تعاون عسكري واستخباراتي متنامٍ | إيران – الصين: نحو إغلاق «صندوق باندورا»

تعاون عسكري واستخباراتي متنامٍ | إيران – الصين: نحو إغلاق «صندوق باندورا»
تحذّر تقييمات غربية من أن حرب الـ12 يوماً سرّعت تعميق الشراكة الإيرانية – الصينية، مع مخاوف من دور بكين في تحصين طهران تقنياً وعسكرياً.
منذ العملية العسكرية الأخيرة التي شنّتها تل أبيب بالتعاون مع واشنطن ضدّ طهران، دأبت بكين، على الصعيد الدبلوماسي، على تأكيد معارضتها «استخدام القوة أو التهديد في العلاقات الدولية»، و«التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى»، آملةً في أن «تتمكن الحكومة والشعب الإيراني من التغلب على الصعوبات الحالية والحفاظ على الاستقرار الوطني». على أنه طبقاً لجملة من التقارير الغربية التي صدرت أخيراً، يبدو أن «التضامن» الصيني لم يقتصر على التعليقات الدبلوماسية.
إذ بحسب تقرير أصدرته مؤسسة «Modern Diplomacy» البحثية، ومقرّها اليونان، كانت الصين تراقب «عن كثب» مدى تغلغل المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في إيران، خاصة بعد أحداث عام 2025 والضربات الإسرائيلية في عمق البلاد، والتي كشفت «عن ثغرات أمنية واسعة النطاق». وعلى ما يبدو، يرى صنّاع السياسة في بكين أن تلك الهجمات «فتحت صندوق باندورا للمخاطر الأمنية العالمية»، لا سيما في ما يتعلق بزرع العملاء وتعطيل أنظمة الدفاع الجوي والرادار، والتي تعكس نمطاً جديداً من الحرب الاستخباراتية التي تتطلّب «المزيد من اليقظة»، وتعزيز تدابير الأمن القومي في الداخل الإيراني والصيني أيضاً.
وفي محاولة لـ«التحوط» من أي خرق إسرائيلي مستقبلي، «كثّفت بكين تعاونها مع طهران في المجال التقني، بهدف الكشف عن عمليات التسلّل الإسرائيلية داخل البلاد». ويستشهد معدّو المقال بتقارير صدرت في تموز 2025، تشير إلى وجود «تعاون إيراني مع الصين وروسيا للتحقيق في كيفية تمكّن إسرائيل من اختراق قاعدة البيانات الرسمية والبرمجيات الحكومية الإيرانية، بما فيها بيانات السجل المدني وجوازات السفر»، وذلك بغرض «سدّ الثغرات التقنية التي استغلها (الموساد) للوصول إلى أهداف عسكرية ونووية إيرانية حساسة». ويشمل الدعم الصيني، أيضاً، تعزيز قدرات إيران الدفاعية والاستخباراتية؛ إذ تعمل بكين على تعزيز قدرة طهران على مواجهة مثل هذه الاختراقات عبر تزويدها بأقمار صناعية للمراقبة، فيما تسعى إيران إلى الحصول على تقنيات متطورة من شركات صينية رائدة – من مثل شركة «تشانغ غوانغ» (Chang Guang) -، بغية تطوير قدراتها في مجال المراقبة عن بعد وجمع المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنها من تتبّع التحركات الإسرائيلية بدقة أكبر. كذلك، بدا لافتاً إعلان طهران عن خطط للانتقال الكامل إلى نظام الملاحة الصيني المعروف باسم «BeiDou» – كبديل لأنظمة تحديد المواقع الأميركية والغربية -، في ما يرمي إلى تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية، التي قد تكون عرضة للقرصنة أو التعطيل. وبالإضافة إلى الجهود العسكرية الصينية لتعزيز قدرات الردع الإيرانية، كشفت تقارير مسرّبة عن اتفاق صيني لمساعدة إيران في إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وتزويدها بمكونات الوقود الصلب وأنظمة التوجيه.
ترى بكين أن الهجمات الأخيرة ضدّ طهران فتحت «صندوق باندورا للمخاطر الأمنية العالمية»
النفط مقابل الأسلحة؟
نشرت «Dryad Global»، وهي شركة استخبارات مخاطر مقرّها لندن، متخصصة في تقديم تحليل فوري للمخاطر التي تواجه السفن التجارية، أخيراً، تقريراً غير مسبوق، جاء فيه أن صادرات النفط الإيرانية تُستخدم في تمويل «عمليات نقل (إتش كيو-9)، وهي منظومة دفاع جوي أرض – جو متوسط إلى طويل المدى صينية الصنع، تعمل بالتوجيه الراداري النشط»، وقادرة على منح إيران قدرة عالية ضدّ الطائرات الشبح والأسلحة الدقيقة التي غالباً ما تستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة.
ويشير التقرير، الذي يحمل عنوان «حلقة تجارة النفط مقابل الأسلحة بين الصين – إيران: الكيانات والعقوبات والتداعيات على الحرب بالوكالة»، إلى أن طهران تقايض «جزءاً كبيراً من صادراتها من النفط الخام بمعدات عسكرية صينية متقدمة، بما في ذلك (HQ-9)، وتقنيات توجيه الصواريخ، ومكونات الطائرات المسيرة، ومدخلات الوقود الصلب».
وبحسب النتائج التي خلصت إليها شركة «درياد غلوبال»، فإن «آلية النفط مقابل الأسلحة» تخلق دورة اقتصادية دائمة، تعزّز بموجبها الشحنات البحرية «غير المشروعة»، ونقل الأسلحة، وتمويل الحرب بالوكالة، بعضها بعضاً، مما يجعل هذه «الشبكة قادرة على مقاومة الضغوط الدبلوماسية أو القائمة على العقوبات»؛ كما أنها تعزّز «عزيمة طهران الجيوسياسية، عبر توفير شريان حياة بديل يضعف القوة القسرية للأدوات الاقتصادية الغربية التقليدية».
وطبقاً للمصدر نفسه، فإن المفاوضات بين «الحرس الثوري الإسلامي» وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية من جهة، وبعض الكيانات الصينية من جهة أخرى، التي جرت في تشرين الأول 2025، ربطت بشكل صريح شحنات النفط الخام بإمدادات الأسلحة، والتي تعززت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي – الأميركي المشترك على طهران، لا سيما مع تأخر روسيا في تسليم إيران أنظمة «إس-400» وغيرها من التقنيات الرئيسية.
وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة «بروكينغز»، فرغم أن «الجمهورية الشعبية» تسعى إلى الموازنة بين «تعاونها الأمني مع إيران»، وبين علاقاتها مع دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة، ولم تقدّم أي ضمانات أمنية لطهران، إلا أنها «أرسلت أنظمة دفاع جوي، وصواريخ مضادة للسفن، ومكونات صواريخ باليستية، ومواد ذات استخدام مزدوج، بما في ذلك المواد الأولية لدعم أنظمة الدفع والتوجيه الصاروخية الإيرانية»، جنباً إلى جنب تقديم المساعدة الفنية والتدريب لإيران. وفي المقابل، توفّر الأخيرة للصين إمدادات طاقة منخفضة للغاية، ومواءمة دبلوماسية، وإمكانية الوصول إلى البنية التحتية، وفرصاً لتوسيع التنسيق البحري، بما يشمل الخليج أيضاً.
إلى ذلك، ذكر «معهد دراسة الحرب»، في الـ29 من الجاري، أن بحرية «الحرس الثوري» ستجري تدريبات مشتركة مع روسيا والصين في بحر عمان والمحيط الهندي يومي 1 و2 شباط. وفي حين تعدّ هذه التدريبات «روتينية»، إلا أنها تحمل، طبقاً لمراقبين، طابعاً «استثنائياً»، خصوصاً في خضمّ اقتراب «الاحتكاك» العسكري المحتمل بين واشنطن وطهران.
وبمعزل عن حجم التعاون العسكري والاستخباراتي، يؤكد الكاتب وعضو مجلس الإدارة في «الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط»، رونغ هوان، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الصين ستبذل أقصى جهودها الدبلوماسية والاقتصادية لمنع مثل هذه الحروب، وفي حال وقعت، فإنها ملتزمة بتأدية دور الوساطة لاحتواء الخسائر بالحد الأدنى». ويشير إلى أن «الحرب والفوضى في المنطقة لا تصبّ في مصلحة أي أحد، بما في ذلك الولايات المتحدة. ورأينا ما سبّبه الغزو الأميركي للعراق».



