الوضع الفلسطيني… إلى أين؟

الوضع الفلسطيني… إلى أين؟
قراءة سياسية–استراتيجية في المشهد الداخلي والتحولات الإقليمية والدولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يبقى السؤال عن “إلى أين يتجه الوضع الفلسطيني؟” من أكثر الأسئلة إلحاحًا في المشهدين العربي والدولي، ليس فقط لأنه يتعلق بحقوق شعبٍ رازحٍ تحت الاحتلال، بل لأنه بات مؤشرًا كاشفًا لخللٍ عميق في النظام الدولي، ولمدى التزامه بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. وفي ظل حربٍ مفتوحة على غزة، وتصعيدٍ متواصل في الضفة الغربية، وانقسامٍ فلسطيني مستمر، وصعود غير مسبوق لليمين الإسرائيلي المتطرف، تبدو القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق حاسم.
أولًا: الواقع الفلسطيني… احتلال متجذر وأزمة بنيوية
على الأرض، يتكرّس الاحتلال الإسرائيلي كواقع بنيوي لا كحالة مؤقتة. ففي الضفة الغربية، تتسارع وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتترافق مع عنف منظم للمستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، في محاولة واضحة لفرض وقائع نهائية تُجهز على أي إمكانية لدولة فلسطينية قابلة للحياة.
أما قطاع غزة، فيرزح تحت حصار خانق وعدوان متكرر دمّر البنية التحتية وأغرق المجتمع في أزمات إنسانية غير مسبوقة، في سياسة ترقى إلى العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني. وبين الضفة وغزة، يتعمّق الفصل الجغرافي والسياسي، بما يخدم استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تفكيك الوحدة الوطنية الفلسطينية.
ثانيًا: الانقسام الفلسطيني… عامل إضعاف داخلي
لا يمكن قراءة المشهد الفلسطيني دون التوقف عند الانقسام الداخلي، الذي تحوّل من خلاف سياسي إلى أزمة بنيوية أضعفت المؤسسات، وقيّدت القدرة على اتخاذ قرار وطني موحد، وأربكت التمثيل السياسي الفلسطيني إقليميًا ودوليًا. وقد شكّل هذا الانقسام ثغرة استغلها الاحتلال لتبرير سياساته، والتنصل من أي استحقاق سياسي، بحجة غياب “الشريك الفلسطيني”.
ثالثًا: التطرف الإسرائيلي وصناعة الفوضى
يشهد الكيان الإسرائيلي صعودًا غير مسبوق لتيارات يمينية ودينية متطرفة باتت تتحكم بمفاصل القرار السياسي والأمني. هذا التطرف لم يعد خطابًا انتخابيًا، بل تُرجم إلى سياسات عملية:
توسيع الاستيطان وشرعنته، تقويض القضاء الإسرائيلي نفسه، الدعوة العلنية لضم الضفة الغربية، والتعامل مع الفلسطينيين كـ“مشكلة أمنية” لا كأصحاب حقوق.
هذا النهج لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع المنطقة بأسرها على حافة انفجار دائم، ويقوّض أي أفق لتسوية سياسية عادلة.
رابعًا: المشهد الإقليمي والدولي… أولويات متغيرة وضغوط محدودة
إقليميًا، أعادت التحولات السياسية والأمنية ترتيب الأولويات لدى العديد من الدول، حيث طغت الحسابات الاقتصادية والأمنية على مركزية القضية الفلسطينية، دون أن ينعكس ذلك تحسنًا ملموسًا في حياة الفلسطينيين أو حماية حقوقهم.
دوليًا، ورغم تصاعد الخطاب الإنساني والانتقادات السياسية، لا يزال الضغط الفعلي على إسرائيل محدودًا، في ظل ازدواجية المعايير، واستخدام حق النقض (الفيتو)، وتراجع الالتزام العملي بإنفاذ القانون الدولي. ومع ذلك، فإن تنامي الحراك الشعبي العالمي، واتساع دائرة الاعتراف بالرواية الفلسطينية، يفتحان نافذة يمكن البناء عليها سياسيًا وقانونيًا.
خامسًا: إلى أين؟ السيناريوهات المحتملة
استمرار الوضع القائم: وهو السيناريو الأخطر، لأنه يرسّخ الاحتلال ويُعمّق المعاناة دون أفق سياسي.
تصعيد واسع ومفتوح: قد تفرضه الانتهاكات المتراكمة، ويعيد القضية إلى صدارة الاهتمام الدولي، لكن بكلفة إنسانية باهظة.
انفراج سياسي محدود: مرتبط بضغط دولي حقيقي أو تحولات إقليمية، لكنه يظل هشًا دون ضمانات ملزمة.
إعادة بناء البيت الفلسطيني: عبر إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وتجديد الشرعيات، وصياغة برنامج وطني جامع، وهو المسار الأصعب لكنه الأكثر جدوى على المدى الاستراتيجي.
خاتمة
إن السؤال “إلى أين يتجه الوضع الفلسطيني؟” لا تُجيب عنه التطورات الميدانية وحدها، بل تحسمه قدرة الفلسطينيين على استعادة وحدتهم، وبناء مشروع وطني واقعي يستند إلى القانون الدولي، ويستثمر التحولات الإقليمية والدولية، ويواجه التطرف الإسرائيلي بخطاب سياسي وقانوني منظم.
فالقضية الفلسطينية ستبقى قضية حرية وحقوق وعدالة، ولن تنجح محاولات تهميشها أو تصفيتها، ما دام الشعب الفلسطيني متمسكًا بحقه، وقادرًا على تحويل معاناته إلى قوة سياسية فاعلة على الساحة الدولية.


