«الخط البرتقالي» والتفاوض تحت النار… هكذا تريد إسرائيل رسم مستقبل غزة

«الخط البرتقالي» والتفاوض تحت النار… هكذا تريد إسرائيل رسم مستقبل غزة
أشرف الهور
غزة ـ بشكل أخطر مما كان عليه الوضع خلال الفترة الماضية، رفعت إسرائيل من حدة تهديداتها الخاصة بالتعامل مع قطاع غزة، وأعادت بشكل صريح طرح العودة إلى خيار الحرب، بعد أن فشلت في تمرير شروطها الخاصة بالمضي في تطبيق باقي مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، بإصرارها على بند «نزع سلاج المقاومة»، رغم عدم تنفيذها بنود الاتفاق بمرحلته الأولى، وهو أمر تنعكس آثاره سلبا على سكان قطاع غزة، الذين يعانون من ويلات الحرب وتبعاتها الخطيرة حتى اللحظة.
وبالتوازي مع الخطط العسكرية على الأرض، التي تشمل استمرار تشديد حصار غزة، وحرمان السكان من الدواء والطعام، وكذلك الاستمرار في الهجمات العسكرية المحدودة التي توقع ضحايا في مناطق النزوح، كانت إسرائيل تواصل عمليات توسيع سيطرتها على القطاع بضم مناطق جديدة إلى «الخط الأصفر»، الذي زادت مساحته عن تلك التي وردا في اتفاق التهدئة الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر من العام الماضي، وتلوح صراحة بالعودة إلى الحرب.
وعلى الأرض، لم يشعر سكان غزة، رغم انعقاد جولات مفاوضات خاصة بالتهدئة الأسبوع الماضي، كانت امتدادا للأسبوع الذي سبقه، بأي تحسن، فهذه المفاوضات كانت تدار من أجل تحسين التهدئة وتطويرها فيما كانت إسرائيل تمضي في سياسة تشديد الحصار المفروض على السكان، وتحد بشكل كبير من عمليات دخول المساعدات الطبية والغذائية، لتزيد بذلك الواقع الأليم قساوة، تفوق قدرات السكان وامكانياتهم، وتوسع من دائرة المرض والجوع.
هذا الأمر كان يترافق مع هجمات حربية عنيفة، أسفرت عن ارتقاء ضحايا جدد بينهم أطفال ورجال كانوا في مناطق النزوح البعيدة عن مناطق السيطرة الإسرائيلية، وكان أعنقها الأربعاء حيث ارتقى 13 شهيدا، بينهم نجل رئيس حركة «حماس» في غزة خليل الحية، لتربك من جديد قوات الاحتلال المشهد القائم المنهار في غزة بشكل أخطر مما هو عليه، وتمضي في ذات الوقت في توسيع نطاق سيطرتها على القطاع، لتصل من 53 إلى 60 في المئة حسب ما أكد تقرير عبري، أشار إلى توسيع نطاق «الخط الأصفر» إلى جهة الغرب، والذي بات يطلق عليه اسم «الخط البرتقالي».
وبدا أن الواضح من هذه السياسات العدائية المخالفة لاتفاق وقف إطلاق النار، التي تأتي ضمن مخطط إسرائيل تضييق الخناق على قطاع غزة وسكانه بشكل أكبر، من أجل الدفع نحو تنفيذ الشروط اتي وضعتها إسرائيل بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووردت في مشروع الانتقال إلى مرحلة التهدئة الثانية التي قدمت لفصائل المقاومة، وأبرزها شرط «نزع السلاح»، خاصة وأن هذه السياسات الخطيرة التي تزيد من أعباء غزة، تلتها تهديدات مباشرة بالعودة إلى الحرب.
