كتب

العالم يرى في إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وزارة قمع لا تختلف عما لدى الأنظمة المستبدة

العالم يرى في إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وزارة قمع لا تختلف عما لدى الأنظمة المستبدة

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا أعده إيشان ثارور أشار فيه إلى رؤية العالم لتصرفات عناصر وكالة الهجرة والجمارك (أي سي إي) وقمعها للمواطنين الأمريكيين. وقال إن ردود الفعل الغاضبة في الولايات المتحدة على حملة الرئيس دونالد ترامب المناهضة للهجرة بلغت ذروتها. وفشلت حزمة تمويل رئيسية في مجلس الشيوخ في اجتياز التصويت الإجرائي يوم الخميس، وسط محاولات من الديمقراطيين لكبح جماح نشر ترامب قوات عناصر الهجرة الفدرالية في شوارع المدن الأمريكية. كما أثارت حادثتا قتل أمريكيين اثنين كانا يراقبان أنشطة عملاء فدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا هذا الشهر موجة غضب أجبرت البيت الأبيض على إعادة النظر في حملته للترحيل الجماعي.

وفي خارج الولايات المتحدة، تركت الفوضى التي ينظر إليها على أنها ناجمة عن العملاء الفدراليين بصمتها أيضا. ففي هذا الأسبوع، انتقد جوزيبي سالا، عمدة ميلانو، وصول عملاء إدارة الهجرة والجمارك المتوقع كجزء من الانتشار الروتيني للأفراد الأمريكيين في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في إيطاليا. وقال سالا في تصريحات لمراسلي صحيفة “واشنطن بوست”، في إشارة إلى الأحداث الأخيرة في مينيابوليس: “أنا متأكد من أن سكان ميلانو غير راضين عن وجود هذا النوع من الميليشيات هنا، التي تقتل الناس في الولايات المتحدة، وتدخل المنازل دون إذن”. وسأل الحكومة الإيطالية: “هل من الممكن أن تقولوا ‘لا’ مرة واحدة للسيد ترامب؟ مرة واحدة فقط! بكل بساطة”.

انتقد جوزيبي سالا، عمدة ميلانو، وصول عملاء إدارة الهجرة والجمارك المتوقع كجزء من الانتشار الروتيني للأفراد الأمريكيين في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في إيطاليا

وقدمت وزارة الخارجية الإكوادورية، يوم الثلاثاء، احتجاجا رسميا إلى الولايات المتحدة على خلفية محاولة أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية دخول قنصلية الإكوادور في مينيابوليس دون إذن، في انتهاك لمبادئ السيادة التي تكفلها اتفاقية فيينا للبعثات والسفارات الأجنبية. وقد برز هذا الاستنكار بشكل لافت للنظر نظرا للعلاقات الوثيقة بين الرئيس الإكوادوري اليميني دانيال نوبوا وإدارة ترامب.

وفي غضون ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الألمانية تحذيرا من السفر إلى بعض مناطق الولايات المتحدة. وجاء في التحذير: “في مينيابوليس ومدن أخرى، قد تؤدي المظاهرات أحيانا إلى اشتباكات عنيفة مع سلطات الهجرة والأمن”، ناصحة الألمان بـ”توخي الحذر والابتعاد عن التجمعات التي قد تشهد أعمال عنف”.

وفي فرنسا، تمارس السلطات ضغوطا على شركة التكنولوجيا الفرنسية “كابجيميني” لنشر معلومات حول تعاملات فرعها الأمريكي مع إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، وسط غضب شعبي عارم.

وقال وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، للبرلمان الفرنسي مساء الثلاثاء: “أحث شركة كابجيميني على توضيح أنشطتها وسياستها، وبشفافية تامة، ولا شك في ضرورة التساؤل عن طبيعة هذه الأنشطة”.

ويقول ثارور إن إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ووكالات أخرى تابعة لوزارة الأمن الداخلي حصلت على زيادات هائلة في التمويل من إدارة ترامب. فميزانية إدارة الهجرة والجمارك الحالية وحدها تفوق النفقات العسكرية السنوية لمعظم جيوش أوروبا.

ويرى المحللون في حملات التجنيد الواسعة النطاق التي تشنها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وإنفاقها الباذخ على مجموعة من التقنيات المتطورة توسعا لقوة “شبه عسكرية” جديدة أكثر انسجاما مع النظام السياسي في واشنطن، مما ينذر بعواقب وخيمة على سيادة القانون في الولايات المتحدة.

حملات التجنيد الواسعة التي تشنها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وإنفاقها الكبير على مجموعة من التقنيات المتطورة يعني أن “الإدارة الحالية حولت إدارة الهجرة والجمارك إلى قوة تسيطر على الشوارع”

وكتبت صحيفة “البايس” الإسبانية في افتتاحية لها قائلة إن حملات التجنيد الواسعة التي تشنها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وإنفاقها الكبير على مجموعة من التقنيات المتطورة يعني أن “الإدارة الحالية حولت إدارة الهجرة والجمارك إلى قوة تسيطر على الشوارع”، مضيفة: “لا أحد يعلم إلى أي مدى قد يتصاعد التوتر في بلد يمتلك فيه الأفراد مئات الملايين من الأسلحة النارية التي تتجاوز الانتماءات الأيديولوجية. ويجب ألا يكون الأمن العام أداة تسويقية في يد ترامب. وفي مينيابوليس، انشق طريق مشؤوم للديمقراطية الأمريكية”.

وأشارت إريكا دي بروين، عالمة السياسة التي تدرس العلاقات المدنية العسكرية حول العالم، إلى أن “مجموعة واسعة من الأبحاث تظهر أن أشكال عمل الشرطة الأكثر عسكرة ترتبط بمعدلات أعلى من عنف قوات الأمن وانتهاكات الحقوق، دون خفض معدلات الجريمة أو تحسين سلامة الضباط”. ولفتت الانتباه إلى أوجه الشبه بين “قوات الهجرة الفدرالية في الولايات المتحدة والجماعات شبه العسكرية غير الرسمية في دول أخرى، حيث تعمل هذه القوات دون رقابة كبيرة وتعتمد على مجندين أقل كفاءة وتتسم بهوية حزبية متجذرة بشكل متزايد”.

وذكر الكاتب غلاف مجلة “إيكونوميست” البريطانية في عددها الأخير “امتحان أي سي إي” أو وكالة إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، وما ورد في افتتاحيتها التي حددت فيها ثلاث “علامات تحذيرية” تدل على انزلاق الدول نحو “النزعة شبه العسكرية”: “أولها لجوء الحكومات إلى القوة المسلحة كخيار أول، بدلا من اللجوء إليها كحل أخير. وثانيها توقف آليات الضبط الداخلية عن العمل بشكل صحيح”، كما ذكرت المجلة البريطانية. “أما العلامة التحذيرية الأخيرة فهي عندما تعامل القوات التي تبحث عن المجرمين المدنيين المحليين ‘كشبكات دعم للعدو’، ربما لأن السياسيين المستقطبين يصفونهم بذلك”.

ويرفض مسؤولو إدارة ترامب الانتقادات الموجهة إلى أفعالهم، ويصفون أوصاف المشرعين الديمقراطيين والناشطين لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بأنها “غستابو” العصر الحديث التي تعرض ضباط الحكومة الفدرالية الأمريكية للخطر.

ويعلق ثارور أن التطورات في أمريكا تبدو مألوفة من منظور خارجي.

يرفض مسؤولو إدارة ترامب الانتقادات الموجهة إلى أفعالهم، ويصفون أوصاف المشرعين الديمقراطيين والناشطين لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بأنها “غستابو” العصر الحديث

ونقل الكاتب هنا عن رجل أعمال عربي تحدث إليه على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، الأسبوع الماضي: “لديكم وزارة داخلية خاصة بكم”. وكان يشير إلى أجهزة الشرطة ذات النفوذ الواسع الموجودة في دول أخرى، لا سيما الأنظمة المستبدة، حيث يعتمد القادة المستبدون على قوات أمنية منفصلة عن الجيش لترسيخ سيطرتهم وقمع المعارضة. وخلال ثورات الربيع العربي قبل أكثر من عقد من الزمان، على سبيل المثال، كانت وزارة الداخلية سيئة السمعة في عهد الديكتاتور المصري حسني مبارك محور الغضب الشعبي.

ويقول ثارور إنه لم يكن لدى المؤسسين الأمريكيين اهتمام يذكر بإنشاء سلطة مماثلة فيما كان ينظر إليه في البداية على أنه اتحاد فضفاض للمستعمرات السابقة. ولكن هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 كانت الدافع وراء إنشاء وزارة الأمن الداخلي، ولاحقا إدارة الهجرة والجمارك، التي تعد من أحدث القوات شبه العسكرية التي ظهرت في ديمقراطية غربية حديثة. وكتب ستيفن كاش، المسؤول السابق في الأمن القومي الذي عمل في وكالة المخابرات المركزية ووزارة الأمن الداخلي: “أصبحت وزارة الأمن الداخلي، في الواقع، أداة في يد ديكتاتور، ألا وهي وزارة الداخلية”.

وأضاف: “أعيد تشكيل عناصر إنفاذ القانون التابعة لها، والتي كانت واسعة الانتشار، لتصبح قوة شبه عسكرية: مسلحة تسليحا ثقيلا، برقابة قليلة ومعزولة بشكل متزايد عن أي رقابة فعالة”. وتابع: “تحول إنفاذ قوانين الهجرة، على وجه الخصوص، من وظيفة تنظيمية وتحقيقية إلى جهاز أمن داخلي يعمل في المجتمعات الأمريكية، ويتخذ منحى أقرب إلى أجهزة الأمن الداخلي في الخارج منه إلى إنفاذ القانون المدني”.

 – “القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب