عضو لجنة صياغة الدستور بسام الصالحي: المسودة تحتاج تعديلات والاستفتاء ضمانها

عضو لجنة صياغة الدستور بسام الصالحي: المسودة تحتاج تعديلات والاستفتاء ضمانها
حوار سعيد أبو معلا
رام الله – : أمام زيادة النقاش والجدل حول بنود مسودة الدستور الفلسطيني المؤقت التي أعلن عنها للرأي العام بهدف تقديم ملاحظات وطلبات إضافة أو تعديل، حاورت «القدس العربي» السياسي الفلسطيني بسام الصالحي، وهو عضو لجنة صياغة الدستور وكذلك الأمين العام لـ»حزب الشعب الفلسطيني» وعضو اللجنة التنفيذية لـ»منظمة التحرير الفلسطينية»، حول مجمل الملاحظات العامة على نسخة الدستور المؤقت.
وفي هذا الحوار يرى الصالحي أن مسودة الدستور تطرح فرصة أن يكون ساحة لبناء توافقات وطنية أوسع، ولحوار ديمقراطي كبير، وهو يؤكد أن حزبه قدم مجموعة من التحفظات على عدد من القضايا التي تضمنها. ويرى الصالحي أن الجميع اليوم أمام اختبار جدي للعملية التي تتبع عملية نشر مسودته، قائلا إنه مسار «سيكون عنصر حاسم في نجاحه من عدمها»، وفيما يلي نص الحوار:
– هناك ملاحظات جزء كبير منها يأتي من باب إنجاح الدستور، وهي في جوهرها تتعلق بطريقة تأسيس اللجنة التي صاغت القانون حيث تم النظر إليها على أنها لجنة تخالف الكثير مما تم التوافق عليه عالميا في تأسيس قوانين دستورية… كيف تنظر إلى ذلك؟
فيما يتعلق بالمرجعيات وتشكيل لجنة الدستور، نحن في «حزب الشعب الفلسطيني» كنا من البداية نقول إنه يجب أن يكون هناك مجلس تأسيسي لدولة فلسطين، يقوم هو بصياغة الدستور، وبالتالي، حيث يسمح تشكيل المجلس التأسيسي بقاعدة واسعة تغطي القوى السياسية جميعا وتغطي قوى مجتمعية وقانونية، هذا الموقف طرحناه منذ مدة طويلة جدا، وحتى عندما كان المجلس التشريعي لا يزال قائما، اقترحنا في حينه أن يكون هذا المجلس التأسيسي يضم أعضاء المجلسين المركزي والتشريعي.
لكن، هذا لا يغير أن في نهاية المطاف، قضية الدستور هي قضية تأتي في إطار الصراع السياسي مع الاحتلال على موضوع الدولة الفلسطينية، وهي بشكل أو بآخر ترتبط بوضع إطار للنظام السياسي الفلسطيني، استنادا إلى الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، وإلى كون هذه الدولة باتت لها مكانة سياسية وقانونية في الأمم المتحدة، وبالتالي، يتم إعادة بناء النظام السياسي على أساس ذلك، هذا يعني أن الدستور بشكل أو بآخر يصبح أساس لقضيتين:
أولا: للحوار الوطني الفلسطيني الذي يصبح مضمون الحوار في موضوع النظام السياسي، مستندا إلى النقاشات حول الدستور، وبالتالي، هناك مجال لتعويض أي نقص أو أي ضعف في موضوع تشكيل اللجنة، من خلال النقاش الواسع الذي يجب أن يدار بما في ذلك مع القوى السياسية جميعا، بحيث يصبح الحوار والتوافق الوطني على أساس قضايا ملموسة يتضمنها هذا الدستور، وبالتالي يتم تجنيب الحوار المواضيع العامة فيما يتعلق بالنظام السياسي.
ثانيا: الذهاب للاستفتاء على هذا الدستور لدولة فلسطين، بما في ذلك في قطاع غزة، يعني أن هناك وحدة واحدة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وأن هناك ولاية واحدة لدولة فلسطين في الضفة والقطاع، وبالتالي، يصبح الدستور هو جزء أيضا من المعركة السياسية ضد الاحتلال، وليس مجرد عملية داخلية.
نحن في «حزب الشعب الفلسطيني» ننظر إلى الموضوع من هذه الزاوية وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن الدستور على صيغته التي عرضت فيها هو لا يحتاج إلى ملاحظات أو تعديلات، علما أننا أيضا في إطار لجنة الدستور كان لدينا تحفظات وقدمت هذه التحفظات على عدد من القضايا التي تضمنها الدستور، وبالتالي، الدستور بشكل أو بآخر سيكون ساحة لبناء توافقات وطنية أوسع، ولحوار ديمقراطي واسع، ويعتمد الأمر بطبيعة الحال على مدى إعطاء هذه العملية والانخراط فيها من الجميع الأهمية التي تستحقها.
المرجعية
– هناك ملاحظات على المسودة تتمثل جلّها حول المرجعيات (مرجعيات الدولة الفلسطينية)، كيف تنظر لتلك الملاحظات ولا سيما وأنها من قانونيين ودستوريين؟
المرجعية التي استند إليها الدستور هي وثيقة الاستقلال بشكل أساسي، واستعان بالقانون الأساسي الذي كان ناظما لعمل السلطة الفلسطينية، وأيضا استند إلى مقارنة مع مشاريع الدساتير التي سبق وتم إعدادها من لجان شكلها المجلس الوطني الفلسطيني.
بالتالي المرجعية الأهم للدستور هي وثيقة الاستقلال باعتبارها وثيقة فوق دستورية، وبالتالي هي الأساس، وضُّمن هذا في الصيغة الواضحة للدستور أن الدستور وكل مواده ووثيقة الاستقلال، بالإضافة إلى ديباجة الدستور، جميعها تُقرأ كوحدة واحدة. الآن المرجعية السياسية لدولة فلسطين تستند لإعلان الاستقلال وتستند إلى قرارات الأمم المتحدة التي بدأت مبدأها الأساسي في القرار 181 الذي تضمن الحديث عن الدولة العبرية والدولة الفلسطينية، ثم القرار 1967 لعام 2012 الذي اعترف بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة ووضع حدودها في إطار عام 67 وعاصمتها القدس.
-بعض الأصوات تقول إن مسودة الدستور تم تفصيلها لتناسب حالة سياسية معينة، وهو أمر لا يستقيم مع دستور الدول الذي يفترض أن يكون جامعا مانعا؟
لا أعتقد أن موضوع الدستور تم تفصيله بالمعنى الذي يذهب إليه البعض. نحن نعمل حتى الآن في إطار صيغة القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، الدستور من الناحية الفعلية لا يشكل هبوطا بسقف القانون الأساسي، بل بالعكس في بعض الجوانب، هو يمثل صيغة أفضل مما ورد في القانون الأساسي. وفي بعض الصياغات ربما كان هناك بالإمكان أيضا معالجتها في إطار أفضل فيما يتعلق بالقانون الأساسي. وبالتالي، لا يعتمد الموضوع على المقارنة، لا نقارن مع القانون الأساسي، فهو ليس أقل من القانون الأساسي، إذا كنا نقارن مع مقترحات أفضل للدستور، فهذه مسألة واردة، علما أن الدستور لا يزال يعالج المسألة الرئيسية التي أريد له أن يعالجها، وهي المسعى للانتقال من الإطار القانوني للسلطة الفلسطينية للإطار القانوني والسياسي لدولة فلسطين، وبالتالي الحكم على الدستور هو من خلال هذا الأساس، بمعنى هل أنه وفر الإطار القانوني لعملية الانتقال القانوني والمرجعي من القانون الأساسي أو من السلطة الفلسطينية إلى دولة فلسطين التي لا تزال تحت الاحتلال، وأن يربط ذلك أيضا في استمرار نضال هذه الدولة من أجل التحرر والاستقلال.
وأستطيع أن أشير هنا إلى أهمية خاصة، أن الدستور تضمن بنص واضح ليس فقط أن «منظمة التحرير الفلسطينية» هي الممثل الشرعي وأنها المرجعية الأساسية للشعب الفلسطيني، ولكن كذلك أن استقلال دولة فلسطين وتحررها هو الهدف الأساسي، ثم أنه أضاف بشكل واضح أن ملاحقة مجرمي الحرب وتأمين العدالة للضحايا، هو التزام واضح من دولة فلسطين ومن المؤسسات الدولية التي تعمل معها دولة فلسطين. وبالتالي أعتقد أن الدستور في مضمونه السياسي تجاوز المحطة القادمة حاليا من حيث السلطة الفلسطينية كإطار قانوني وسياسي، وإن يكن لم يتجاوز حقيقة أن دولة فلسطين لا تزال تحت الاحتلال، وبالتالي فسيادتها غير قائمة من الناحية الفعلية بحكم واقع الاحتلال، إلا أنه يعلي شأن النضال من أجل تعزيز السيادة الوطنية في مقابل غياب سيادة الاستقلال بسبب وجود الاحتلال الإسرائيلي.
التمثيل
– بالعادة يجري تمثيل فئات المجتمع كافة في لجان إعداد الدساتير، وهو أمر لم يحدث في هذه المسودة، بالتالي كيف نضمن أن تُمثّل هذه الفئات؟ البعض يتخوف من أنه حتى لو أرسلت ملاحظات وطلبات تعديل فمن يضمن أن يتم التعاطي معها بعين القبول في ظل تجارب سابقة لقوانين أصدرها الرئيس الفلسطيني وتم تجاهل الطلبات بشأنها، وخير مثال قانون الانتخابات المحلية؟
مراقبة التعديلات والعمل على تضمينها في الدستور والجهد هو أمر طبيعي ومشروع، وبالتالي من المنطقي جدا أن تعمل كل الأطراف على ضمان أن ما تقدمه من ملاحظات هو ليس مسألة شكلية، وبالتالي، يجب توسيع آليات الحوار المجتمعي والسياسي والوطني، وتشكيل مجموعات حقيقية تؤثر فيما يعتقد أنه يجب أن يعدل في هذا الدستور، وبالتالي، حتى لو كانت هناك مخاوف وحتى لو وجدت أية شكوك حول الأخذ بالاعتبار في هذه الملاحظة أو تلك أو في هذه التعديلات أو تلك، فالضمان الأول هو تحسين أسلوب وطريقة الضغط الاجتماعي من أجل أن لا يحصل ذلك.
وهذا أمر متبادل في الحقيقة بين لجنة الدستور وبين القطاعات الشعبية والسياسية المختلفة، وبالتالي، لكل طرف من هذه الأطراف الآليات التي تسمح له بإزالة هذه المخاوف والشكوك، بدءا من تعزيز الرقابة الشعبية على التعديلات المطروحة وانتهاءً في تجاوب اللجنة نفسها مع هذه التعديلات من أجل الوصول لأوسع صيغة شعبية ووطنية وسياسية توافقية على الدستور.
الضمان الثاني هو الاستفتاء، الدستور سيطرح في نهاية الأمر إلى الاستفتاء، وبالتالي، الحكم على الدستور سيكون عبارة عن معركة سياسية واسعة وكبيرة، ويحسمها الاستفتاء، وهو في هذه الحالة سيكون السلوك خلال مدة أو فترة نقاش الدستور عاملا حاسما، فيما إذا كانت الجماهير الفلسطينية ستدعم هذا الدستور في الاستفتاء أو أنها لن توافق عليه أو أنها ستتعامل معه بصيغة واسعة أو محدودة، وبالتالي، الآن هناك اختبار جدي لهذه العملية بحيث أن المسار الذي ستسير به سيكون عنصرا حاسما في نجاح الاستفتاء من عدمه.
□ هناك مخاوف أن يعزز الدستور مزيدًا من الانقسام رغم انه يأتي في لحظة فلسطينية مفصلية؟ كيف يمكن ألا يحدث ذلك؟
الدستور يجب ألا يعزز الانقسام، والسبب بسيط للغاية أنه هو يحاول أن يتجاوز بصيغة سياسية حالة السلطة الفلسطينية إلى حالة دولة فلسطين التي هي أكثر تطورا من وضع السلطة.
وبالتالي لا معنى من الناحية المبدئية للتخوف من أنه سيزيد الانقسام خصوصا إذا كان لا ينسف القانون الأساسي بل يبني عليه. والأمر الثاني، أن الحوار حول الدستور وأن تنظم القوى السياسية نفسها في هذا الحوار، يجعل من الحوار لإنهاء الانقسام فيما يتم في موضوعات الدستور، أو بعبارة أخرى، يصبح الحوار حول الدستور هو جزء من الحوار من أجل الوحدة الوطنية، وبالتالي، يمكن تجنب أن يصبح أساسا للانقسام.
طبعا إذا تغاضينا أن هناك ملاحظات من حيث الأساس لبعض القوى على تشكيل اللجنة، ولكن، المهم هو مضمون هذا الدستور وآلية التعديل المطروحة، ثم هل ستذهب القوى إلى تعديلات جدية، تصبح معيارًا للتوافق على الدستور بما يطور هذا الدستور ويحافظ على المضمون الديمقراطي له، وبالتالي يصبح الاستفتاء أساس لوحدة الأراضي الفلسطينية ولوحدة الشعب الفلسطيني وربما أيضا لوحدة الخطاب الفلسطيني في المحطة القادمة من محطات نضال الشعب الفلسطيني.
الدستور أقر من لجنة الدستور بشكل جماعي، ولكن في إطار آلية إقرار هذا الدستور كان هناك مجال للتحفظات على مواد هذا الدستور، وقدمت الكثير من التحفظات على مواده، القضية أن الوضع اليوم يتيح الحوار ويتيح التحفظ ويتيح الاختلاف ويتيح التطوير، وبالتالي، السؤال هو: هل تقدم التحفظات من زاوية الإعاقة والتعطيل أو من زاوية أنها ستساعد في تطوير هذا الدستور. وبالتالي، مثلا من طرفنا نحن قدمنا تحفظات جدية في بعض مواد الدستور، ونعمل أن تكون جزءًا من الحراك الشعبي من أجل تطوير هذا الدستور، ونعتقد أن هذا أمر ممكن أيضا لكل القوى التي توجد لديها ملاحظات أساسية على مواد الدستور.
«القدس العربي»



