تحقيقات وتقارير

قمة ترامب- شي.. بين تمديد الهدنة التجارية وتفاوض “عسير” حول إيران

قمة ترامب- شي.. بين تمديد الهدنة التجارية وتفاوض “عسير” حول إيران

الرباط: رجح الخبير في الاقتصاد الدولي خالد حمص أن يتفق الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ على تمديد الهدنة التجارية، وتوقع مفاوضات عسيرة حول إيران، دون أن يستبعد احتمال توصلهما إلى تفاهمات تخدم مصالحهما.

والأربعاء يبدأ ترامب زيارة لبكين تستمر ثلاثة أيام وتأتي في ظل أجواء جيوسياسية شديدة التعقيد، وهي الأولى له منذ نحو 8 سنوات ونصف، إذ سبق له أن زار المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة عام 2017.

وقال حمص، في مقابلة مع الأناضول، إن بكين لديها “إكراهات ورهانات” مرتبطة بالنمو والحفاظ على مصالحها الاقتصادية، وتثبيت الهدنة التجارية مع واشنطن وتفادي الدخول في صراعات.

وفي 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 أعلنت وزارة التجارة الصينية في بيان، أن بكين وواشنطن اتفقتا على تمديد الهدنة التجارية المؤقتة لمدة عام آخر، بعد بدئها في أيار/ مايو من العام ذاته.

وأضاف أن “الفلسفة العامة للصين قائمة على تجنب الصراعات، لذلك فإن الأولوية تبقى تجارية، لتفادي العودة إلى حرب تجارية مفتوحة”.

وفي مارس/ آذار الماضي، أعلنت الصين إجراء تحقيق في عوائق تجارية أمريكية أمام المنتجات الصديقة للبيئة، عقب أيام من قرار واشنطن إجراء تحقيقات تجارية ضد بكين بشأن “ممارسات العمل القسري”.

على الجانب الآخر، حسب حمص، يسعى الأمريكيون إلى تحقيق نوع من التوازن التجاري، لتقليص العجز التجاري مع الصين، خاصة عبر زيادة الصادرات في مجالات مثل الزراعة والطاقة.

وتعد الولايات المتحدة والصين أكبر اقتصادين في العالم بفارق شاسع عن بقية الدول، إذ يتجاوز إجمالي الناتج المحلي الأمريكي 29 تريليون دولار والصيني 20 تريليون دولار، حسب بيانات مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في 2026.

وبلغت قيمة إجمالي المبادلات التجارية بين البلدين 414.7 مليار دولار عام 2025، بعجز لصالح الصين 202.1 مليار دولار، وبانخفاض 31.6 بالمئة مقارنة بعام 2024.

فيما بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين 106.3 مليارات دولار، بانخفاض 25.8 بالمئة مقارنة بـ2024، فيما بلغت واردتها 308.4 مليارات دولار، بتراجع 29.7 بالمئة خلال الفترة نفسها.

الاقتصاد والانتخابات

حمص اعتبر أن الرهان الأساسي لترامب هو تقليص العجز التجاري مع الصين، وهو هدف ذو طابع استراتيجي، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وتشكل هذه الانتخابات رهانا كبيرا لترامب، إذ قد تعيد رسم ميزان القوى السياسية في الولايات المتحدة، في ظل تقدم نسبي للديمقراطيين في بعض الولايات، وفقا لنتائج استطلاعات الرأي.

وأعرب حمص عن اعتقاده بأنه مع اقتراب الانتخابات، سيحاول ترامب إدارة الصراع الاستراتيجي مع الصين بشكل سلس، لتفادي الدخول في مواجهة مفتوحة، مع العمل على تخفيف المخاطر.

ورجح إمكانية توصل ترامب وشي إلى اتفاق لتمديد الهدنة التجارية، معتبرا أن هذا الاحتمال “يبقى قائما بقوة”، ويرتبط أساسا بـ”تقاطع مصالح الطرفين”.

وأوضح أن الصين تضع أولوية كبرى للنمو الاقتصادي، ولذلك تسعى إلى الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي في ظل التحديات الراهنة، مثل تباطؤ النمو وعودة الضغوط التضخمية”.

و”هذه الهدنة تخدم أيضا مصلحة الولايات المتحدة، خاصة في سياق داخلي يتسم بحسابات سياسية مرتبطة بالانتخابات”، حسب حمص.

وزاد قائلا إن ترامب “يسعى إلى تحقيق إنجازات اقتصادية والحفاظ على توازنات داخل الكونغرس”.

كما رأى أن “الاعتبارات الأمنية والدفاعية تلعب دورا مهما، حيث تحاول واشنطن استخدام أدوات الضغط المختلفة، خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا والتجارة، لدفع بكين نحو تقديم تنازلات”.

وأكمل: “خيار تجديد الهدنة التجارية يظل الأكثر ترجيحا، لما يوفره من استقرار نسبي ويسمح للطرفين بإدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة”.

وتحدث أيضا عن “إمكانية التوصل إلى تفاهمات تدريجية حول القضايا العالقة، سواء في التجارة أو التكنولوجيا أو التوازنات الإقليمية”.

الرقائق والذكاء الاصطناعي

وحسب حمص، فإن عامل عدم الاستقرار في القرارات ما يزال حاضرا بقوة في مزاج الإدارة الأمريكية، مما قد يؤثر على عدد من الملفات.

وبخصوص الرسوم الجمركية، رجح التوصل إلى توافق مرحلي على تخفيض جزئي أو التراجع عن بعض هذه الرسوم، للحفاظ على قدرة الأمريكيين الشرائية لاعتبارات انتخابية.

لكنه استدرك: “عندما يتم الانتقال إلى عمق الصراع، خاصة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية، فإن هناك صعوبة في التوافق على الرقائق الإلكترونية، خاصة أنها ضمن قضايا الأمن القومي، وهو مجال يصعب فيه تقديم تنازلات”.

وتضغط الولايات المتحدة بشدة على الصين لمنعها من الوصول إلى بعض التقنيات المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعد الرقائق الإلكترونية إحدى ساحات هذا الضغط.

وتعتبر الرقائق الإلكترونية بمثابة “نفط القرن الحادي والعشرين”، وهي المحرك الفعلي لكل تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجالات المدنية والعسكرية والدفاعية.

وفي شباط/ فبراير الماضي، دعت الصين إدارة ترامب إلى إلغاء الرسوم الجمركية الأحادية التي فرضتها بموجب قانون “سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية”.

وقالت وزارة التجارة الصينية، في بيان آنذاك، إن بكين تعارض جميع أشكال زيادة الرسوم الجمركية من جانب واحد، مشددة على أنه “لا رابح في الحرب التجارية”.

وفي 20 فبراير، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية لتبرير فرض رسوم جمركية إضافية، لا يمنح الرئيس سلطة فرض تلك الرسوم.

ومتحديا قرار المحكمة، أعلن ترامب في اليوم نفسه تطبيق رسوم جمركية مؤقتة بنسبة 10 بالمئة، ثم رفعها إلى 15 بالمئة في اليوم التالي، على مستوى العالم، بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974.

الحرب على إيران

ومن أبرز ملفات الخلاف الراهنة بين البلدين، الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط/ فبراير الماضي على إيران، التي تستحوذ الصين على ما بين 80 بالمئة و90 بالمئة من صادراتها النفطية.

وإثر تعثر مفاوضات لإنهاء الحرب، تحاصر واشنطن منذ 13 نيسان/ أبريل الماضي الموانئ الإيرانية، بما فيها الموجودة بمضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، وردت طهران بمنع مرور السفن فيه إلا بتنسيق معها.

وبخصوص ملف إيران، قال حمص إن “الصين تعد حليفا استراتيجيا لإيران”.

وأضاف أنها “من المرجح أن تسعى إلى الحفاظ على مصالح هذا الحليف، خاصة في إطار مشروعها الكبير المعروف بـمبادرة الحزام والطريق، إضافة إلى حرصها على تأمين مورد أساسي من موارد الطاقة”.

ومرارا اتهمت واشنطن وتل أبيب بكين بتقديم دعم عسكري واستخباراتي لطهران خلال الحرب، وهو ما نفته الصين، باعتباره “افتراءات لا أساس لها من الصحة”.

حمص أردف أن “الحفاظ على مصالح إيران هو حفاظ على زبون استراتيجي، وبالتالي فهذا الملف سيكون مهما (في القمة) وستتخلله مفاوضات عسيرة، في ظل حساسيته وبقاء مضيق هرمز مغلقا”.

لكنه لم يستبعد إمكانية التوصل إلى تفاهمات أمريكية صينية في الملف الإيراني، في إطار “توازنات دولية معقدة”.

والأحد أعلن ترامب رفضه للرد الإيراني على مقترح بلاده لإنهاء الحرب، ما كشف عن فجوات في التفاوض، وسط ترقب بشأن الخطوات الأمريكية المقبلة، مع احتمال انهيار الهدنة الهشة السارية منذ 8 نيسان/ أبريل.

وثمة مخاوف من احتمال استئناف الحرب التي تسببت في تعطل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز ورفع أسعار الطاقة عالميا، مما أثر سلبا على مستويات التضخم.

(الأناضول)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب