “بيري” و”كفار عزة”، فيما بقيت قيادة المنظمة على حالها، شبكة الأنفاق ومسارات التوريد نشطة، وقوتها العسكرية بعيدة عن الانكسار. لم تكن هذه “تسوية أليمة” بل عودة واعية لنقطة بداية 7 أكتوبر، مع أقل شرعية دولية فقط. وحتى لو طرح على إسرائيل مقابل إقليمي في شكل تطبيع مع السعودية، ما كانت أي دولة خليجية يمكنها إجبار حماس على التنازل عن مطالبها أو حل المشكلة الإسرائيلية في غزة.

التسوية الحالية، بكل نواقصها، مختلفة جوهرياً؛ فهي تبقي في يد إسرائيل سيطرة في نحو نصف أراضي القطاع كورقة مساومة – بما في ذلك أراض مشرفة من ناحية طبوغرافية، والنطاق الشمالي، ورفح ومعبر رفح حيث الاتصال الوحيد للقطاع بالعالم. وهي تخلق فاصلاً مادياً مهماً بين حماس وبلدات الغلاف، وتخلق مجالاً مفتوحاً السيطرة فيه والرقابة عليه أسهل بكثير. منظومة حماس العسكرية كانت منسوجة بحيث لا يمكن التعرف عليها في المنطقة المبنية، طالما بقيت هذه مدمرة، وسيستغرق ترميمها سنوات عديدة، لن تتمكن دولة حماس من إقامة المنظومة العسكرية التي استخدمتها في 7 أكتوبر. ليس صدفة أن كانت الضربة الأشد لمنظومة حماس في مرحلة متأخرة من القتال، بعد تصفية المستوى الأعلى، وأساساً في حملة “عربات جدعون 2” التي انكسرت فيها قدرات المنظمة الأساسية. كما أن إسرائيل نجحت في ان تدمير قدرات حماس الصاروخية على نحو شبه مطلق، التي بواسطتها فرضت علينا الرعب طوال سنين.

فضلاً عن ذلك، فإن وقف الحرب في مراحل مبكرة، كما اقترح محللون مختلفون، كان سيمنع عن إسرائيل الإنجاز الاستراتيجي الأوسع للحرب: تفكيك محور المقاومة الإيراني. حماس ليست جزيرة منعزلة، بل جزء من منظومة إقليمية. إن كسرها، إلى جانب المس بحزب الله ووكلاء آخرين غير ميزان القوى الإقليمي، ما كان لأي صفقة مبكرة أن تتيحها.

المهم: إن هدف تجريد حماس، الذي لم يتحقق بعد، هدف منصوص عليه بتعهد أمريكي وبإسناد غير مسبوق من مجلس الأمن. ستحتفظ إسرائيل بالمنطقة التي تحت سيطرتها وتمنع الإعمار وإدخال مواد البناء كورقة مساومة للتجريد. لم تكن إسرائيل لتمتلك أوراق مساومة كهذه لو انسحبت من القطاع كله، بما فيها ذلك معبر رفح وفقاً لما عرض في صفقات سابقة.

مع ذلك، في التسوية الحالية إخفاقات عديدة. وجود تركيا وقطر في لجنة الإشراف مقلق. وكذا إدخال جهات أوروبية معينة يبعث علامات استفهام كبيرة. لكن الصورة الكاملة أكثر تعقيداً: نصف اللجنة على الأقل تتشكل من جهات ودية لإسرائيل، أو متعلقة بالولايات المتحدة. وعرض الآلية كلها كمعادية، لا دقة فيه.

إن منتقدي الاتفاق من المعارضة محقون عندما يدعون بأن نتنياهو لم يحقق بعد “نصراً مطلقاً” مثلما تباهى في أثناء الحرب. ليس واضحاً مثلاً كيف ستتصدى اللجنة الحاكمة في قطاع غزة لتهديدات مسلحة من جانب حماس، وكيف يمكن فرض نزع السلاح على منظمة الإرهاب. للأسف، ربما تحقق حماس في غزة “نموذج حزب الله”؛ أي نفوذ مسلح من خلف الكواليس. سيتعين على إسرائيل إجراء الكثير من الشقلبات الدبلوماسية، واستخدام أوراق المساومة التي تمتلكها وتهديدات عسكرية مصداقة؛ كي تقلص نفوذ حماس على الحكم الجديد إلى الحد الأدنى الممكن.

والأهم من كل ذلك، أن الطابع الإشكالي والجزئي للتسوية ينبع من رفض مبدئي، يتجاوز المعسكرات، لفرض حكم عسكري إسرائيلي في القطاع. لا يوجد في هذا الموضوع فرق حقيقي بين رئيس الوزراء ومعظم المعارضة ومحلليها. إذا كانت إسرائيل غير مستعدة لأن تحكم السكان المدنيين في غزة مباشرة – وثمن مثل هذه الخطوة سيكون باهظاً للغاية – فإن أحداً ما آخر كان سيحكمها. وإن لم تكن حماس، فجهة فلسطينية أخرى بالمشاركة مع قوة دولية، رغم القيود والمخاطر التي تنطوي على ذلك. لا توجد للسلطة الفلسطينية، في وضعها الحالي، قدرة سيطرة فاعلة حتى في الضفة، ولا في غزة أيضاً، إلا بعد أن تجتاز إصلاحات عميقة. وبمراعاة القيود التي فرضتها إسرائيل على نفسها، يبدو أن الاتفاق الذي تحقق هو أفضل الممكن.

وأخيراً، ثمة حقيقة واحدة يُحظر دحرها: هوية الحكم في غزة مهمة، لكنها غير كافية؛ فبدون نزع تطرف عميق لجهاز التعليم والمجال الثقافي، ربما ذلك يضعف دائرة العنف، لكن ليس قطعها. من يتحدث عن مبان سلطوية فقط ويتجاهل الأيديولوجيا، سيفوّت جذر المشكلة. بدون تغيير للوعي، لا يمكن لأي تسوية – مهما كانت ناجحة – أن تصمد.

 يديعوت أحرونوت 20/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب