مقالات

صححوا معلوماتكم عن الكورد


صححوا معلوماتكم عن الكورد

بروفيسور حسين علي غالب بابان – كاتب وأكاديمي كردي مقيم في بريطانيا

من وسط موريتانيا أرسل إليَّ شابٌ مثقفٌ خلوقٌ سؤالًا بسيطًا ومتواضعًا مفاده، حدثني عن الكورد بما أنك منهم لأن الإعلام  للأسف الشديد شوَّش أفكاري وأصبحت في حيرة من أمري. وبالرغم من أنَّ القضية الكوردية أقدم بكثير من قضيتنا الأم وهي “القضية الفلسطينية”، إلا أنَّ الكثير من العرب، ومنهم شريحة الأكاديميين والمثقفين تحديدًا، ما زالوا يجهلون الكثير عن الكورد وبعضهم صدقًا لوَّثت عقولهم بمعلوماتٌ خاطئة أخذوها من وسائل إعلامية تتخذ مواقف مناوئة للكورد وقضيتهم العادلة.

الكورد قومية ذات تاريخ طويل، قبل وبعد الرسالة المحمدية العظيمة، والسواد الأعظم من الكورد مسلمون طبعًا، وبينهم أتباع ديانات أخرى قديمة لها كل الاحترام والتقدير.

نمتلك لغتنا الخاصة المكوَّنة من عدة لهجات، ولا تمت بصلة إلى اللغة العربية أو التركية أو الفارسية بتاتًا، وأيضًا ليست خليطًا من هذه اللغات الثلاث كما يدَّعي البعض زورًا وبهتانًا.

كما أنَّ الثقافة الكوردية تضم كمًّا كبيرًا من الأدباء والمثقفين، منهم من ترك بصمته في الثقافات المختلفة عند العرب والأتراك بسبب معايشتهم لهم منذ العهد العثماني وحتى يومنا هذا. ولنا أزياؤنا التراثية الخاصة وعاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية المتوارثة جيلًا بعد جيل.

مشكلة الكورد أنَّ الجميع يريد دمجهم ومحو هويتهم، حتى لو تحقق ذلك بالعنف والدمار والقتل. فالرئيس الأسبق صدام حسين الذي حكم العراق “ثلاثة عقود عجاف”، فتك بآلاف القرى الصغيرة بالأسلحة الكيميائية الفتاكة ضمن حملات إبادة جماعية. كما أنَّ الحكومات التي حكمت تركيا وإيران وسوريا لها سجل أسود في حقوق الإنسان، والقصص عن مظلومية الأكراد هناك تحتاج إلى ملايين الصفحات حتى نذكر جزءًا يسيرًا منها، والكورد في دول عربية أخرى وأعدادهم قليلة، مثل لبنان ومصر والكويت يتمسكون بهويتهم.

ما يريده الكورد هو أن يعيشوا حياتهم الطبيعية، وأن تُحترم هويتهم الخاصة، لذلك سعوا منذ وقت طويل إلى إنشاء كيان لهم على أراضيهم، وقد تحقق هذا الحلم بإعلان “جمهورية مهاباد” التي أُنشئت سنة 1946، ولم تدم أكثر من عام واحد بسبب المؤامرات التي حيكت ضدها من جيرانها طبعًا، وأقولها من دون لفٍّ أو دوران.

وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، انتزع الكورد حريتهم، و أنشؤوا كيانًا إقليميًا في شمال العراق تحت تسمية “إقليم كوردستان”، وبالرغم مما فيه من مشاكل وعيوب، إلا أن الوضع فيه أفضل بكثير من دول في منطقتنا الملتهبة أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا وكل من قام بزيارة الإقليم شعر بالراحة والطمأنينة وأحس بالتقدم والتطور.

اختار الكورد “حق تقرير المصير”، مثلما فعلت أغلب شعوب العالم المتحررة والمتحضرة، بطرق سلمية وديمقراطية واضحة وبسيطة، ومارسوا هذا الحق في السنوات الماضية، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ولهذا يجد المتابع للشأن الكوردي أن الكورد ساخطون على الواقع الذي يعيشونه، ويحاولون التمرد عليه بشتى السبل والطرق، لكن دون إراقة الدماء أو استخدام الخطابات الثورية الرنانة، وبالتأكيد يعلم الجميع أنَّ من يحاول انتزاع حقوقه سيتعرض لحملات تشويه ورفض ونقد جارح، بل وستوجَّه إليه اتهامات بالخيانة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب