من يملك حق قرصنة العالم؟ حين تتبدّل شرعية القوة في النظام الدولي الجديد

من يملك حق قرصنة العالم؟ حين تتبدّل شرعية القوة في النظام الدولي الجديد
اعداد وتقرير صحيفة صوت العروبه
هل يحقّ لدولة ما أن تُقنّن الهيمنة، وتُقرصن اقتصاد العالم، وتضع يدها على أموال الدول، وتحاصر من يخالفها، وتشُنّ الحروب على من لا يتماشى مع إرادتها؟ والسؤال الأعمق: هل القوة العسكرية والمالية، مهما تعاظمت، قادرة على ضمان الدوام والشرعية في عصر تتآكل فيه الإمبراطوريات من داخلها قبل أن تُهزم خارجيًا؟
منذ صعود الولايات المتحدة إلى رأس النظام الدولي عقب الحرب العالمية الثانية، جرى تكريس نمطٍ من العلاقات الدولية يقوم على التفوق الأحادي للعقوبات، والتدخل العسكري، والتحكم بالأسواق المالية والطاقة وسلاسل التجارة العالمية. ولعقود، بدت “العصا الأمريكية” عصا تُخيف، وتفرض، وتُعاقب، وتُجبر. لكنها، كما يجيبه التاريخ ببرودٍ وهدوء، لم تكن كافية لإنتاج “الدوام”.
فمن الإمبراطورية البريطانية التي تآكلت من الداخل، إلى انهيار الاتحاد السوفيتي الذي لم يسقط في حربٍ مباشرة بل في اختبار الشرعية والاقتصاد، تكررت القاعدة التي عبّر عنها ابن خلدون مبكرًا: “الدول تولد بشهادة ميلاد وتنتهي بشهادة وفاة، وهذه سنّة تاريخية لا تُستثنى منها القوى الكبرى.”
هيمنة تتصدّع: غزة وأوكرانيا وإيران والبريكس والنظام المالي الموازي
على مدى السنوات الأخيرة، تراكمت شواهد دولية تُظهر اهتزازًا في “الأحادية الأمريكية” أمام صعود مشاريع موازية. فالحرب في أوكرانيا أعادت التوازنات العسكرية والتكنولوجية إلى الواجهة، بينما شكّلت حرب غزة زلزالًا أخلاقيًا وسياسيًا وحقوقيًا مسّ جوهر الشرعية الغربية في النظام الدولي، وتحديدًا تجاه القضية الفلسطينية.
أما العقوبات على إيران فقد فقدت الكثير من فعاليتها، مع توسّع دولة العقوبات في استخدام اقتصاد الظلّ والتحالفات الموازية، وصولًا إلى دخولها تدريجيًا في منظومات تجارية غير مقوّمة بالدولار، بالتوازي مع نمو تكتّل البريكس، وظهور مشاريعٍ تسعى إلى نظام مالي بديل يقلّل من الاحتكار الأمريكي للرساميل وحركة التحويلات والمعاملات التجارية العالمية.
هذا التراكب لم يكن تفصيلاً اقتصاديًا، بل مفتاحًا لتغيّر قواعد اللعبة.
المسألة الفلسطينية في قلب التغيير الدولي
لم تعد القضية الفلسطينية وعلى رأسها الصراع العربي-الإسرائيلي، مجرد ملفٍ من “مخلفات الحرب الباردة”، بل تحوّلت إلى مرآة دولية لاختبار طبيعة النظام العالمي. فالمواقف الدولية من حرب غزة كشفت عن تباين غير مسبوق بين:
المعسكر الغربي الرسمي (الولايات المتحدة وأطراف أوروبية)
والمجتمعات الغربية التي انحازت في جزء كبير منها إلى الرواية الفلسطينية
والدول الصاعدة التي رأت في فلسطين قضية عدالة وشرعية دولية لا يمكن تجاهلها في إعادة تشكيل قواعد القوة
ومن منظور استراتيجي، شكّل الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية، وتحوّل الموضوع إلى ملف قانوني-حقوقي في المنظمات الدولية والمحاكم، مع ما رافقه من ضغوط شعبية وسياسية وأكاديمية، مؤشرًا إضافيًا على أن القضية لم تعد رهينة التوازنات الأمريكية-الإسرائيلية التقليدية.
كما أن الحرب جعلت إسرائيل، لأول مرة منذ 1967، تقف أمام معادلة جيوسياسية جديدة تُظهر محدودية القوة العسكرية وحدها في فرض الحلول، وتكشف أن “الهيمنة الأمنية” لا يمكنها تجاوز معادلة الشرعية.
المستقبل: أين يتجه النظام الدولي؟
تتباين التقديرات حول مستقبل العقد القادم (2026-2035)، لكنّ أبرز السيناريوهات الأكثر ترجيحًا يمكن تلخيصها بما يلي:
- تعددية مُدارة تحافظ الولايات المتحدة على تفوق نسبي، لكن أمام صعود كتلة دولية آسيوية-أفريقية-لاتينية، وظهور قنوات مالية وتجارية مستقلة، وتحولات في الطاقة والتكنولوجيا.
- استقطاب استراتيجي صلب يتبلور محور جيوسياسي صريح بين الولايات المتحدة-الغرب من جهة، والصين-روسيا-البريكس من جهة أخرى، مع انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط وفلسطين.
- إعادة تعريف القوة يتراجع وزن السلاح والعقوبات لصالح الشرعية القانونية-الأخلاقية، والرأي العام العالمي، وقدرة المجتمعات على الضغط، وهو ما ظهر في غزة بصورة لافتة.
- اندماج فلسطيني في محور الشرعية الدولية يُرجّح أن يرتفع معدل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتعزيز مسار القانون الدولي (المحاكم، الجنائية الدولية، الأمم المتحدة)، مع ازدياد القدرة على استخدام الدبلوماسية الجماعية لمعادلة التفوق العسكري-الأمني الإسرائيلي.
خاتمة: العصا لا تصنع الشرعية
الهيمنة تستطيع أن تُعاقب، وتُقمع، وتُخيف، وتُهدد، لكنها لا تستطيع أن تُنتج شرعية ولا عدالة. وكل الإمبراطوريات التي اعتقدت أنها أبدية، من روما إلى لندن إلى موسكو، اصطدمت بالحقيقة ذاتها: لا شيء يهزم الإمبراطوريات مثل تآكل شرعيتها وتراكم رفض الشعوب لها.
في عصر ما بعد غزة وأوكرانيا والبريكس، يبدو العالم مقبلاً على عقدٍ يعاد فيه تعريف القوّة، وموقع الشرعية، ومعنى العدالة الدولية. وفي قلب هذا التحوّل، فلسطين ليست الهامش، بل الاختبار الأكثر حساسية لمستقبل النظام الدولي ذاته.



