الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة: الاستيطان لن يصنع شرعية وفلسطين عصيّة على الكسر

الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة: الاستيطان لن يصنع شرعية وفلسطين عصيّة على الكسر
بقلم / رئيس التحرير
تحلّ الذكرى الثامنة والسبعون لنكبة فلسطين هذا العام، فيما تمر القضية الفلسطينية بواحدة من أكثر مراحلها خطورة وتعقيداً، في ظل حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصاعد غير مسبوق للاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، وتنامي الانقسام الداخلي الإسرائيلي، مقابل صمود فلسطيني متواصل أعاد القضية إلى صدارة الاهتمام الدولي. وبعد ثمانية وسبعين عاماً، يتأكد أن النكبة لم تُنهِ فلسطين، وأن المشروع الصهيوني لم ينجح في حسم الصراع أو انتزاع الشرعية التاريخية والقانونية.
منذ عام 1948، راهنت الحركة الصهيونية على فرض أمر واقع دائم يقوم على التهجير والإحلال السكاني، إلا أن المعادلة الديموغرافية اليوم تثبت فشل هذا الرهان. فعدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية بات يقارب عدد اليهود، بنحو 7.4 مليون فلسطيني مقابل 7.4 مليون إسرائيلي، فيما يقدر عدد الفلسطينيين في العالم بأكثر من 15 مليون نسمة، نصفهم تقريباً في الشتات، وهو ما يؤكد أن الشعب الفلسطيني لم يُقتلع من التاريخ، ولم تُمحَ هويته الوطنية.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يتسارع المشروع الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة. وتشير أحدث التقديرات إلى أن عدد المستوطنين الإسرائيليين تجاوز 800 ألف مستوطن موزعين على أكثر من 180 مستوطنة وعشرات البؤر الاستيطانية. وتركزت التوسعات الاستيطانية في القدس ومحيطها، ورام الله، وبيت لحم، والخليل، ونابلس، في إطار سياسة تهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً.
وقد صادقت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا سيما الحكومة الحالية الأكثر تطرفاً، على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وصادرت مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على القرى والمزارعين، وعمليات التهجير القسري خاصة في الأغوار ومسافر يطا ومحيط القدس.
ومن الناحية القانونية، يشكل الاستيطان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وخرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، ولقرارات مجلس الأمن الدولي، وفي مقدمتها القرار 2334 الذي اعتبر المستوطنات “عديمة الشرعية القانونية”. كما أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية أعاد التأكيد أن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، أراضٍ واقعة تحت الاحتلال، وأن على إسرائيل إنهاء احتلالها غير المشروع.
أما في قطاع غزة، فقد كشفت الحرب منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حدود القوة الإسرائيلية، رغم ما خلفته من دمار هائل وسقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وتدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمرافق الصحية والتعليمية. ورغم استخدام إسرائيل أقصى درجات القوة العسكرية، فإنها لم تستطع تحقيق نصر سياسي أو كسر إرادة الشعب الفلسطيني.
وفي المقابل، تعيش إسرائيل أزمة داخلية غير مسبوقة، تتجلى في الانقسام بين التيار الديني المتطرف والعلماني، وبين دعاة الدولة المدنية وأنصار “الدولة التوراتية”، إضافة إلى تصاعد الاحتجاجات وفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية بعد إخفاقات الحرب. وهو ما يثبت أن المشروع الصهيوني يواجه مأزقاً بنيوياً يتعلق بالهوية والشرعية والمستقبل.
لقد أعادت الحرب والاستيطان القضية الفلسطينية إلى صدارة الرأي العام العالمي، وشهدت الجامعات والعواصم الدولية موجات تضامن واسعة، كما تزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وتعززت المطالبات بمحاسبة إسرائيل على جرائم الحرب والانتهاكات المستمرة.
إن الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة تؤكد أن الاحتلال قد يفرض وقائع مؤقتة بالقوة، لكنه لا يصنع شرعية دائمة، وأن الاستيطان مهما توسع لن يلغي حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه. ففلسطين التي صمدت أمام النكبة، والحروب، والتهجير، قادرة على مواصلة نضالها حتى الحرية والاستقلال.
ويبقى الدرس الأهم بعد ثمانية وسبعين عاماً: أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالمستوطنات والجدران والقوة العسكرية، بل بإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. عرض أقل




