عربي دولي

استراتيجية «الصمود» تحصّن الاقتصاد الإيراني | بزشكيان باقياً: لا خلاف مع القيادة

استراتيجية «الصمود» تحصّن الاقتصاد الإيراني | بزشكيان باقياً: لا خلاف مع القيادة

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شائعات استقالته ووجود خلاف مع القيادة، مؤكداً تمسّكه بمواصلة عمل حكومته رغم الضغوط. وبالتوازي، تراهن الحكومة على استراتيجية «الصمود» لاحتواء تداعيات الحرب على الاقتصاد ومنع تحوّلها إلى أزمة شاملة.

محمد خواجوئي

طهران | بالتزامن مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، والتأرجح بين الحرب والدبلوماسية على خطّ إيران والولايات المتحدة، تزداد الساحة الداخلية الإيرانية سخونة، وذلك في ظلّ تطورات متلاحقة لعلّ أبرزها الشائعة المتداولة عن استقالة الرئيس مسعود بزشكيان. وعلى الرغم من دأْب الرجل ومسؤولي حكومته على نفي تلك الشائعة باستمرار، فإنها ظلّت حاضرة بقوة. ومردّ هذا الحضور، على الأرجح، إلى أن بزشكيان، الذي شكّل حكومته قبل عامَين في مثل هذه الأيام، رافعاً شعار «الوفاق الوطني» الذي ترجمه باستحضار وجوه معتدلة من التيارَين الأصولي والإصلاحي، واضعاً نصب عينيه ترميم التصدّعات السياسية، وتحسين الوضع الاقتصادي، وخفض منسوب التوتر في العلاقات الخارجية، وجد أن التوترات والحروب المتلاحقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ألقت بظلالها على مجمل برنامج حكومته. ومن هنا، ألْفت المزاعم عن أن الرئيس لا يرغب في مواصلة العمل، وأن طغيان المقاربات الأمنية والعسكرية يشكّل عائقاً أمام المضيّ في تنفيذ خطط حكومته، أرضية خصبة للنمو.
وأخيراً، أثار انتشار مقطع فیدیو للأمين العام لجماعة «حزب الله الإیراني»، محمد باقر خرازي، وهو من أقرباء المرشد الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، جدلاً واسعاً، بعدما زعم خرازي أن بزشكيان قدّم استقالته، أو لوّح بها، أكثر من مرّة، وأنه في آخر هذه المرّات، قال خامنئي إنه إذا جدّد بزشكيان تقديم استقالته فسيقبلها. وأثار نشر هذا المقطع ضجة كبيرة، وأعاد إلى الواجهة الشائعات المتّصلة باستقالة الرئيس، وبالخلافات الجاري الحديث عنها بينه وبين القيادة العليا، والتي يُقال إن أحد محاورها يتعلّق بكيفية التعامل مع الولايات المتحدة، وبمصير «مذكّرة التفاهم» الموقّعة بين طهران وواشنطن.

إلّا أنه فور انتشار المقطع، سارع مكتب خامنئي إلى إصدار بيان رسمي وصف فيه الكلام المنسوب إلى المرشد بأنه «كذب محض ومخالف للواقع»، منبّهاً إلى أن أيّ كلام يُنسب إلى القيادة، ويؤدّي إلى «الانقسام والاستقطاب في المجتمع»، إنما يصبّ في خدمة أهداف الأعداء. أمّا بزشكيان نفسه، فقال في مقابلة تلفزيونية بوضوح: «لن أستقيل، وسأصمد. وإذا أردتُ أن أستقيل فسأعلن ذلك رسمياً». كما نفى التكهّنات بشأن وجود خلاف مع القيادة، قائلاً إن بعضهم «يريدون اختلاق خلاف».
وفي هذا السياق، يرى البعض أن خلفية الشائعات المتداولة عن استقالة بزشكيان، الذي بدا لافتاً أمس الإعلان أنه التقى المرشد وبحث معه القضايا العسكرية والاقتصادية في البلاد، تقف وراءها أطراف معارضة لتحالف بزشكيان – قاليباف، وتسعى، في ظلّ المشهد السياسي الجديد في إيران المتشكّل بعد الحرب، إلى تحسين موقعها، عبر إضعاف موقع هاتَين الشخصيتَين.

لم تسمح الحكومة، بالاستناد إلى استراتيجيات متعدّدة المستويات، بأن تؤدي الضغوط إلى انهيار اقتصادي

وفي الصورة الأعمّ، يبرز اليوم في إيران نقاش مستمر حول ثنائية «الحرب والتفاوض»، مرتكزُه التساؤل الجوهري حول ما هي الأولوية؟ هل هي مواصلة الصمود الميداني، واستخدام التصعيد كورقة ضغط في التفاوض مع الولايات المتحدة، أم المضيّ نحو نوع من التسوية لفرملة الاستنزاف الاقتصادي والأمني؟ يعتقد أنصار المقاربة الأولى بأن التراجع في ظلّ الضغوط العسكرية والعقوبات سيُغري الطرف الآخر برفع سقف مطالبه، وأن أيّ مؤشر على المرونة قد يُفسَّر على أنه ضعف. في المقابل، يرى دعاة المسار الثاني أن الاقتصاد الإيراني ليس قادراً على تحمّل استنزاف طويل الأمد، وأنه من دون حدوث انفراجة في مبيعات النفط والتحويلات المالية، وتهدئة الأوضاع، لن يكون ممكناً تنفيذ أيّ برنامج داخلي مُستدام، مشدّدين على ضرورة الحيلولة دون انزلاق البلاد إلى حالة من الاهتراء.
وإذ يرى البعض في تلك النقاشات والاختلافات دليلاً على حيوية المناخ السياسي في إيران، ويعتقدون أنه ما لم يؤدِّ ذلك إلى شلل في اتخاذ القرار، فهو يمكن أن يساهم في بلورة قرار صائب ومثالي وأقلّ كلفة، تجد حكومة بزشكيان نفسها في وضعية مزدوجة؛ إذ يتعيّن عليها، من جهة، أن تثبت للرأي العام أنها ليست في موقع المنفعل أمام الضغوط الخارجية، وألّا تتحدّث من منطلق ضعف. ومن جهة أخرى، تبدو مضطرة إلى الإجابة عن تساؤلات الشارع نفسه حول أسباب تآكل القدرة الشرائية، واضطراب الأسواق، وغموض المستقبل. ولهذا السبب، يرتكز الخطاب الرسمي للحكومة على مفاهيم «التضامن» و«الصمود» و«تجاوز الضغوط» بأقلّ قدر ممكن من الأضرار والتكاليف.

والواقع أن الوضع الاقتصادي الراهن في إيران يمثّل التحدّي الأهمّ أمام حكومة بزشكيان، بعدما زادت ظروف الحرب من صعوبته. ووفقاً للأرقام الرسمية، بلغ متوسّط معدّل التضخّم السنوي نحو 80%، وهو مستوى غير مسبوق منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كذلك، أدّت الهجمات على البنى التحتية للطاقة، ومنها منشآت الغاز في عسلويه خلال الحرب، إلى تفاقم اختلالات الطاقة، فيما تسبّب تدمير عدد من المصانع، ومن بينها مصانع للصلب والبتروكيميائيات، بإلحاق أضرار بسلاسل إنتاج بعض السلع، وهو ما فاقم بدوره أزمة البطالة. كذلك، ألحق استمرار الحصار البحري الأميركي ضرراً بمبيعات النفط الإيرانية، وبحركة الصادرات والواردات.
ومع ذلك، لم تسمح الحكومة، بالاستناد إلى استراتيجيات متعدّدة المستويات، بأن تؤدّي هذه الضغوط إلى انهيار اقتصادي. وكان من بين تلك الإجراءات إعطاء الأولوية لتأمين السلع الأساسية وزيادة استيراد السلع عبر الحدود البرية بهدف تفادي حصول نقص في الأسواق، وإطلاق خطط لإعادة الإعمار وإحياء الإنتاج بما يتيح ترميم الأضرار التي أصابت البنى التحتية، فضلاً عن السعي إلى تثبيت سوق الصرف، وكبح التضخّم عبر سياسات طارئة للمصرف المركزي وضبط المدفوعات. ويضاف إلى ذلك التشديد على تهدئة المناخ السياسي، والحفاظ على التماسك الداخلي، منعاً لتعرّض السوق لمزيد من الصدمات النفسية. ومع أن الإجراءات المُشار إليها لم تتمكّن من إخراج الاقتصاد من تحت وطأة الضغوط الثقيلة للحرب، فإنها، عبر إدارة سوق الصرف، واحتواء نسبي لموجات الاضطراب، حالت دون انفجار أزمة شاملة، وأظهرت أن الحكومة، رغم ضيق هامش حركتها، مُصمِّمة على أن تقود سفينة الاقتصاد، بالتدبير والتخطيط، إلى شاطئ الاستقرار وسط العاصفة القاسية التي تمرّ بها البلاد.
وفي هذا السياق، أقرّ بزشكيان، أمس، في حديث إلى الصحافيين، بوجود مشاکل في الاقتصاد الإيراني، من بينها ارتفاع معدّلَي التضخم والبطالة، مشيراً إلى جهود الحكومة لاحتواء هذه الأزمة، ومنها تأمين السلع الأساسية، وخطّة القسائم الإلكترونية. كما لفت، في معرض حديثه عن سلسلة الحوادث والضغوط التي فُرضت على إيران خلال العامَين الأخيرين، إلى أن «كلّ واحد من هذه الحوادث كان كفيلاً بإسقاط دولة. أمّا أننا لم نواجه حتى اليوم مشكلة في مسار تقديم الخدمات الاجتماعية، فذلك يعود إلى جهود جميع المدراء، ومجمل النظام والمنظومة التي تواصل العمل وتقديم الخدمات».

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب