الصحافه

“نظام مدني جديد”.. حماس ترحب بخطة ترامب وما خلص إليه “نسمان والجراح”: ماذا عن تطلعات دحلان؟

“نظام مدني جديد”.. حماس ترحب بخطة ترامب وما خلص إليه “نسمان والجراح”: ماذا عن تطلعات دحلان؟

في الوقت الذي يحتفل فيه ترامب بتشكيل مجلس السلام، ما زالت إسرائيل تمنع دخول أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة. مع ذلك، بدأت عملية نقل إدارة الشؤون المدنية من حماس إلى المجلس. وذكر تقرير في شبكة “سكاي نيوز” الناطقة بالعربية بأن محادثات جرت بين سامي نسمان، الرئيس الجديد في لجنة التكنوقراط عن وزارة الداخلية، التي تتبع لها الشرطة والأمن الداخلي، وزميله في حماس جمال الجراح. وحسب التقرير، فقد ناقشت هذه المحادثات طرق نقل المهمات بين الرئيسين. وقال مصدر فلسطيني رفيع لصحيفة “هآرتس” بأن الأمر لا يتعلق حتى الآن بتداخل مهني، بل بتنسيق إداري في المقام الأول، بما في ذلك نقل أسماء الموظفين في وزارة الداخلية والشرطة في غزة وفهم إجراءات العمل التي كانت معتمدة في ظل حكم حماس.

لا يحتاج نسمان في الحقيقة إلى تهيئة مهنية؛ فقد ولد في 1967 في مخيم الشاطئ للاجئين وعاش نصف حياته على الأقل في حي الشيخ رضوان، وهو يعرف القطاع جيداً، ويعرف العائلات، وهياكل السلطة القائمة على العشائر. وفي شبابه انضم لحركة “الشبيبة” التابعة لحركة فتح، وشارك في الانتفاضة الأولى، بل وكان مطلوباً لجهاز “الشاباك”، بسبب اشتباه بمشاركته في قتل متعاونين. لقد هرب نسمان من قطاع غزة ثم عاد إليه في 1994 بعد اتفاق أوسلو، برفقة شخصيات بارزة أخرى في حركة فتح.

بعد ذلك، عين نسمان كضابط مخابرات رفيع المستوى وعمل تحت قيادة أول رئيس للمخابرات الفلسطينية أمين الهندي، وكان أيضاً ناشطاً ضد أذرع حماس في قطاع غزة. في 2007 عندما سيطرت حماس على قطاع غزة، هرب نسمان من غزة واستقر في رام الله. ولكن حماس واصلت مطاردته. وفي 2015 اتهمته حماس بإدارة شبكة مخابرات في قطاع غزة ضد حماس، وبعد سنة حكم عليه غيابياً بالسجن 15 سنة.

في السنوات الأخيرة، شهد نسمان تحولاً في مساره؛ فقد انضم إلى صفوف الضباط “المتقاعدين”، وهم الضباط الذين استغنت السلطة الفلسطينية عن خدماتهم، بسبب قربه من محمد دحلان، شأنه شأن اثنين على الأقل من أعضاء لجنة التكنوقراط الجديدة الذين يبلغ عددهم 15 عضواً، بمن فيهم علي شعث رئيس اللجنة.

اضطرت حماس إلى ابتلاع تعيين نسمان، إذ لم يمنح لها رسميا حق النقض أو القدرة على فحص أعضاء اللجنة، لكن يجدر التذكير بأن دحلان وحماس كانوا وما زالوا يتمتعون بعلاقات جيدة. في 2017 جرت مباحثات بين مصر وحماس والإمارات – الدولة التي دعمت دحلان – بشأن إنشاء “مجلس إدارة” لغزة برئاسة دحلان. ووفقاً لتقارير في ذلك الوقت، خصصت أبو ظبي 15 مليون دولار لتمويل بعض أنشطة الحكومة الجديدة، ولكن حماس سرعان ما تراجعت وفضلت تشكيل حكومة وحدة وطنية مع فتح. واستمر هذا التعاون حوالي سنة قبل أن ينهار في نهاية المطاف.

يمكن تقدير أنه إلى جانب انضمام الإمارات إلى مجلس السلام الذي يترأسه ترامب، يعدّ دحلان نفسه للمرحلة الثانية، وهي المرحلة التي تبدأ فيها لجنة التكنوقراط عملها على أرض الواقع، وتبدأ العناصر السياسية الفلسطينية في شق طريقها نحو نقل السيطرة للسلطة الفلسطينية – نظرياً خلال سنتين تقريباً، كما تم النص على ذلك في خطة ترامب المكونة من 20 نقطة.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تقرير آخر نشرته قناة “سكاي نيوز” ولم تؤكده أي جهة أخرى، لكنه لم ينفَ. حسب هذا التقرير، توصلت حماس والولايات المتحدة إلى اتفاق يقضي بتسليم حماس لسلاحها وخرائط الأنفاق في قطاع غزة التي لم تكشف بعد، مقابل أن تصبح حماس حزباً سياسياً شرعياً، وأن يتمكن كل عضو فيها، الذين يرغبون في مغادرة القطاع، من القيام بذلك بدون خوف على حياتهم. ويضيف التقرير الذي استند إلى مصدر فلسطيني مجهول بأن اقتراحاً مشابهاً قدم لإسرائيل، التي أبدت معارضة شديدة لعدد من بنوده.

من السابق لأوانه فحص استعداد حماس للمرحلة القادمة، لا سيما قبل أن تقرر نزع سلاحها، ولكن من المهم التذكير بما صرح به بشارة بحبح في الشهر الماضي، الذي شغل منصب حلقة الوصل بين واشنطن وحماس. وأوضح بحبح في حينه بأن “نزع سلاح حماس سيتم على مراحل وفي إطار ترتيبات عامة ترتبط باتفاق وقف إطلاق النار في غزة”. لم يوضح بحبح ما قصده، لكن حقيقة بدء الحديث عن فتح معبر رفح الأسبوع القادم وعن نشاط لجنة التكنوقراط بما في ذلك بدء أعمال الإجلاء وإعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس، قد يشير إلى أن هذه القضية ربما تستفيد من “مرونة” الولايات المتحدة رغم تهديدات ترامب العلنية للحركة. فمن الصعب تصور وضع يبدأ فيه مجلس السلام بكل مستوياته في العمل وجمع التبرعات ومحاولة إنشاء قوة استقرار دولية، وفي الوقت نفسه تحصل إسرائيل على تفويض من ترامب لشن حرب على حماس في غرب غزة.

نموذج من هذه “المرونة” يمكن إيجاده في الطريقة التي سمحت بها واشنطن للرئيس السوري أحمد الشرع بدمج المليشيات الإسلامية المصنفة كمنظمات إرهابية في جيشه ومنحها وضعاً قانونياً. والأمر نفسه ينطبق على لبنان؛ حيث لا تطالب الإدارة بحل حزب الله ولا تعترض على استمراره كحركة سياسية، شريطة أن يلقي سلاحه، وكذلك في العراق؛ حيث تطالب الإدارة الحكومة بنزع سلاح المليشيات الشيعية الموالية لإيران مع وجودها كأطر سياسية.

في الأسبوع الماضي، بعد اللقاء بين ممثلي التنظيمات الفلسطينية ومسؤولين مصريين رفيعي المستوى وعدد من أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية في القاهرة، أصدرت التنظيمات بياناً مشتركاً غير مألوف في مضمونه. وجاء في البيان: “نتقدم بالشكر للرئيس ترامب ودول الوساطة مصر وقطر وتركيا، على جهودهم الحثيثة لدعم الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناته في قطاع غزة. كما تؤكد التنظيمات التزامها الكامل بمواصلة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والمراحل الأخرى بحسب خطة ترامب”.

المرة الأخيرة التي شكرت فيها حماس ترامب كانت في تشرين الأول بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. أما الآن فالشكر موجه للخطة بأكملها. لم يغب هذا الأمر عن بال الصحافي الفلسطيني – السوري البارز ماجد كيالي. ففي مقال لاذع نشره في موقع “درج”، لفت الانتباه إلى أن “بيان التنظيمات يشيد صراحة بجهود الرئيس ترامب، وكأن الإدارات الأمريكية، إدارة ترامب بالتحديد، أصبحت متعاطفة مع النضال الفلسطيني وليست شريكة لإسرائيل في حرب الإبادة في غزة”. هل هذه هي الطريقة التي تحاول فيها حماس شق طريقها نحو الشرعية السياسية على الأقل؟

أعلنت حماس وتعهدت بأنها ستنقل إدارة الشؤون المدنية الخاضعة لسيطرتها للجنة التكنوقراط بشكل منظم، مؤكدة أنها لن تكون جزءاً من الهيكل الإداري الجديد. لكن يبدو أنها بدأت بالفعل في تحديد هدفها التالي. لقد كان حوالي 11 ألف شرطي وموظف يعملون في قطاع غزة تحت حكم حماس. ظاهراً، سيأتي بدلاً منهم ضباط شرطة “جدد” تلقوا تدريبهم في مصر والأردن، ولكن يصعب تصور كيف ستتم هذه العملية دفعة واحدة. من بين العقبات المتوقعة، إيجاد حل لتوظيف رجال الشرطة والموظفين الذين سينتهي عملهم، ودفع رواتب تقاعدهم وضمان عدم تحولهم إلى عائق يعرقل سير عمل لجنة التكنوقراط بشكل عام ووزارة الداخلية بشكل خاص.

التقدير أن حكومة حماس في القطاع كانت توظف أكثر من 50 ألف موظف، من بيهم رجال شرطة، معلمون، رجال إطفاء، مهندسون، أطباء وعاملون اجتماعيون. وكان إلى جانبهم هناك آلاف آخرون من الموظفين الحكوميين الذين يحصلون على رواتبهم من السلطة الفلسطينية بدون شغل أي مناصب رسمية. في السابق، جرت محاولة لفحص مدى ملاءمة هؤلاء الموظفين التابعين للسلطة كموظفين حكوميين محتملين في حالة سماح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى قطاع غزة، ولكن تبين أن كثيرين منهم وصلوا إلى سن التقاعد، وأن عدداً غير قليل منهم غادروا غزة خلال هذه السنوات، مما أبقى عدداً قليلاً نسبياً من الموظفين الحكوميين الذين يمكن إعادة توظيفهم.

 “لن يكون أمام المجلس الإداري الجديد خيار، وسيكون من الضروري على الأقل في الأشهر القادمة إذا لم يكن خلال السنة أو السنتين القادمتين، توظيف من كانوا أعضاء في حماس أو على الأقل من كانوا يحصلون على رواتبهم من حكومة غزة”، قال مسؤول فلسطيني رفيع المستوى، وهو نفسه عضو في حركة فتح، ولا ينوي الانتقال إلى غزة. وقال مصدر فلسطيني آخر، حسب ما نشرته وسائل إعلام عربية، بأنه تم الاتفاق بين دول الوساطة وحماس على أن يستمر موظفو عدد من الوزارات الحكومية، بما في ذلك وزارة التربية والتعليم، ووزارة الصحة، بالإضافة إلى موظفي الشرطة المدنية والدفاع المدني (مثل طواقم الإطفاء) في العمل تحت إشراف لجنة التكنوقراط بعد اجتياز الفحوصات الأمنية. وحسب المصدر نفسه، سيتقاعد موظفو وزارات أخرى، لا سيما التي تتعلق بالأمن، خلال الستة أشهر القادمة. وتعتبر هذه الأجهزة المدنية التي تضم عشرات آلاف الموظفين هي البنية التحتية المطلوبة لتنفيذ المرحلة الثانية في خطة ترامب، وقد يشهد تشكيلها صراعاً سياسياً حاداً، إذ سيتم من خلالها نقل الأموال الضخمة لتمويل قطاع غزة على فرض أنه سيتم جمعها بالفعل. وربما تتطور “ساحة نفوذ” حماس الجديدة من خلال هذه الأجهزة. ويبقى مشكوكاً فيه إذا كانت إسرائيل، غير الشريكة في نشاطات المنظومة المدنية في مجلس السلام، ستتمكن من رصد وتصفية دخول حماس إلى هذا النظام المدني الجديد، ومحاولتها إنشاء مراكز نفوذ فيه، وتوجيه الأموال لصالحها من خلاله.

تسفي برئيل

 هآرتس 23/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب