خضوري… قرن من الريادة في التعليم الزراعي والتقني الفلسطيني
من مدرسة زراعية أسست قبل النكبة إلى جامعة تقنية تقود مسار التنمية والابتكار

خضوري… قرن من الريادة في التعليم الزراعي والتقني الفلسطيني
من مدرسة زراعية أسست قبل النكبة إلى جامعة تقنية تقود مسار التنمية والابتكار
مؤسسة صنعت الإنسان الفلسطيني، وحملت رسالة العلم إلى فلسطين والأردن والعالم العربي وإفريقيا
إعداد: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
مقدمة: عندما يصبح التعليم مشروعاً وطنياً

ليست قصة جامعة فلسطين التقنية – خضوري مجرد قصة مؤسسة تعليمية عريقة، بل هي قصة ارتباط عميق بين العلم والأرض والإنسان، وقصة مشروع وطني حافظ على دوره رغم التحولات السياسية الكبرى التي مرت بها فلسطين والمنطقة خلال قرن كامل.
فمنذ تأسيسها عام 1930 في مدينة طولكرم كمدرسة زراعية متخصصة، أدركت خضوري أن النهوض بالمجتمع يبدأ من بناء الإنسان القادر على امتلاك المعرفة وتحويلها إلى إنتاج، وأن حماية الأرض لا تكون فقط بامتلاكها، وإنما بامتلاك العلم الذي يمكن الإنسان من استثمارها والدفاع عنها.
وعلى امتداد تسعة عقود، تحولت خضوري من مدرسة زراعية رائدة إلى جامعة تقنية فلسطينية متخصصة، تجمع بين التعليم الزراعي والهندسي والتكنولوجي، وتحمل إرثاً وطنياً وعربياً جعل منها واحدة من أهم مؤسسات التعليم التطبيقي في فلسطين والعالم العربي.

إن الحديث عن خضوري هو حديث عن تاريخ التعليم الزراعي الفلسطيني، وعن آلاف الخريجين الذين حملوا رسالتها إلى المؤسسات الزراعية الفلسطينية والعربية والدولية، وأسهموا في بناء قطاعات إنتاجية وتنموية في فلسطين والأردن والدول العربية وإفريقيا.
أولاً: البدايات التاريخية… طولكرم تحتضن مشروعاً تعليمياً رائداً
ارتبط اختيار مدينة طولكرم لتكون موطناً لأول مدرسة زراعية فلسطينية حديثة بعوامل عديدة، في مقدمتها موقعها الجغرافي، وخصوبة أراضيها، وارتباطها التاريخي بالزراعة، حيث شكل سهلها الزراعي أحد أهم المناطق الإنتاجية في فلسطين.
وفي عام 1930 تأسست مدرسة خضوري الزراعية، لتشكل نقلة نوعية في مفهوم التعليم الزراعي، إذ لم تكن مجرد مدرسة تمنح المعرفة النظرية، بل مؤسسة تطبيقية تعتمد على التدريب العملي والتجارب الزراعية والمختبرات.
وقد جاءت فلسفة تأسيسها قائمة على قناعة بأن تطوير الزراعة الفلسطينية يحتاج إلى كوادر مؤهلة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة العملية، وهو ما جعلها نموذجاً متقدماً مقارنة بالعديد من المؤسسات التعليمية في المنطقة آنذاك.
ومنذ سنواتها الأولى، أسهمت المدرسة في تخريج كوادر زراعية كان لها دور في تطوير أساليب الإنتاج، ونشر المعرفة الزراعية، ودعم المزارعين، وإدخال مفاهيم علمية حديثة إلى القطاع الزراعي الفلسطيني.

ثانياً: خضوري بعد النكبة… مؤسسة حافظت على استمرارية التعليم
شكلت نكبة عام 1948 نقطة تحول تاريخية في حياة الشعب الفلسطيني، إلا أن خضوري استطاعت الحفاظ على استمرار رسالتها التعليمية، لتصبح واحدة من المؤسسات التي حافظت على الهوية العلمية الفلسطينية.
وخلال فترة الإدارة الأردنية للضفة الغربية، شهدت المؤسسة مرحلة مهمة من التطور، وأصبحت مركزاً تعليمياً استقطب الطلبة من مختلف المناطق الفلسطينية، إضافة إلى طلبة من الأردن وبعض الدول العربية.
وقد أسهم خريجو خضوري في بناء المؤسسات الزراعية الرسمية، والعمل في وزارات الزراعة، ومراكز البحث العلمي، وبرامج التنمية الريفية، ليصبحوا جزءاً من مسيرة بناء القطاع الزراعي في فلسطين والأردن والعالم العربي.
ولم يكن دور الخريجين محصوراً في الوظائف التقليدية، بل امتد إلى مجالات البحث والإدارة والتخطيط الزراعي، ما منح خضوري سمعة علمية تجاوزت حدود فلسطين.

ثالثاً: خريجو خضوري… سفراء للخبرة الزراعية الفلسطينية
من أبرز ما يميز مسيرة خضوري قدرتها على تخريج كوادر لم تقتصر مساهماتها على الداخل الفلسطيني، بل انتشرت في مختلف أنحاء العالم.
فقد عمل العديد من خريجيها في الأردن والدول العربية، وأسهموا في إدارة المشاريع الزراعية، وتطوير برامج الإرشاد الزراعي، وإنشاء المؤسسات الإنتاجية، ونقل الخبرات الفنية.
كما كان لهم حضور في عدد من الدول الإفريقية ودول العالم الثالث ضمن مشاريع التنمية الزراعية، وبرامج مكافحة التصحر، وتحسين الإنتاج الزراعي، وإدارة الموارد الطبيعية، سواء من خلال المؤسسات الحكومية أو المنظمات الدولية.
وهذا الانتشار يعكس القيمة العلمية التي اكتسبتها خضوري، ويؤكد أن التعليم الفلسطيني لم يكن يوماً محصوراً داخل حدوده الجغرافية، بل كان قادراً على إنتاج المعرفة وتصدير الخبرة.
رابعاً: من مدرسة زراعية إلى جامعة تقنية… التحول نحو المستقبل
مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، بدأت خضوري مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي والأكاديمي، وصولاً إلى تحولها إلى جامعة فلسطين التقنية – خضوري.
ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الاسم أو الهيكل الإداري، بل جاء استجابة لحاجة وطنية تتمثل في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا، وتوفير تخصصات تلبي متطلبات العصر.
وحافظت الجامعة على جذورها الزراعية، لكنها وسعت نطاق عملها ليشمل مجالات تقنية وهندسية متقدمة، فأصبحت تجمع بين:
العلوم الزراعية الحديثة.
الهندسة والتكنولوجيا.
الطاقة المتجددة.
الذكاء الاصطناعي.
الابتكار وريادة الأعمال.
البحث العلمي التطبيقي.

وبذلك أصبحت خضوري نموذجاً للجامعة التي تجمع بين التراث العلمي والتطور التقني.
خامساً: التعليم الزراعي الفلسطيني… بين التحديات والضرورة الوطنية
يواجه القطاع الزراعي الفلسطيني تحديات استثنائية نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتها مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والسيطرة على الموارد المائية، والقيود المفروضة على الإنتاج والتسويق.
وفي ظل هذه الظروف، لم يعد التعليم الزراعي مجرد مجال أكاديمي، بل أصبح جزءاً من منظومة الصمود الوطني.
فامتلاك المعرفة الزراعية الحديثة يعني القدرة على زيادة الإنتاج، وتحقيق الأمن الغذائي، وحماية الأرض من الإهمال أو المصادرة، وتعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستمرار.
ومن هنا فإن دور الجامعات الزراعية يجب أن يتطور من تخريج الطلبة إلى قيادة مشاريع البحث والتطوير، وربط المعرفة العلمية بحاجات المزارعين والاقتصاد الوطني.
سادساً: توصيات استراتيجية لتطوير خضوري وتعزيز دورها الوطني والعربي
1- تحويل خضوري إلى مركز إقليمي للتميز الزراعي والتقني
من خلال إنشاء مراكز متقدمة في الزراعة الذكية، والتكنولوجيا الحيوية، وإدارة المياه، والأمن الغذائي.
2- إنشاء مدينة زراعية تكنولوجية
تكون مساحة للتعليم والبحث والإنتاج، وتضم مزارع نموذجية ذكية وحاضنات أعمال زراعية.
3- تأسيس مركز عربي–إفريقي للتنمية الزراعية
استناداً إلى تاريخ الجامعة وخريجيها، ليعيد دورها في نقل الخبرات الزراعية إلى دول المنطقة.
4- إنشاء بنك وطني للبذور الفلسطينية
لحماية الأصناف المحلية وتعزيز السيادة الغذائية.
5- دعم البحث العلمي التطبيقي
من خلال صندوق وطني للبحث الزراعي يمول المشاريع المرتبطة بالمياه والمناخ والإنتاج.
6- بناء شراكات استراتيجية مع الأردن والعالم العربي
عبر برامج أكاديمية مشتركة ومشاريع بحثية تخدم التنمية الزراعية.
7- إنشاء رابطة عالمية لخريجي خضوري
لتوظيف خبرات آلاف الخريجين المنتشرين في العالم.
8- توثيق تاريخ خضوري وإنشاء مركز أرشيف ومتحف
يحفظ الذاكرة العلمية والتاريخية للمؤسسة منذ عام 1930.
خاتمة: خضوري… ذاكرة علمية ومستقبل وطني

بعد قرن من العطاء، تثبت خضوري أن المؤسسات التعليمية الكبرى لا تقاس فقط بعدد خريجيها، بل بحجم تأثيرها في المجتمع، وقدرتها على صناعة المستقبل.
فقد كانت خضوري مدرسة للأرض قبل أن تكون مدرسة للمهنة، ومشروعاً لبناء الإنسان قبل أن تكون مؤسسة لمنح الشهادات.
واليوم، وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، فإن الحفاظ على هذا الصرح العلمي وتطويره يمثل مسؤولية وطنية وعربية، لأن الاستثمار في التعليم الزراعي والتقني هو استثمار في الأمن الغذائي والسيادة والتنمية.
إن خضوري ليست مجرد جزء من تاريخ فلسطين، بل هي جزء من مستقبلها؛ جامعة حملت رسالة العلم عبر قرن كامل، وستبقى في قرنها الثاني منارة للمعرفة، وحاضنة للكفاءات، وجسراً للتعاون بين فلسطين والأردن والعالم العربي ودول الجنوب.
إعداد:
المحامي علي أبو حبلة
الأستاذ عبد البري




