299 عاماً على تأسيس المملكة العربية السعودية: بين إرث الدولة ومسؤولية الدور في حماية فلسطين

299 عاماً على تأسيس المملكة العربية السعودية: بين إرث الدولة ومسؤولية الدور في حماية فلسطين
بقلم: رئيس التحرير
في الذكرى التاسعة والتسعين بعد المائتين لتأسيس المملكة العربية السعودية، تستحضر المنطقة مسيرة دولةٍ لم تكن مجرد كيان سياسي نشأ عام 1727 على يد الإمام محمد بن سعود، بل مشروعاً تاريخياً تطوّر عبر ثلاثة قرون حتى بلغ مرحلة الدولة المحورية ذات التأثير الإقليمي والدولي الوازن.
تعاقبت مراحل التأسيس وصولاً إلى إعلان الدولة الحديثة عام 1932 بقيادة الملك المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود، لتدخل المملكة طور بناء الدولة المركزية المستقرة، القائمة على توحيد القرار السياسي وترسيخ الشرعية. ومع إطلاق رؤية السعودية 2030 في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، انتقلت السعودية إلى مرحلة التحول البنيوي، جامعـة بين تحديث الاقتصاد وتعزيز حضورها الدولي كلاعب مؤثر في معادلات الطاقة والاستثمار والسياسة.
منذ نكبة 1948، شكّلت فلسطين ركناً ثابتاً في السياسة السعودية، تجسّد في الدعم السياسي والمالي والدبلوماسي، ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية التي تمس القدس أو تغيّر من الوضع القانوني للأراضي المحتلة. وكانت مبادرة السلام العربية عام 2002 محطة تاريخية، حين طرحها الملك الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز وأقرتها جامعة الدول العربية، لتؤسس معادلة السلام مقابل الانسحاب الكامل وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
غير أن المرحلة الراهنة تشهد تصاعداً في سياسات الاستيطان والضم الزاحف، وتكريس الوقائع الميدانية التي تهدد وحدة الأرض الفلسطينية، إلى جانب مشاريع تهويد القدس ومصادرة الأراضي وتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي. وهي سياسات لا تقوّض فقط حل الدولتين، بل تدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
خاتمة موجهة إلى سمو ولي العهد
في هذه المناسبة الوطنية التاريخية، نتوجه بالتهنئة إلى جلالة الملك محمد بن سلمان حفظه الله وإلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود مرحلة تحول غير مسبوقة في تاريخ المملكة، واضعاً أسس دولة عصرية قوية اقتصادياً ومؤثرة دولياً، دون أن تتخلى عن ثوابتها العربية والإسلامية. والى الشعب السعودي الشقيق
لقد أكدت المملكة في مواقفها المعلنة الرسمية والشعبية أن القضية الفلسطينية ستبقى في صلب أولوياتها، وأن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف أو التجاوز. وإن هذه المواقف، التي عبّر عنها سموكم في أكثر من مناسبة، تمثل ركيزة أمل لشعبٍ يواجه مخططات الضم الزاحف، والتهجير القسري، والتوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، ومحاولات تغيير الهوية التاريخية والقانونية للقدس.
إن ما تتعرض له الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم من إجراءات أحادية يفرض تحركاً عربياً وإسلامياً ودولياً أكثر فاعلية، ويجعل من الدور السعودي، بما له من ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي، عاملاً حاسماً في كبح هذه المخططات وحماية فرص السلام العادل.
ومن هنا، فإننا نناشد سموكم مواصلة الجهود الحثيثة لتثبيت مرجعية مبادرة السلام العربية، وربط أي ترتيبات إقليمية بتحقيق تقدم ملموس نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما نؤكد أهمية استمرار دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، وتعزيز وحدة الصف الفلسطيني، بما يحول دون تكريس الانقسام الذي تستغله سياسات الاحتلال.
إن المملكة العربية السعودية، وهي تقترب من إتمام ثلاثة قرون على تأسيسها، تملك من الإرث والتأثير ما يؤهلها لقيادة موقف عربي جامع يعيد الاعتبار للشرعية الدولية، ويضع حداً لسياسات فرض الأمر الواقع. وإن التاريخ سيحفظ للمملكة مواقفها حين تتقدم الصفوف دفاعاً عن القدس، وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
كل عام والمملكة العربية السعودية بخير، وهي تمضي بثقة نحو عامها الثالث بعد المئة الثالثة، قوية بقيادتها، راسخة بثوابتها، وحاضرة بدورها في نصرة القضايا العادلة وفي مقدمتها قضية فلسطين.


