تحقيقات وتقارير

كيف تغيّر الضمير الجمعي العربي خلال نصف قرن: صناعة الوعي الجديد في الجامعات ووسائل التواصل (٢/٣)

كيف تغيّر الضمير الجمعي العربي خلال نصف قرن: صناعة الوعي الجديد في الجامعات ووسائل التواصل (٢/٣)

تغيّر المجتمع العربي كثيراً، وتحوّل من مجتمع مناصر للقضايا إلى مجتمعات منقسمة ومتقوقعة على نفسها، لا ترى في القضايا الكبرى أيّ أهميّة، فما دور وسائل الإعلام والجامعات في صناعة هذا الشكل من الرأي العام؟

جاد طعمه

إذا كانت المقالة الأولى قد انتهت إلى نتيجة مفادها أن القضية الفلسطينية فقدت تدريجياً موقعها بوصفها أحد العناصر المؤسسة للهوية العربية الحديثة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف حدث ذلك عملياً؟

فالأفكار الكبرى لا تختفي من تلقاء نفسها، والقضايا التي تسكن وجدان الشعوب لا تغادره فجأة. وبين جيل تربى على اعتبار فلسطين قضية وجودية للأمة العربية وجيل بات ينظر إليها باعتبارها واحدة من أزمات المنطقة الكثيرة، لا بد من وجود مؤسسات وقوى وأحداث أعادت تشكيل الوعي العام بصورة عميقة.

إن المسألة هنا لا تتعلق بمؤامرة سرية ولا بقرار سياسي منفرد، بل بعملية تاريخية طويلة شاركت فيها الدولة والجامعة والإعلام والحرب والاقتصاد والتكنولوجيا، وأدت مجتمعة إلى إعادة تعريف مفاهيم الهوية والمقاومة والعدو والصديق والمصلحة الوطنية.

من صناعة المواطن إلى صناعة الاختصاصي

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم تكن الجامعات الأكاديمية العربية مجرد مؤسسات تعليمية. كانت فضاءً سياسياً وثقافياً واجتماعياً حياً.

في الجامعات تشكلت الحركات الطلابية التي توزعت بين الأفكار القومية واليسارية والإسلامية. وفيها نوقشت قضايا التحرر الوطني والوحدة وفلسطين والتنمية والاستقلال. وكانت السياسة جزءاً من الحياة الجامعية اليومية. لكن العقود اللاحقة شهدت تحولات عميقة.

فمع توسع التعليم العالي وخصخصة أجزاء كبيرة منه، وتراجع العمل السياسي الطلابي في عدد من الدول العربية، انتقلت الجامعات تدريجياً من إنتاج المواطن المهتم بالشأن العام إلى إنتاج الخبير والموظف والمتخصص.

انتقلت الجامعات تدريجياً من إنتاج المواطن المهتم بالشأن العام إلى إنتاج الخبير والموظف والمتخصص

وليس المقصود هنا التقليل من أهمية التخصص العلمي، بل الإشارة إلى أن الفضاء الذي كان يعيد إنتاج القضايا العامة والهوية المشتركة فقد كثيراً من تأثيره.

هكذا بدأت الأجيال الجديدة تتخرج وهي أكثر ارتباطاً بسوق العمل وأقل ارتباطاً بالمشروعات الفكرية والسياسية الكبرى التي شغلت الأجيال السابقة.

وقد تزامن ذلك مع صعود نموذج اقتصادي جديد يقوم على الفردانية والمنافسة المهنية والنجاح الشخصي. فبدلاً من أن يتخرج الشاب العربي وهو يفكر في قضايا التحرر والوحدة والتنمية الشاملة، أصبح يفكر في فرص العمل والهجرة وتحسين دخله الفردي. ولم يكن هذا التحول مجرد تغير في الاهتمامات، بل كان إعادة تشكيل عميقة لمنظومة القيم نفسها، إذ تراجعت القضايا الجماعية لمصلحة الطموحات الفردية.

الإعلام وإعادة تعريف الواقع

إذا كانت المدرسة والجامعة تصنعان جزءاً من الوعي العام، فإن الإعلام يصنع الجزء الأكبر منه.

في العقود الأولى بعد النكبة كانت صورة إسرائيل في الإعلام العربي واضحة نسبياً: دولة احتلال، وعدو سياسي وعسكري، وقضية فلسطين قضية مركزية.

لكن منذ التسعينيات بدأت الصورة تتغير تدريجياً.

فمع ظهور الفضائيات العابرة للحدود، ثم مع صعود الإعلام الإخباري المستمر، بدأ المشاهد العربي يتعرض لخطابات جديدة ومقاربات مختلفة.

للمرة الأولى أصبح من المألوف أن يظهر مسؤولون أو متحدثون إسرائيليون على الشاشات العربية، وأن تنتقل القضية الفلسطينية من موقع المسلمة السياسية إلى موقع الموضوع القابل للنقاش.

الأمر هنا لا يتعلق بالحكم الأخلاقي على هذه الظاهرة بل بفهم آثارها السوسيولوجية.

فمجرد الانتقال من منطق القطيعة المطلقة إلى منطق الحوار الإعلامي، فإن ذلك يترك أثراً عميقاً في تشكيل الوعي العام، لأنه يعيد تعريف صورة الآخر وموقعه داخل الفضاء العام.

الإعلام واقتصاد المشاهدة

لم يكن التحول الإعلامي منفصلاً عن التحول الاقتصادي.

مع صعود الفضائيات الخاصة وتزايد المنافسة على نسب المشاهدة والإعلانات، أصبحت القضايا السياسية تُقدَّم بصورة أكثر ارتباطاً بمنطق السوق الإعلامية.

هكذا انتقلت الأولوية تدريجياً من بناء الوعي العام إلى جذب الجمهور والمحافظة عليه.

في هذا السياق دخلت القضايا الكبرى، ومنها القضية الفلسطينية، في منافسة يومية مع الأخبار الأمنية والاقتصادية والترفيهية، ما ساهم في إعادة ترتيب موقعها داخل المجال العام العربي.

منذ التسعينيات بدأت صورة العدو في الإعلام تتغير تدريجياً مع ظهور الفضائيات العابرة للحدود إذ بدأ المشاهد العربي يتعرض لخطابات جديدة ومقاربات مختلفة

غير أن هذا التحول لا يعني أن فلسطين فقدت قدرتها على مخاطبة الضمير الإنساني خارج المجال العربي. فخلال العقود الأخيرة، ولا سيما مع اتساع وسائل الاتصال العالمية وانتشار الصور الحية للحروب والنزاعات، عادت القضية الفلسطينية لتحتل موقعاً متقدماً في النقاشات الحقوقية والإنسانية في العديد من المجتمعات الغربية. ولم يكن ذلك نتيجة تحوّل تلك المجتمعات إلى تبنّي الهوية العربية أو السردية القومية العربية، بل نتيجة تفاعل قطاعات واسعة من الرأي العام مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ورفض الاحتلال والعقاب الجماعي.

كما ساهم في ذلك صعود الثقافة الحقوقية العالمية منذ نهاية الحرب الباردة، واتساع تأثير المنظمات الحقوقية والجامعات وحركات المجتمع المدني التي باتت تنظر إلى كثير من الصراعات من زاوية القانون الدولي وحقوق الإنسان أكثر مما تنظر إليها من زاوية التحالفات السياسية التقليدية.

هكذا برزت فلسطين مجدداً في أجزاء من المجال العام العالمي بوصفها قضية أخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود الانتماءات القومية والدينية.

تعدد الأعداء على حساب العدو المركزي

الإعلام وحده لا يفسر ما جرى، فالعقود الأخيرة شهدت تحولات دراماتيكية في بنية الصراعات داخل المنطقة.

بعد الحرب العراقية الإيرانية جاءت حرب الخليج، ثم جاء غزو العراق عام 2003، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول والحرب العالمية على الإرهاب، ثم جاءت الحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والمذهبية تحت عنوان الربيع العربي.

ساهمت هذه الأحداث، سواء كانت نتيجة خيارات محلية أو تدخلات دولية أو تفاعل معقد بينهما، في إعادة ترتيب سلّم الأولويات داخل المجتمعات العربية.

ففي زمن سابق كان المواطن العربي يعرف من هو عدوه الرئيسي. أما في العقود الأخيرة فقد أصبح يعيش وسط شبكة معقدة من المخاوف والتهديدات المتداخلة.

هكذا لم تعد فلسطين القضية الوحيدة التي تنافس على اهتمامه، بل أصبحت جزءاً من مشهد مزدحم بالأزمات والحروب والانهيارات.

إيران والفراغ العربي

في هذه الأثناء كانت المنطقة تشهد تحولاً آخر بالغ الأهمية.

فبينما كانت دول عربية عديدة تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية، كانت إيران توسع حضورها السياسي والإقليمي تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل.

  • المقاومة أصبحت بنظر البعض مرتبطة بمحاور إقليمية تقودها إيران (أ ف ب)
    المقاومة أصبحت بنظر البعض مرتبطة بمحاور إقليمية تقودها إيران (أ ف ب)

بصرف النظر عن المواقف المتباينة من السياسات الإيرانية، فإن النتيجة السوسيولوجية كانت واضحة. فالمقاومة التي كانت تُقدَّم سابقاً بوصفها قضية عربية جامعة أصبحت ترتبط تدريجياً بمحاور وتحالفات وصراعات إقليمية جديدة وأصبحت في نظر قطاعات من الرأي العام العربي مرتبطة بمحاور إقليمية تقودها إيران.

من هنا بدأ الانقسام.

فما كان يمثل سابقاً رمزاً شبه جامع، أصبح موضوعاً للخلاف السياسي بين العرب أنفسهم.

غير أن التحولات الثقافية لم تكن وحدها كافية لتغيير صورة المقاومة؛ فقد تزامنت مع تحولات جيوسياسية أعادت رسم التحالفات والانقسامات داخل المنطقة.

الثورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي

التحول الأكبر في العالم العربي ربما لم يأت من السياسة، بل من التكنولوجيا.

وسائل التواصل الاجتماعي لم تغيّر فقط طريقة تداول المعلومات، بل غيّرت طريقة تكوين القناعات نفسها.

في الماضي كانت المؤسسات التقليدية ـ المدرسة والجامعة والحزب والصحيفة ـ تلعب دور الوسيط بين الفرد والعالم.

أما اليوم فقد أصبح الفرد يتلقى المعلومات مباشرة من آلاف المصادر المتنافسة. وهنا لم تعد المشكلة في وجود خطاب واحد أو رواية واحدة، بل في وجود عدد لا يحصى من الروايات المتصارعة.

بهذا المعنى فإن وسائل التواصل لم تنزع الشرعية عن المقاومة وحدها، بل نزعت الشرعية عن معظم المرجعيات التقليدية التي كانت تصوغ الوعي العام.

وإذا كانت التحولات الحقوقية والثقافية العالمية قد فسّرت جانباً من عودة فلسطين إلى النقاش الدولي، فإن وسائل التواصل الاجتماعي فسّرت الكيفية التي انتشر بها هذا الحضور واتسع نطاقه عالمياً، إذ تحولت إلى إحدى أهم الآليات التي ساهمت في إنتاجه وتوسيعه.

فأنتجت ظاهرة معاكسة تمثلت في تدويل الوعي بالقضية الفلسطينية. فالصورة التي كانت تمر سابقاً عبر قنوات سياسية وإعلامية محدودة أصبحت تصل مباشرة إلى ملايين الأفراد حول العالم. ونتيجة لذلك نشأت أشكال جديدة من التضامن العابر للحدود، لا تستند بالضرورة إلى الانتماء القومي أو الديني، بل إلى مفاهيم حقوق الإنسان والعدالة والكرامة الإنسانية. وهذا ما يفسر كيف استطاعت فلسطين أن تحافظ على حضور عالمي مؤثر حتى في المراحل التي كانت تشهد فيها تراجعاً نسبياً في مركزيتها داخل بعض البيئات العربية.

ضرب صورة المقاوم والمقاومة

السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المسار ليس ما إذا كانت المقاومة قد تغيرت فقط أو باتت مرتهنة داخل محاور اقليمية، بل ما إذا كانت البيئة التي كانت تمنحها شرعيتها الرمزية قد تغيرت هي الأخرى.

فالمقاومة لا تعيش في الفراغ. إنها تحتاج إلى سردية ثقافية وأخلاقية واجتماعية تمنحها معناها.

عندما تتغير هذه السردية، تتغير معها نظرة الناس إلى المقاومة وإلى الصراع وإلى المستقبل. لهذا السبب فإن الجدل الدائر اليوم حول المقاومة لا يمكن فهمه بعيداً عن التحولات العميقة التي أصابت بنية الوعي العربي خلال العقود الماضية.

استحضار مفردات “الواقعية السياسية”؟

السؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة ليس من شيطن المقاومة ومن دافع عنها، بل من أعاد تعريف مفهوم الواقعية السياسية نفسه.

خلال نصف قرن انتقل جزء كبير من الخطاب العربي من الحديث عن التحرير إلى الحديث عن الاستقرار، ومن الحديث عن الصراع إلى الحديث عن إدارة المصالح، ومن الحديث عن القضايا الكبرى إلى الحديث عن أولويات الدولة الوطنية وصار جذب الاستثمارات الخارجية الهدف الأسمى لتحسين المداخيل الفردية.

ومع صعود العولمة الاقتصادية في التسعينيات، بدأت شرائح واسعة من النخب السياسية والاقتصادية العربية تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية الأسواق والتكنولوجيا والاستثمار أكثر مما تنظر إليها من زاوية الصراع الأيديولوجي. وشيئاً فشيئاً انتقل النقاش العام من سؤال: كيف نحرر الأرض؟ إلى سؤال: كيف نحقق النمو الاقتصادي؟ ولم يكن لهذا التحول أثر على السياسات العامة فحسب، بل انعكس أيضاً على اللغة التي باتت تستخدمها النخب في وصف الأولويات الوطنية.

هذا التحول لم يكن نتيجة تطور طبيعي في المجتمعات العربية بل جاء أيضاً نتيجة ضغوط دولية وتحولات اقتصادية وصعود نخب سياسية وإعلامية جديدة.

وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية الأخيرة في هذه السلسلة.

فإذا كانت الهوية قد تغيرت، وإذا كانت أدوات تشكيل الوعي قد تغيرت، فكيف وصل العالم العربي إلى اللحظة التي أصبح فيها التطبيع خياراً سياسياً مقبولاً لدى بعض الدول، وموضع قابل للنقاش وحتى الجدل بشكل أقل حدة مما كان عليه في الماضي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب