بين الجفاف وإسرائيل: هل يُنقذ وهم «التحلية» سوريا من العطش؟

بين الجفاف وإسرائيل: هل يُنقذ وهم «التحلية» سوريا من العطش؟
الضغوط المتزايدة على مصادر مياه الشرب والقطاع الزراعي، تعني خسارة الكثير من المياه سواء في الشمال السوري بسبب تحكم تركيا ببعض المنابع، وفي الجنوب بسبب السيطرة الإسرائيلية على جميع السدود والمجاري المائية التي كانت تروي الأراضي في تلك المنطقة.
أطلقت الحكومة السورية مبادرة واسعة لما وصفته بـ«تعزيز الأمن المائي»، من خلال إبرام اتفاقيات مع شركات عالمية متخصصة لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر وربطها بالمحافظات الجنوبية، ويأتي هذا التوجه في ظل الانخفاض الملحوظ في معدلات الهطل المطري خلال الأعوام الماضية، بالإضافة إلى ضغوط متزايدة على مصادر مياه الشرب والقطاع الزراعي خاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي في جنوب سوريا وتحكمه في أهم السدود ومصادر المياه.
وعن المبادرة، قالت وزارة الطاقة السورية إنّ الاتفاق الموقّع مع شركة «أكوا باور» السعودية ينص على إنشاء محطة لتحلية مياه البحر لضمان إيصال المياه العذبة من الساحل إلى جنوب البلاد، مشيرةً إلى أن هذه المشاريع تندرج ضمن مساعي الدولة لتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز التعاون الدولي في القطاعات الحيوية.
أثارت المبادرة انتقادات واسعة لأن المعطيات الواقعية من ناحية الكلفة الاقتصادية على وجه الخصوص لا تشير على الإطلاق بأن مثل هذه المشاريع تستطيع سوريا الجديدة «المنهكة» الشروع بتنفيذها بسلاسة، كما تشير التقارير الحكومية الرسمية.
مستلزمات المشروع «الضخمة»
لتنفيذ مبادرة لتحلية المياه من الساحل السوري وربطها بالجنوب لتغذيته مائياً لا تحتاج فقط إلى محطات تحلية، خط ضخ طويل، وأنابيب ضخمة، ومحطات ضخ متدرجة، إضافة إلى خزانات أو بحيرات تخزين في المنتصف لضبط الضغط وضمان الاستمرارية، وهذا كله يرجع إلى فروقات الارتفاع بين دمشق التي تقع على ارتقاع 700 متر تقريباً، والساحل الذي من المفترض أن تجر المياه منه، وهو في مستوى الصفر من الارتفاع، ذلك وفق الخبير في مجال التنمية المستدامة، عهد الهندي.
الهندي الذي عمل على مشاريع مائية في شمال شرق سوريا قال لـ«الأخبار»، إنّ «الكلفة التأسيسية للمشروع قد تصلح إلى نحو 4 مليارات دولار – هذا في حال تم رسم مسار قصير لتنخفض الكلفة – بينما يحتاج التشغيل إلى مئات الميغاواطات بشكل دائم لضخ المياه يومياً».
وتفصيلياً شرح الهندي أنّه من الساحل إلى حمص هناك مسافة تقارب 160 كم وصعود يقارب 500 متر، ومن حمص إلى دمشق حوالى 140 كم مع ارتفاع إضافي يقارب 200 متر، أما من دمشق إلى درعا فالمسافة تقارب 95 كم، ورغم أن المسار ينخفض بنحو 150 متراً، إلا أن فاقد الاحتكاك والضغط يعني أن الضخ ليس مجانياً.
واستطرد بالقول إنّ «ما تم توقيعه مذكرة تفاهم مع شركة سعودية، وبالتأكيد هذه الشركة سترسل فريقاً من مختصيها لدراسة جدوى هذا المشروع، وستجد أنّه مكلف للغاية بسبب التضاريس بالدرجة الأولى، حيث أنّ هناك ارتفاعات في الطريق ما بين الساحل والجنوب قد تصل إلى ما يقارب الـ1000 متر، وهذا ما سيجعل إمكانية مد الخطوط اللازمة في غاية الصعوبة».
وأشار الهندي إلى أنّ مشاريع كهذه تحتاج إلى طاقة كهربائية هائلة، ومحطات تعمل على مدار 24 ساعة، متسائلاً: «هل تمتلك سوريا التي لا تصل الكهرباء إلى منازل مواطنيها إلا ساعات قليلة خلال اليوم الواحد أن توفر لمثل هذا المشروع مستلزمات التشغيل؟».
ولفت إلى أنّ هذه المشاريع تنفذها دول نفطية غنية مثل السعودية والإمارات، ومع ذلك تدفع عليها مليارات لأنها تمتلك الطاقة والتمويل والبنية التحتية والإدارة والصيانة والأمان على طول الخط. وحتى هذه الدول غالباً لا تواجه تضاريس قاسية كالتي تفصل الساحل السوري عن الداخل.
وعن خلفية هذه المبادرة، أكد الهندي أنّ الفكرة ليست جديدة كلياً بل طُرحت في عهد الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، لكن فريق من المختصين والاقتصاديين آنذاك أجرى دراسة طبوغرافية للمشروع وكلفته، ليتم طي صفحة هذا المشروع، مع العلم أنّ سوريا في تلك الحقبة كانت تمتلك – إلى حد ما – كهرباء كافية للتفكير في إنشاء مثل هذا المشروع، بعكس الظروف السيئة التي تعيشها سوريا اليوم على جميع الأصعدة.
الأمن المائي السوري «في يد إسرائيل»
عن أسباب مثل هذه المبادرات تحدثت وزارة الطاقة السورية عن سبب رئيسي وهو قلة الهطولات المطرية وبالتالي الجفاف كنتيجة، لكن هناك سبب آخر يهدد الأمن المائي السوري وهو التحكم الخارجي بمصادر المياه داخل الأراضي السورية.
هذه الضغوط المتزايدة على مصادر مياه الشرب والقطاع الزراعي، تعني خسارة الكثير من المياه سواء في الشمال السوري بسبب تحكم تركيا ببعض المنابع، وفي الجنوب بسبب سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على جميع السدود والمجاري المائية التي كانت تروي أراضي القنيطرة ودرعا والسويداء وأجزاء كبرى من ريف دمشق.
حتى الآن تسيطر إسرائيل عسكرياً على السدود الضخمة، ولم تحجز بعد مياه جبل الشيخ بالكامل، لكنها ورقة رابحة في يدها، وتستطيع التحكم بها في أي وقتٍ عبر حرمان أهالي الجنوب السوري من المياه، وذلك وفق الصحافي السوري جعفر علي، الناشط في ملف الجنوب السوري.
أضاف جعفر لـ«الأخبار» أنّ دوريات الاحتلال تتواجد في محيط السدود والينابيع، وتتحكم بالأهالي والمزارعين وحصصهم من المياه «حسب مزاج قواتها»، مشيراً إلى أنّ أهم السدود التي تتحرك إسرائيل في محيطها بحرية، هو سد الوحدة الضخم الذي سينعكس تحكم إسرائيل بمياهه بشكل قطعي على سوريا وشمال الأردن، بالإضافة إلى سد المنطرة، وسد الرويحينة، وحوض جبل الشيخ الذي يروي الجهة الغربية من دمشق، وريف دمشق الجنوبي والجنوب الغربي.
ولفت جعفر إلى أنّ «إسرائيل ترسل كشافين مدنيين بعد كل فترة هطولات مطرية لمراقبة المخزونات في الجنوب السوري، في خطوة من شأنها مراقبة مناسيب المياه في سوريا وربما إجراء خطط لاستجرارها مستقبلاً نحو الأراضي المحتلة».
وتعليقاً على خطة تحلية مياه البحر، أشار ميّا إلى أنّ «المخاوف تتركز على أن يتم سحب مياه ينابيع الساحل مثل السن والقدموس على سبيل المثال، نحو دمشق والجنوب السوري»، خاصةً إذا ما تمت دراسة مشروع التحلية، واكتشفت الشركات الموقعة على مذكرة التفاهم أنّه مشروع «صعب ومكلف».