ولم تكد تمضي ساعات على كشف الإعلام العبري عن اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية اجتماعا (جرى تأجيله) بهدف بحث ملف عودة الحرب، حتى كشف القناة 14 الاسرائيلية، أنه وخلال اجتماع عقده رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مع كبار قادة الجيش الإسرائيلي، أكد فيه أن إسرائيل لا تنوي التراجع عن هدفها الرئيسي المتمثل في تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحماس.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي يسيطر حاليًا على مناطق أمنية تغطي أكثر من 50 في المئة من مساحة قطاع غزة، وهو ما يمنح إسرائيل القدرة العملياتية على دخول أي نقطة والبدء في تفكيك البنية التحتية للفصائل المسلحة، وخلال الاجتماع، قال إنه نقل رسالة إلى الرئيس دونالد ترامب وفريقه مفادها أنه إذا لم تُحضر الولايات المتحدة طرفًا خارجيًا لتولي مهمة نزع سلاح قطاع غزة وتجريده من عتاده، فإن هذه المهمة ستقع على عاتق إسرائيل، وأن جيشه في وضع جيد للغاية حاليًا لإنجاز المهمة، وأن الحكومة ستختار التوقيت الأنسب لتنفيذ العملية النهائية.
واستبق ذلك بإلغاء جلسة «الوزاري المصغر»، التي استُعيض عنها بعقد مشاورات مصغّرة برئاسة نتنياهو، فيما كشف عن نقاشات داخل هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي تدفع باتجاه استئناف الحرب على غزة، وتقلت الإذاعة الإسرائيلية عن مسؤولين عسكريين في محادثات مغلقة أن «الوقت الأنسب لحسم المعركة ضد حماس هو الآن»، معتبرين أن المهمة في غزة «لم تُستكمل»، بزعم أن الحرب التي توقفت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي انتهت من دون تحقيق هدف «حسم حماس أو تفكيكها».
وأشار التقرير إلى أن قيادة الجيش ترى ضرورة العودة إلى استهداف حماس، في ظل ما تصفه برفض الحركة المستمر لنزع سلاحها، رغم جولات المحادثات التي عُقدت في القاهرة خلال الأشهر الماضية مع الوسطاء، والتي لم تُفضِ إلى تقدم في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ونقلت أيضا قناة « i24NEWS» الإسرائيلية عن مسؤول كبير في هيئة الأركان العامة قوله إن جولة أخرى مع حماس أمر «لا مفر منه، نظرًا لرفضها نزع سلاحها»، وكان يتحدث عن جولة حرب، وقال «سنضطر إلى القيام بذلك بأنفسنا في ضوء عدم إحراز تقدم في المحادثات»، لافتا إلى أنه تمت إعادة ألوية المظليين إلى قطاع القيادة الجنوبية (التي تشرف على غزة)، إلى جانب المقرات الرئيسية الهامة، بعدما كشف أيضا عن استكمال القيادة الجنوبية إعداد الخطط العملياتية، للعودة إلى القتال، في حال صدور قرار سياسي بذلك.
مفاوضات تحت النار
ووسط هذه التوترات، كشف النقاب عن وصول لممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ملادينوف، إلى إسرائيل الاثنين الماضي في زيارة دبلوماسية عاجلة، تأتي في أعقاب تقارير حول تعثر المفاوضات المتعلقة بقطاع غزة، لعقد لقاءات رفيعة المستوى مع قادة المنظومة الأمنية الإسرائيلية لبحث سبل نزع فتيل التوتر الميداني، واكتفى ملادينوف بكتابة تغريدة على منصة «اكس» وصف فيها النقاش بأنه كان «إيجابياً ومثمراً» بشأن «المسار المستقبلي»، وقال «أكدنا جميعاً التزامنا بالتنفيذ الكامل لخطة الرئيس دونالد ترامب الشاملة ذات النقاط الـ 20»، مضيفا «نعمل مع جميع الأطراف لتحويل هذا الالتزام إلى إجراءات ملموسة»، لافتا إلى أن هذا الأمر «يتطلب اتخاذ قرارات لتحقيق التقدم»، وعن الجهود المبذولة قال «نواصل المضي قدماً من أجل مستقبل أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين».
لكن في المقابل ردت إسرائيل بتوسيع دائرة النار في غزة، وعملت على فرض خططها المتبعة دائما القائمة على «التفاوض تحت النار»، وبدلا من التهدئة وتقليص العمليات العسكرية، صعدت بعد زيارة ملادينوف الهجمات، حتى أن أحدها استهدفت بالاغتيال نجل رئيس «حماس» في غزة خليل الحية، وهو رئيس أيضا وفد الحركة المفاوض في اتفاق التهدئة.
في المقابل ردت «حماس» التي فهمت الأمر جيدا، على لسان الحية نفسه بالقول بعد استشهاد نجله وهو الرابع الذي يقضي جراء هجمات إسرائيلية، بالقول «العدو الصهيوني تعود على أن يفاوض الفلسطينيين وغير الفلسطينيين بالنار»، وأضاف «هذا الاستهداف الذي كان امتدادا لاستهداف العدو الصهيوني الوفد المفاوض في قطر العام الماضي، ويأتي في نفس السياق، فهو يريد أن يفرض ما يريد على طاولة المفاوضات ولكن بالنار.»
وأضاف «نحن نفاوض باسم شعبنا وباسم مقاومتنا فيما يحقق الأهداف لشعبنا»، وقال «إذا كان العدو الصهيوني يظن أنه باستهداف القادة أو أبنائهم وعوائلهم يمكن أن يأخذ منا ما لا نريد وأن يحقق بالقتل والإرهاب ما يريد. فأنا أقول إن هذا وهم ومحال أن يحققه في هذه الظروف، ولن يصل الاحتلال إلى مراده».
وأشار إلى أن بوصلة «حماس» هي «مصلحة شعبنا وتحقيق أهدافه السياسية المشروعة، وتحقيق الاستقرار والطمأنينة له، وتحقيق ما يمكن أن يجعل شعبنا يثبت على أرضه ويثبت في وطنه لا يتزحزح».
وجاء ذلك بعد جولة المباحثات الأخيرة، التي تمسكت فيها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» ومعها فصائل المقاومة برفض مطلب «نزع السلاح»، وتطلب في ذات الوقت بتطبيق كامل بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأفاد مصدران في فصائل المقاومة الفلسطينية، لـ«القدس العربي» أن جولة الحوار الأخيرة التي عقدت في العاصمة المصرية القاهرة، بشأن بحث تطوير اتفاق وقف إطلاق النار، لم تحقق أي تقدم يذكر، وأن الأوضاع لا تزال على حالها، خاصة وأن إسرائيل لم تلتزم بتنفيذ ما تعهد به الوسطاء في الجولة السابقة، بخصوص تهيئة الظروف وتطبيق بنود المرحلة الأولى، في وقت كشف فيه النقاب عن تهديدات إسرائيلية بعودة استئناف الحرب ضد غزة.
وأكدا أن جولة التفاوض الأخيرة «لم تكن سهلة»، وأن وفد الحركة الذي التقى الوسطاء وملادينوف، قدم موقف الحركة وفصائل المقاومة الشريكة، على العرض الأخير الذي قدم من قبل ملادينوف، وأبرز نقاطه أن توافق فصائل المقاومة على «نزع السلاح»، وأن يصار إلى جدول زمني لذلك، مقابل البدء في تطبيق المرحلة الثانية، التي تشمل انسحابات إسرائيلية من قطاع غزة، حيث تحتل إسرائيل بموجب «الخط الأصفر» أكثر من 53 في المئة من مساحة القطاع.
وتشددت حركة «حماس» في موقفها الرافض لوضع بند «نزع السلاح» كشرط للمضي في تطوير اتفاق التهدئة، بما يخدم قطاع غزة، في ظل العدوان الإسرائيلي وآثاره التي لا تزال تعصف بالقطاع وتهدد سكانه بمزيد من الموت والمرض والجوع، وأنها طلبت أولا أن يصار إلى تطبيق كامل بنود المرحلة الأولى، ومن ثم الحديث عن المرحلة الثانية، وأن الحركة كما المرات السابقة، لم تجد أي ضمانات تلزم إسرائيل بتطبيق بنود المرحلة الجديدة للاتفاق، في ظل استمرار رفضها لتطبيق ما عليها من التزامات وجدت في بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر من العام الماضي.
ومع استمرار تهرب إسرائيل من استحقاقات اتفاق التهدئة بمرحلته الأولى، دفع ذلك «حماس» وفصائل المقاومة، للاستمرار في رفض طريقة الطرح الحالية من قبل «مجلس السلام» لتطوير اتفاق وقف إطلاق النار، كونه يحابي إلى أبعد الحدود إسرائيل، ويلبي مطالبها التي ترتكز بالأساس على «نزع سلاح المقاومة»، وقال خليل الحية، إن رفض الاحتلال الالتزام ببنود التهدئة التي وردت في المرحلة الأولى، يجعل المفاوضات تراوح مكانها، موضحا أن حماس بادرت وقدمت كل التزامات في المرحلة الماضية، لكن الاحتلال لم يلتزم بأغلب البنود، وأضاف «لا يرون إلا السلاح الذي هو حق مكفول للشعب الفلسطيني سعيا نحو الدولة وحقوقه المشروعة».
