تحقيقات وتقارير

الطيبي لـ«القدس العربي»: تعهّد الأحزاب العربية بقائمة مشتركة ملزم وتعبير عن إرادة الشارع

الطيبي لـ«القدس العربي»: تعهّد الأحزاب العربية بقائمة مشتركة ملزم وتعبير عن إرادة الشارع

الناصره /وديع عواودة

 فيما بدت استجابة مباشرة لنبض الشارع والضغط الجماهيري المتصاعد داخل أراضي 48، بعد المظاهرة العملاقة في مدينة سخنين احتجاجًا على استشراء الجريمة وتواطؤ الحكومة الإسرائيلية مع عصابات الإجرام، وقّعت قيادات الأحزاب العربية على عريضة تهدف إلى إعادة بناء القائمة المشتركة، في خطوة وُصفت بأنها انتصار لإرادة الجماهير ورسالة وحدة في مرحلة مفصلية ولحظة تاريخية.
وجاء ذلك خلال اجتماع موسّع عُقد في بلدية سخنين، بمشاركة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، الهيئة السياسية الأعلى لفلسطينيي الداخل، وبحضور شعبي لافت للنظر من مواطنين وأصحاب مصالح، وذلك في أعقاب المظاهرة الجماهيرية الحاشدة التي شهدتها المدينة الخميس.
وبعد مطالبة الجمهور، بادر رؤساء الأحزاب العربية (أيمن عودة، أحمد الطيبي، منصور عباس، وسامي أبو شحادة) إلى توقيع عريضة موجزة قالوا فيها إنهم يلتزمون بالعمل على إقامة قائمة عربية مشتركة، وهو مطلب جماهيري واسع، رغم وجود مخاوف من أن تكون هذه الخطوة مناورة للالتفاف على رغبة الجمهور، من دون أن تتشكل القائمة المشتركة لاحقًا، الأمر الذي من شأنه التسبب بخيبة أمل، وإنتاج حالة إحباط، ودفع أصحاب حق الاقتراع العرب (نحو 15% من أصحاب حق الاقتراع في إسرائيل) إلى العزوف عن صناديق الاقتراع.
كما برزت مخاوف من أن يؤدي تشكيل «المشتركة» فعليًا إلى ردّ فعل في الجانب الإسرائيلي، يدفع نحو تحالف قوائم صغيرة، مثل حزبي إيتمار بن غفير (القوة اليهودية) وبتسلئيل سموتريتش (الصهيونية الدينية)، وبالتالي زيادة احتمالات بقاء بنيامين نتنياهو في الحكم.
وسرعان ما أثار الإعلان عن توقيع رؤساء الأحزاب على عريضة التعهد بإحياء «المشتركة» ردود فعل تحريضية في أوساط اليمين الإسرائيلي، عقب توقيع رؤساء الأحزاب العربية على الالتزام بالعمل لإعادة تشكيل القائمة المشتركة. ووصف بن غفير، المدان بالإرهاب بمحكمة إسرائيلية، الخطوة أنها تحالف ممثلي الإرهاب، فيما قال وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي إن النائب منصور عباس، الذي عدّه حليفًا لحكومتي نفتالي بينيت ويائير لابيد، يسعى للوحدة مع من وصفهم بداعمي حركتي «حماس» و»حزب الله».

