
من الفراولة إلى المعبر: كيف تنقذ الحياة نفسها حين يحاصر كل شيء
مريم مشتاوي
في غزة، كانت الفراولة تشبه أهلها. حمراء، عنيدة، تنمو قرب الأرض وتعرف جيداً معنى الصبر. لم تكن مجرد محصول زراعي، كانت ذاكرة كاملة تزرع مع كل شتلة. إنها صباحات مبللة بالندى، أيد تعرف التراب كما تعرف خطوط كفوفها، وأحلام صغيرة تكبر بصمت. ثم جاء يوم صار فيه اللون الأحمر واحداً، لا يفرّق بين ثمرة ناضجة وبيت مهدم.
حين دمّرت المزرعة، لم يدمّر صاحبها. هذا ما لا يفهمه الاحتلال. الأرض قد تجرف، البيوت قد تمحى، أما الفكرة التي سكنت الروح، فهي لا تعرف القصف. لم ييأس. حمل تجربته كما يحمل الأب طفله الناجي من بين الركام، وخرج. لم يخرج هارباً، خرج حاملاً وعداً مؤجلاً.
وصل إلى سلطنة عمان، أرض تختلف في كل شيء. شمسها حارة، هواؤها رطب، وتربتها لا تشبه تراب غزة، الذي تعلّم الفراولة كيف تتنفس. في السابع من كانون الثاني/يناير 2025، تسلّم المكان. لا شيء كان هناك. لا ظل، لا ماء، لا حياة. مسطحات من الرمل، صمت ثقيل، ومساحة تسأل صاحبها: ماذا ستفعل بي؟
في تلك اللحظة، لم يكن يزرع فراولة فقط. كان يزرع ذاكرته. بدأ من الصفر، كما يبدأ المنفي دائماً. درس المناخ، عدّل طرق الري، راقب الشمس، فاوض الرطوبة، وتعلّم أن يجعل من القسوة حليفاً. العزيمة هنا لم تكن شعاراً، كانت أداة عمل. والإصرار لم يكن كلمة جميلة، كان نظام حياة. ومع الوقت، حدث ما يشبه المعجزة. الفراولة نجحت. نبتت الفراولة في عمان. نبتت رغم كل الاعتراضات العلمية، ورغم الشك، ورغم السؤال المستمر: كيف؟ وكأن الأرض حين تحب من يزرعها، تتواطأ معه. وكأن التجربة التي ولدت تحت الحصار، تعرف كيف تتكيف مع أي سماء.
في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، عادت الذاكرة لتفتح جرحها. في غزة، كل الأراضي راحت. المزرعة الأولى، الثانية، الحلم الأول، التعب كله. مناطق سميت بخطوط صفراء، كأن الألوان باتت تستخدم لمحو الحياة. الاحتلال لا يكتفي بالأرض، يريد الزمن أيضاً، غير أن الفراولة في عمان كانت شاهدة على أن الفكرة التي خرجت من غزة لم تمت. أن الخبرة التي صنعت تحت النار، تعرف طريقها إلى الضوء. وأن الإنسان حين يجبر على الرحيل، لا يرحل خالياً.
يأمل الغول أن يعود يوماً إلى غزة. يحلم بأن يستعيد أرضه، مزرعته، تلك المساحة الصغيرة التي كانت تقول له كل صباح إنه ينتمي إليها. يأمل أن يفتح المشروع من جديد، هناك، حيث بدأت الحكاية. ليس لأن عمان لم تكن كريمة، كانت كريمة وأكثر، وإنما لأن بعض الجذور لا تعترف بالبدائل.
هذه ليست قصة فراولة فقط. هذه قصة معرفة نجت من القصف، قصة خبرة عبرت الحدود، قصة مبدع عربي رفض أن يتحوّل إلى رقم في نشرات الأخبار. كم من القصص المشابهة تمر أمامنا من دون أن ننتبه؟ مهندس، طبيب، فنان، مزارع، حمل بلده في حقيبة صغيرة، وبدأ من جديد في مكان آخر.
النجاح هنا لا يقاس بعدد الصناديق المصدرة، ولا بحجم الأرباح. يقاس فقط بقدرة الإنسان على ألا يسمح للخسارة أن تكون هويته. يقاس بأن تثمر الفراولة في مناخ لا يشبهها، فقط لأن من زرعها يشبهها، عنيد، صبور، يعرف أن الحياة تنتزع انتزاعاً.
غزة اليوم بعيدة، محاصرة، مثقلة بكل ما لا يحتمل. ومع ذلك، في مكان ما من هذا العالم، تنمو فراولة تشبهها. تقول بصمتها الأحمر إننا ما زلنا هنا. ما زلنا نعرف كيف نزرع. ما زلنا نؤمن أن الأرض، مهما ابتعدت، تعرف أصحابها، وتنتظر عودتهم.
حين تصبح البوابة اسماً آخر للحياة
ماذا يعني فتح معبر رفح؟ هل سيفتح قبل أن يفقد الغزيون ما تبقّى؟
المعبر هنا ليس بوابة حدود، ولا خبراً عاجلاً في نشرة. هو لحظة مؤجلة من الحياة. هو يد تنتظر علاجاً كي تعود للكتابة، قلب يعلّق نبضه على قرار، أم يتآكل عمرها لأن اسمها لم يدرج في قائمة خروج. في غزة، المعبر ليس طريق سفر، هو احتمال النجاة الأخير.
أمجد لا يريد أن يغادر غزة ليبحث عن رفاه. يريد فقط أن تعالج يده. أن تعود اليمنى إلى وظيفتها البسيطة. أن تكتب. يقول: «إذا ما تعالجتش، مش رح أقدر أكتب». جملة قصيرة، تحمل داخلها معنى الفقد الكامل، فقد الجسد، وفقد الصوت، وفقد القدرة على ترك أثر.
آخرون لا يحلمون بأكثر من رؤية مكان لا ينهار. «نفسي أشوف غير الدمار». كأن الرؤية صارت ترفاً. كأن العين تعبت من الحطام، من الوجوه التي تشبه الغبار، من الأزقة التي لم تعد تعرف أسماءها. فتح المعبر، بالنسبة لهم، ليس خروجاً من غزة، إنما خروج من مشهد واحد يتكرر حتى فقد معناه.
امرأة تنتظر. لا تعرف منذ متى وهي تنتظر. تنتظر أن تفتح البوابة كي تعالج أمها. «ماما بتعاني»! أمها التي تعاني من القلب، والتي لم تستطع الخروج، رغم أنها مصرية. الجنسيات هنا تسقط، الأوراق تفقد قيمتها، ولا يبقى سوى الجسد حين يتعب.
حين أعلنوا أن المعبر سيفتح، لم يفرح الناس كما يجب. شيء ما انكسر في الفرح. لأن الفتح صار مشروطاً، مؤجلاً، محاطاً بتفتيش إضافي، بقوائم جديدة، بقيود لا تنتهي. حتى المساعدات، حتى الغذاء، حتى الكرافانات لمن افترشوا الشوارع، صارت خاضعة لمنطق آخر، منطق التحكم بالحياة نفسها.
«صار مالوش طعم». هكذا قالها أحدهم. حين تذوق كل شيء في الحرب، يصبح الفرح نفسه بلا نكهة، لأن الناس تعلّموا ألا يثقوا بالوعود.
ومع ذلك، لا يزال هناك من ينظر إلى المعبر كبوابة العودة إلى الحياة. شاب يقول إنه سيعود للمشي حين يتعالج في الخارج. كأن المشي فعل سياسي، كأن الوقوف على القدمين انتصار صغير في وجه هذا العطب الكبير. المعبر هنا ليس خروجاً، هو عودة. عودة إلى الجسد، إلى القدرة، إلى الإحساس بأن الإنسان ليس عبئاً على نفسه. غزة، رغم كل شيء، لا تتخلى عن لغتها. لغة الصبر. لغة «إن شاء الله».
كاتبة لبنانية