وحملت حركة «حماس» في ظل تعثر الجهود المبذولة «الوسطاء والأمم المتحدة مسؤوليةً مباشرة في الضغط على حكومة مجرم الحرب نتنياهو لوقف العدوان، ومنعها من التهرب من استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لم تلتزم به، من خلال استمرار القصف والحصار والتجويع»، وطالبت من الوسطاء الضامنين للاتفاق ضرورة التحرك العاجل لوقف الانتهاكات.
في المقابل تتعمق الأزمة الإنسانية في قطاع غزة جراء استمرار الحصار، وأعلنت وزارة الصحة في غزة، أن أزمة نقص مواد الفحص المخبري في المختبرات وبنوك الدم تتفاقم، حيث بات 86 في المئة من احتياجات المختبرات وبنوك الدم رصيدها صفر، وأوضحت أن هناك نقصا حادا في المواد والمستلزمات الطبية وفي مقدمتها الأدوية، وأن مواد فحص غازات الدم نفدت بالكامل في مختبر مستشفى شهداء الأقصى، وأن الكميات المتبقية في المستشفيات الأخرى تكفي لأيام قليلة، وحذرت من أن استمرار النقص في مواد الفحص «يُهدد إجراءات المتابعة الطبية للحالات المرضية وإجراء العمليات وحالات الطوارئ والعناية المركزة»، وطالبت وزارة الصحة كافة الجهات المعنية بالتدخل العاجل للإسراع في توفير وإدخال مستلزمات المختبرات وبنوك الدم.
هذا وأعرب مركز غزة لحقوق الإنسان، عن بالغ قلقه إزاء التدهور البيئي والصحي غير المسبوق في القطاع، بعدما قال إن الوضع وصل إلى «مستويات كارثية» تهدد حياة مئات الآلاف من النازحين والمواطنين، جراء تداعيات العدوان العسكري والحصار الإسرائيلي المتواصل، المركز وفي تقرير أصدره، أكد أنه رصد تفشياً واسعاً للقوارض (الجرذان والفئران) والحشرات الضارة، بالتزامن مع استمرار سياسة الحصار الخانق ومنع دخول المستلزمات الأساسية لمكافحة هذه الآفات، وأكد أن أزمة النفايات في غزة باتت من أشد الأزمات البيئية حدةً في تاريخ المنطقة المعاصر، إذ يتراكم 900 ألف طن من النفايات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى كانون الأول/ديسمبر 2025.
ويأتي ذلك فيما لا تزال سلطات الاحتلال بموجب إجراءات الحصار، تمنع دخول المبيدات والسموم اللازمة لمكافحة القوارض بذريعة «الاستخدام المزدوج»، ويؤكد مركز غزة لحقوق الإنسان، أن ذلك يعد «توظيفاً ممنهجاً للوباء البيئي وأداةً من أدوات الضغط على المدنيين»، وطالب المجتمع الدولي بالضغط الفوري لفتح المعابر وإدخال المعدات الثقيلة لجمع النفايات ونقلها.
وإلى جانب هذه المشكلة الصحية التي تهدد بتفشي الأمراض وسط نقص الدواء والعلاج، هناك مشكلة أخرى، بعدما اضطرت بلديات في قطاع غزة مؤخرا، لوقف العمل في بعض محطات ضخ الصرف الصحي، نتيجة النفاد التام للزيوت وقطع الغيار الأساسية اللازمة لأعمال الصيانة الدورية لهذه المحطات، حيث ذكر موقع الأمم المتحدة الإعلامي، أن أربع من كل خمس محطات لضخ مياه الصرف الصحي توقفت عن العمل. وأنه نتيجة لذلك، تتدفق يوميا نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر وإلى المناطق التي تقيم فيها العائلات.
«القدس العربي»:




