تحالف نيودلهي–أبوظبي.. قراءة استراتيجية لتداعياته على الأمن القومي العربي ومسار التطبيع

تحالف نيودلهي–أبوظبي.. قراءة استراتيجية لتداعياته على الأمن القومي العربي ومسار التطبيع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة –
مقدمة: متغيرات إقليمية في قلب الخليج
جاءت زيارة محمد بن زايد آل نهيان إلى نيودلهي وتوقيع 12 اتفاقية وخطاب نوايا بين الإمارات والهند في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والفضاء، لتكشف عن تحول نوعي في العلاقات الثنائية من شراكة اقتصادية تقليدية إلى شراكة استراتيجية بعيدة المدى. هذه الخطوة تعكس إدراك أبوظبي لمحدودية الاعتماد على المظلة الأمريكية، والرغبة في تنويع شركاء الردع، في ظل تصاعد التعاون الدفاعي السعودي–الباكستاني–التركي وما يرافقه من إعادة رسم لموازين القوى الإقليمية.
الأمن متعدد المسارات: السعودية–باكستان–تركيا
التحالف الدفاعي السعودي–الباكستاني–التركي يعكس رغبة الرياض في تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع هامش المناورة، خصوصًا بعد المناورات المشتركة “رمال النصر 2026” ووصول وحدات جوية باكستانية وتركية إلى الأراضي السعودية. هذه الديناميكية تمنح السعودية قدرة أكبر على إدارة ملفات الأمن الإقليمي، خصوصًا في اليمن والبحر الأحمر، وتحد من إمكانية تمرير أجندات إقليمية أحادية الجانب دون الرجوع إلى الرياض.
دور مصر: ركيزة التوازن الإقليمي
لا يمكن قراءة المشهد الخليجي بمعزل عن مصر، التي تشكل مع السعودية محورًا استراتيجيًا لضمان الأمن القومي العربي. القاهرة تتحكم بمدخل الشرق الأوسط البحري والتجاري، وتملك القدرة على التأثير في ملفات مثل غزة واليمن والقرن الإفريقي. بهذا الصدد، يعيد الثنائي السعودي–المصري رسم منظومة الردع العربي، ويضع سقفًا لأي تحالفات إقليمية جديدة، بما فيها اتفاقيات الدفاع الإماراتية مع الهند، لضمان عدم إضعاف البنية العربية المشتركة.
الإمارات بين المناورة والاستقلال الاستراتيجي
تسعى أبوظبي إلى تحصين موقعها الاستراتيجي عبر شراكة مع الهند، قوة نووية عسكرية صاعدة تمتلك خبرة صناعية وتقنية كبيرة، وتتمتع بعلاقات متقاطعة مع القوى الكبرى بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن هذه الخطوة تحمل تداعيات على الإمارات نفسها:
تحوّل أمني حساس داخل مجلس التعاون الخليجي نحو نظام متعدد المحاور.
إضعاف الدور الحصري للإمارات في مسار التطبيع، خصوصًا بعد تعزيز التحالف السعودي–المصري.
تحديات ثقافية ودينية نتيجة إدخال قوة هندية ذات أبعاد قومية ودينية مختلفة إلى قلب المنطقة.
فتح المجال لتوسع نفوذ إسرائيل والجهات الخارجية في الخليج، مقابل استقرار المحور العربي التقليدي.
مصير اتفاقيات إبراهام والتطبيع السعودي–الإسرائيلي
التغيرات الأخيرة أعادت السؤال عن مستقبل اتفاقيات إبراهام، لا سيما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات السعودية–الإسرائيلية. فقد أصبح التطبيع السعودي محكومًا بشرطين:
أولوية القضية الفلسطينية وحماية الحقوق التاريخية للفلسطينيين، باعتبارها محور الشرعية الدينية والسياسية للعالم العربي والإسلامي.
مراعاة التوازن الدفاعي والإقليمي الجديد، الذي يضع السعودية ومصر كمركز ثقل لا يمكن تجاوزه.
وبالتالي، فإن أي خطوات مستقبلية للتطبيع السعودي–الإسرائيلي ستخضع لرقابة استراتيجية عربية أكثر صرامة، بعيدًا عن المنطق الإماراتي “الاقتصادي–التكنولوجي” الذي سيصبح أقل قدرة على فرض أجنداته دون التنسيق مع الرياض والقاهرة.
القضية الفلسطينية محور الأمن القومي العربي
التطورات الأخيرة أعادت القضية الفلسطينية إلى مركزية القرار الاستراتيجي، ليس فقط كملف تضامن سياسي، بل كركيزة أمنية ودينية للعالم العربي والإسلامي. أي مسار تطبيعي أو اتفاق سياسي في الخليج لا يمكن أن يمر دون الاعتراف بأهمية فلسطين كشرط لاستقرار الأمن الإقليمي والشرعية العربية والإسلامية.
خاتمة: النظام الإقليمي الجديد
تظهر الصورة أن الأمن الخليجي والشرق أوسطي لم يعد مرتبطًا بمظلة واحدة أو محور واحد، بل بات متعدد المحاور والمظلات. ومع ذلك، يبقى الثنائي السعودي–المصري حجر الزاوية لضبط التوازنات، وتأمين الأمن القومي العربي، وإعادة حماية مسار القضية الفلسطينية في أي ترتيب إقليمي جديد.
الإمارات، من جهتها، تحصل على حماية تقنية ودفاعية من الهند، لكنها تواجه تحديات استراتيجية تتعلق بدورها ومستقبل تطبيعها وعلاقاتها مع إسرائيل، في وقت تتسع فيه رقعة النفوذ السعودي–المصري في المنطقة.