على وقع تظاهرة سخنين «الجبّارة»… واليمين الصهيوني يحرّض

تظاهرة جبّارة

وقال النائب أحمد الطيبي، رئيس الحركة العربية للتغيير (تحالف الجبهة/التغيير)، في حديث لـ»القدس العربي»، إن هذه المظاهرة الجبّارة في سخنين جاءت كصرخة عالية ضد الجريمة والمجرمين، وضد حكومة نتنياهو المتوافقة مع هذه الجريمة، وقال إن توقيع رؤساء الأحزاب على تعهدهم بتشكيل المشتركة مُلزم للجميع ولا رجعة فيه، وأن المحادثات ستنطلق قريبًا.
وأكد الطيبي، عقب توقيع عريضة إعادة تشكيل القائمة المشتركة والمظاهرة الجماهيرية الحاشدة في سخنين، أن ما جرى اليوم يشكّل محطة مفصلية في مسار النضال الجماهيري والسياسي في المجتمع العربي، مشيرًا إلى أن ما حدث ينبع من حسّ وطني وسياسي عالٍ، ومن رغبة واضحة في إزاحة الحكومة الحالية وتحميلها مسؤولية الواقع القائم.
وأضاف أن «التوقيع يليق بسخنين ويليق بجماهيرنا العربية في الداخل، مؤكدًا أن هذا الالتزام يُلزم جميع الأطراف الموقعة، ويشكّل تعبيرًا صادقًا عن إرادة الشارع ووحدته».
وأوضح الطيبي أن المرحلة المقبلة ستشهد عقد اجتماعات بين رؤساء الأحزاب الأربعة، لبحث التفاصيل الدقيقة والآليات العملية، بهدف إخراج هذا التوقيع من حيّز الإعلان إلى حيّز التنفيذ الفعلي، وترجمته إلى واقع سياسي ملموس.
وخلص الطيبي إلى التأكيد أن ما جرى في سخنين ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن الشارع العربي حاضر، موحّد، وقادر على فرض أولوياته، وأن وحدة الصف باتت خيارًا لا يمكن التراجع عنه في مواجهة التحديات المصيرية.
وقالت «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، الممثلة في كتلة تحالف الجبهة/التغيير برئاسة النائب أيمن عودة، في بيان الجمعة، إن «المشهد الوحدوي والمشرّف الذي جسدته المظاهرة الجبّارة في سخنين، أمس، والضغط الجماهيري الواسع والواعي والحكيم، يعزز رؤيتها ووجهتها، ويفرض على الجميع الارتقاء إلى مستوى طموحات أبناء شعبنا وآمالهم».
وأكدت «الجبهة أن «توحيد الجهود في قائمة مشتركة واحدة، كأداة نضالية قادرة على الإطاحة بحكومة الإبادة والاحتلال والتهجير، وحكومة رعاية عصابات الإجرام وتفشّي العنف في المجتمع العربي، هو تعبير عن انتفاضة أهلنا ضد هذه السياسات وضد المتواطئين معها في السلطة».
وذكّرت «الجبهة» أنها أكدت منذ أشهر، «قولًا وفعلًا، ضرورة إعادة إقامة القائمة المشتركة، وعملت بلا انقطاع من أجل ذلك، وكانت أول من بادر إلى استئناف الحوار بين المركبات الأربعة، وطرحت تصورها ضمن ملف «خارطة الطريق»، الذي يضع مقترحًا لأسس سياسية واضحة وبرنامج نضالي جامع، وهو ما أكده شعبنا في مظاهرة الأمس الجبّارة، توافقًا مع ما طُرح أمام بقية المركبات ولجنة الوفاق وممثلي اللجنة القطرية للرؤساء العرب وغيرها من الجهات التي أبدت تقديرًا كبيرًا لصدق المساعي والمرونة المبداة في سبيل ذلك».

منصور عباس يبقي الباب مفتوحًا

في حديث للإذاعة العبرية الرسمية، قال رئيس القائمة العربية الموحدة النائب منصور عباس، الجمعة: «كنت في هذا الموقف لاعتقادي أنه من جهة واحدة صحيح خوض الانتخابات في قائمة مشتركة، لكن بشرط ألا يمس ذلك بإرادة القائمة العربية الموحدة للانخراط في الائتلاف الحاكم القادم، وأن تكون جزءًا من التغيير، بل تعزّزه».
وردًا على سؤال الإذاعة العبرية حول ما إذا كان يريدها قائمة موحّدة تقنية، بمعنى أن تتفكك بعد الانتخابات ويتجه كل حزب في سبيله ووجهته السياسية إن وجد ذلك مناسبًا، تابع عباس: «وحدة تقنية وعدم المساس باحتمالات الموحدة أن تكون جزءًا من الائتلاف القادم».
وهذا التحفظ المستبطن في حديثه يعني أن منصور عباس يُبقي الباب مفتوحًا لعدم الذهاب إلى القائمة المشتركة، ما يعني التعامل مع إعلان رؤساء الأحزاب بحذر، وأن الحديث عن تقدم كبير نحو بناء المشتركة من جديد ما يزال مبكرًا، فالطريق ما زالت طويلة.
فمنصور عباس لا يبحث عن التمثيل السياسي فحسب في الكنيست، بل يرجّح كفة التأثير مقابل التمثيل، كما يتجلى في إرادته الانضمام إلى ائتلاف إسرائيلي حاكم من الخارج على الأقل، كما فعل مع ائتلاف لابيد–بينيت قبل عام 2022.

على القيادة الإصغاء للشعب

وردًا على سؤال «القدس العربي»، يرى المحاضر في العلوم السياسية في جامعة حيفا البروفيسور أسعد غانم أن ما حدث الخميس مهم، و»هو نتيجة ضغوط الجمهور الذي دخل قاعة اجتماع لجنة المتابعة في سخنين ليلة أمس»، مشيرًا إلى أن «الشعب أطلق رسالة مدوية واستجابت القيادة، لكن التوقيع المذكور لن يؤدي بالضرورة إلى تشكيل قائمة مشتركة بسرعة».
وتابع: «هذا الضغط وهذا التوقيع وهذه الأجواء الضاغطة ساهمت في رفع منسوب احتمالات تأسيس المشتركة. القيادات التزمت التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا أمام الناس بتشكيل المشتركة، والأجواء العامة جاهزة، وهذا بفضل مبادرة الجمهور، خاصة أهالي مدينة سخنين. أنا مع التكامل بين القيادة والشعب، لكن الجماهير سبقت القادة في هذه القضية».
وأضاف أن المسألة الآن مرتبطة بالأحزاب فقط، وهي تدرك أن هذا مطلب المجتمع، وأن القائمة الوحدوية سترفع نسبة التصويت، و»على الأحزاب تحمّل المسؤولية، وعلى فلسطينيي الداخل مواصلة الضغط وعدم الكف عن الضغط بعد توقيع رؤساء الأحزاب على عريضة تؤكد النوايا الوحدوية».
ورغم الخطر من أن تأتي خيبة كبيرة نتيجة بقاء إعلان النوايا حبرًا على ورق، تساءل غانم: «لكن فرضًا أن المشتركة ستتشكل من جديد، ألا تنطوي على مناديل حمراء تخيف الجانب الإسرائيلي وتدفعه إلى الوحدة، وترفع من احتمالات بقاء حكومة الاحتلال المتطرفة برئاسة نتنياهو؟».

البروفيسور أسعد غانم: الشعب أطلق رسالة مدوية واستجابت القيادة… لكن ليس بالضرورة تشكيل قائمة مشتركة بسرعة

وقال: «هذه المخاوف في محلها وصحيحة، لكن هناك تحولًا واسعًا نحو اليمين في إسرائيل، ونحن نبحث عما هو أقل ضررًا. إن عدم إقامة المشتركة سيمنع حزبًا عربيًا واحدًا على الأقل من المشاركة بذريعة دعم الإرهاب، وعندها سيؤدي ذلك إلى زيادة فرص بقاء حكومة نتنياهو في السلطة. المشتركة تحمي حزب التجمع، وبذلك نحصل على ثلاثة أو أربعة مقاعد إضافية، والعكس صحيح».
وأضاف: «الانزياح نحو اليمين في إسرائيل قائم مع المشتركة أو بدونها».
وعن المنافع الأخرى للمشتركة، قال: «نحن بحاجة إلى المشتركة ليس فقط لإسقاط نتنياهو وائتلافه، بل رسالة لأنفسنا لتعزيز المسؤولية، ورسالة لشعبنا الفلسطيني المفكك داخل أراضي 48 مفادها أن هذا الجزء من الشعب الفلسطيني قادر على إنجاز الوحدة رغم الخلافات. وهي رسالة للإسرائيليين وللعالم تعبر عن حالة التضامن. المشتركة حاجة داخلية لنا كفلسطينيين في إسرائيل».
وحول التخوف من أن يشغل موضوع المشتركة الآن عن ضرورة مواصلة الضغط على حكومة نتنياهو للقيام بواجبها القانوني في مكافحة الجريمة، قال: «المشتركة لن تقوم غدًا ولن تقوم الآن، بل بعد أشهر. ما حصل أمس ليس إعلانًا عن تأسيسها، بل التزام بنية إقامتها. الإعلان هو شحذ للهمم ومواصلة الاحتجاج القوي ورفع منسوب التأهب للعمل الوطني المشترك في قضايا مشتركة، مثل مكافحة الجريمة».
وأضاف: «الإعلان والمظاهرات لا تحل المشكلة. أتينا إلى المظاهرة الأكبر في تاريخنا منذ النكبة. وكما في يوم الأرض عام 1976، سبق الشعب القيادة في هذه المظاهرة. توقعت أمس أن تُعطى فرصة الحديث لمندوبين عن الأهالي بدل أن تقوم القيادة باتخاذ القرارات. الشعب هو من صنع الحدث، لا القيادة».
وشدد على أن «على القيادة فهم كيف وصلت سخنين إلى حالة الغليان التي تحولت خلال ساعات إلى حدث نضالي واسع، وعليها الإسراع في صياغة خطة نضالية بعيدة عن الارتجال، ونقل تجربة سخنين إلى سائر البلدات العربية، والانضمام جميعًا إلى الإضراب المفتوح، والإصغاء إلى القاعدة الشعبية والمجتمع المدني المبادر والفاعل في الميدان، وصولًا إلى العصيان المدني».
ميدانيًا، تواصلت الاحتجاجات الشعبية في عدد من البلدات العربية الجمعة وغدًا السبت. وفي إطار الحراك المجتمعي المتواصل في مدينة سخنين لمواجهة آفة العنف والجريمة، وبالتنسيق مع البلدية واللجنة الشعبية واللجنة المنظّمة للهبة الأخيرة، أقام أئمة مساجد مدينة سخنين صلاة جمعة واحدة وموحّدة في ساحة بلدية سخنين، تحت عنوان «جمعة الأمن والأمان».

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب