فلسطين

“هشومير هحداش”: من حراسة المزارع إلى الاستيطان في الجليل

“هشومير هحداش”: من حراسة المزارع إلى الاستيطان في الجليل

برز اسم منظمة “هشومير هحداش” في قضية الاستيطان قرب مجد الكروم، بعدما انتقلت من حراسة المزارع إلى لعب دور متزايد في الزراعة والاستيطان وتعزيز الحضور اليهودي في المناطق المفتوحة.

دفعت قضية الاستيطان في بلدة مجد الكروم بالجليل الأعلى اسم “هشومير هحداش” إلى واجهة المشهد في أيلول/ سبتمبر 2026، بعدما تقرر إسناد إدارة الموقع المستهدف إلى ثلاثة من عناصرها، بدلًا من “شبيبة التلال” الذين أقاموه بصيغته الأولى.

وأعادت هذه الخطوة تسليط الضوء على منظمة بدأت عام 2007 كمبادرة لحراسة مزرعة عائلية في الجليل، ثم توسعت خلال أقل من عقدين لتبني شبكة واسعة من المتطوعين والشراكات مع مؤسسات حكومية والصندوق القومي اليهودي والشرطة وحرس الحدود، ولتدخل مجالات الزراعة والتعليم والأمن المجتمعي والاستيطان، خصوصًا في الجليل والنقب والمناطق المفتوحة.

من مبادرة شخصية إلى مشروع صهيوني واسع

انطلقت منظمة “هشومير هحداش”، أو “الحارس الجديد”، عام 2007 كمبادرة لحراسة مزرعة عائلية في الجليل، ثم اتسع نشاطها خلال أقل من عقدين ليشمل الزراعة والأمن المجتمعي والتعليم والاستيطان، مستندة إلى شبكة واسعة من المتطوعين وشراكات مع مؤسسات حكومية والصندوق القومي اليهودي والشرطة وحرس الحدود.

وتعود بداية المنظمة إلى “يوئيل زيلبرمان”، الذي نشأ في موشاف “تسيبوري” في الجليل ضمن عائلة تعمل في تربية المواشي. ويدعي أن مزرعة عائلته تعرضت على مدار سنوات لسرقة المواشي والإضرار بالممتلكات والأسوار والمراعي، ما دفعه خلال خدمته العسكرية إلى العودة إلى المزرعة والمبيت فيها من أجل حراستها.

وانضم إليه لاحقًا عدد من المتطوعين، ثم التقى بـ”أون ريفمان”، الذي كان ناشطًا في الحملة العامة التي أعقبت قضية “شاي درومي”، الذي أطلق النار عام 2007 على مجموعة من البدو العرب قال إنهم دخلوا مزرعته في النقب لسرقة المواشي، ما أدى إلى مقتل خالد الأطرش وإصابة آخر، وأثار الحادث جدلًا واسعًا في إسرائيل حول حق المزارعين في استخدام القوة لحماية ممتلكاتهم.

ومن هذا السياق، تأسست “هشومير هحداش” على يد زيلبرمان وريفمان، قبل أن تُسجّل رسميًا كجمعية في 27 آذار/ مارس 2008. واختار المؤسسان اسم المنظمة نسبة إلى منظمة “هشومير” الصهيونية التي نشطت في فلسطين خلال بدايات القرن العشرين، فيما تقدم المنظمة نفسها اليوم باعتبارها امتدادًا لما تسميه “الصهيونية العملية”، وهو اتجاه ارتبط خصوصًا بـ”مناحيم أوسيشكين”، الذي ركز على الاستيطان وشراء الأراضي والهجرة وترسيخ حضور يهودي فعلي على الأرض.

وتقول المنظمة في تعريفها الرسمي إن رؤيتها تقوم على ربط “شعب إسرائيل بتراثه وأرضه”، فيما ركزت أهدافها المسجلة عند التأسيس على الحراسة التطوعية للموشافات اليهودية وللأراضي التي تستأجرها سلطات الدولة في الجليل والنقب، ومنع الاعتداءات والأضرار الاقتصادية التي تلحق بممتلكات المزارعين، إلى جانب إنشاء نقاط للحراسة والمراقبة وتطوير برامج قيادة للشباب وتعزيز الارتباط بالأرض والزراعة والتراث الصهيوني.

من حراسة المزارع إلى تثبيت الحضور في الأرض

تركز نشاط المنظمة في سنواتها الأولى على حراسة المزارع والمراعي والممتلكات الزراعية، واعتمدت بصورة أساسية على متطوعين يتواجدون في المناطق المفتوحة خلال ساعات الليل والمواسم التي ترتفع فيها عمليات السرقة والإضرار بالممتلكات. ومع اتساع نشاطها، بدأت المنظمة تعتمد مفهوم “الحضور في الميدان”، إذ تقول إن استمرار الوجود المدني في المناطق الزراعية يساعد في الحفاظ على الأمن الشخصي واستمرار النشاط الزراعي.

وانطلاقًا من هذا المفهوم، وسعت المنظمة نشاطها ليشمل دوريات تطوعية وحراسة للمزارع والمراعي والمخازن ومراكز التعبئة، ثم انتقلت تدريجيًا من حراسة النشاط الزراعي إلى المشاركة فيه بصورة مباشرة، فأصبحت تنظم متطوعين للعمل في المزارع خلال مواسم الزراعة والقطاف، وتساعد المزارعين في حالات نقص العمال، كما أطلقت برامج تستهدف إدخال الشباب إلى القطاع الزراعي.

ومع هذا التوسع، أضافت المنظمة إلى نشاطها مجال “الأمن الغذائي”، فيما ازداد حجم العمل الزراعي بصورة واضحة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما واجه القطاع الزراعي نقصًا كبيرًا في الأيدي العاملة، ما دفع المنظمة إلى تكثيف عمليات تجنيد المتطوعين للعمل في المزارع في مناطق مختلفة. وفي الوقت نفسه، أصبح الأمن الغذائي والأمن المجتمعي والاستيطان أكثر حضورًا ضمن مجالات عملها المعلنة.

وبالتوازي مع ذلك، أنشأت المنظمة قسمًا خاصًا بالاستيطان يعمل، وفق تعريفها، على تعزيز الاستيطان المدني في المناطق الحدودية من خلال مستوطنات جديدة وقرى طلابية ومزارع عائلية ونوى استيطانية وبرامج ما قبل الخدمة العسكرية.

وتعرض المنظمة حاليًا عددًا من المشاريع في مناطق مختلفة، من بينها “بترون”، وهو موشاف زراعي جديد في غور الأردن بالضفة الغربية، ما يعني أن نشاطها الحالي يمتد إلى الضفة الغربية إلى جانب الجليل والنقب. كما تشارك في مشروع “نيتسانا” في النقب قرب الحدود المصرية، إضافة إلى “متسبيه يهوناتان” قرب مدينة عراد، حيث تقول المنظمة إن نواة استيطانية انتقلت إلى الموقع عام 2025، وإن نحو عشرين عائلة تقيم فيه. كما تعرض مشروعًا في “متسبيه شاليم” قرب البحر الميت لاستيعاب عائلات استيطانية جديدة.

التعليم والشباب كجزء من توسع المنظمة

وسعت “هشومير هحداش”، إلى جانب نشاطها في الحراسة والزراعة والاستيطان، عملها في مجال التعليم وبرامج الشباب، وأنشأت مجموعة من الأطر التعليمية والتطوعية التي تربط بين الدراسة والعمل الزراعي والخدمة العامة.

وفي عام 2015، أسست شبكة مدارس “آدم وأدما” التي تجمع بين التعليم الثانوي والعمل الزراعي، إذ يشارك الطلاب في العمل داخل المزارع إلى جانب الدراسة الأكاديمية. كما تدير المنظمة حركة “نوعر هشومير”، وبرامج الخدمة التطوعية ومعاهد ما قبل الخدمة العسكرية، وبرامج للخدمة الوطنية، فضلًا عن نشاطات مخصصة لطلاب المدارس. وتشير المعطيات إلى أن حركة “نوعر هشومير” تشرف على أكثر من 22 ألف طالب وطالبة في أكثر من 150 منطقة موزعة على 19 مجلسًا إقليميًا ومحليًا.

وفي هذا الإطار، تعمل المنظمة بالتعاون مع مؤسسات حكومية في عدد من البرامج والمشاريع، ومنها مشروع “لفلاحتها وحمايتها” الذي تنفذه بالشراكة مع وزارة الاستيطان والمهمات القومية، إلى جانب برامج تتعلق بالصهيونية واليهودية والعمل المجتمعي. وتظهر بيانات المشتريات الحكومية مشروعًا مشتركًا معها بقيمة إجمالية بلغت ثمانية ملايين شيكل عام 2025، إضافة إلى اتفاقات أخرى بملايين الشواكل خلال عامي 2025 و2026.

شراكة مع الصندوق القومي اليهودي

ومع اتساع مجالات عملها، طورت “هشومير هحداش” علاقات مع عدد من المؤسسات الحكومية، وتقول المنظمة إنها تعتمد في تمويلها على دعم من الدولة إلى جانب التبرعات الخاصة. وتبرز في هذا السياق علاقتها بالصندوق القومي اليهودي، الذي يرتبط معها بمشاريع تشمل الغابات والمناطق الزراعية والمراعي ومراقبة الحرائق والأراضي المفتوحة والعمل الزراعي والتطوعي والإبلاغ عن التعديات والدخول غير المرخص إلى أراضي الصندوق.

وبلغت التكلفة الإجمالية لأحد المشاريع المشتركة بين الجانبين خلال عام 2024 نحو 32.7 مليون شيكل، حيث ساهم الصندوق منها بنحو 16.3 مليون شيكل. أما المشروع المخطط لعام 2026، فتبلغ تكلفته نحو 30.4 مليون شيكل، مع مساهمة من الصندوق تزيد قليلًا على 15.2 مليون شيكل.

كما امتدت علاقات المنظمة إلى الشرطة وحرس الحدود في مجال مكافحة الجريمة الزراعية، إذ تشير وثائق وزارة الأمن الداخلي إلى أن 74 متطوعًا من المنظمة انضموا إلى أطر حرس الحدود حتى عام 2018، فيما كان نحو ثلاثين متطوعًا آخر في مراحل استكمال الإجراءات.

وترافق هذا التوسع مع نمو كبير في حجم المنظمة، إذ بلغ دخلها المعلن عنه عام 2024 نحو 170.6 مليون شيكل، وبلغ عدد موظفيها 745 موظفًا، وسجلت أكثر من 155 ألف متطوع، مقابل دخل بلغ نحو 97.1 مليون شيكل و342 موظفًا عام 2021.

“هشومير هحداش” في صدارة المشهد

بدأت قضية مجد الكروم في النصف الأول من أيلول/سبتمبر 2026، عندما أقام مستوطنون من “شبيبة التلال” قدموا من مستوطنات في الضفة الغربية خيامًا ومنشآت قرب بلدة مجد الكروم في الجليل الأعلى، في أرض خُصص استخدامها للرعي. لكن ما ظهر على الأرض تجاوز هذا الاستخدام، إذ مُدّت المياه والكهرباء، ووُضعت خزانات وتجهيزات، وأقيمت خيام للسكن، في وقت لم يكن فيه قطيع في المكان، رغم أن اتفاق الرعي كان قائمًا منذ كانون الثاني/يناير 2026.

ومع اتضاح طبيعة الموقع، تصاعدت الاعتراضات والاحتجاجات في مجد الكروم. وفي 15 أيلول/سبتمبر 2026، اتُّخذ قرار بتفكيك المنشآت ونقلها من الموقع. لكن تفكيك الموقع لم يُنهِ المشروع؛ ففي 22 أيلول/سبتمبر 2026، وصل رئيس الصندوق القومي اليهودي، إيال أوسترينسكي، إلى المنطقة، وبعد جولة ميدانية أعلن صيغة جديدة تقوم على إعادة نقطة الرعي على بعد نحو 400 متر من الموقع السابق، وتقليص عدد الخيام من ثلاث إلى اثنتين، وخفض عدد الموجودين من خمسة إلى ثلاثة أشخاص، مع نقل الموقع بالكامل إلى أرض يقول الصندوق إنه يملكها.

وفي هذه المرحلة، دخلت “هشومير هحداش” إلى المشهد، إذ قرر أوسترينسكي استبدال المستوطنين القادمين من الضفة بثلاثة من عناصر المنظمة من الجليل، وقال إن اختيارهم جاء لأنهم يعرفون طبيعة المنطقة و”نسيج الحياة الحساس” فيها، ويمكنهم تنفيذ المهمة من دون خلق توتر إضافي. كما حددت الصيغة الجديدة وظيفة الموقع في استقبال القطيع، ومبيت الحراس، وتخزين المعدات.

وهكذا تغيرت الصيغة، لكن فكرة الحضور في الأرض بقيت قائمة؛ فقد جرى نقل الموقع وتغيير هوية الموجودين وتقليص المنشآت، بينما استمرت نقطة الرعي نفسها ضمن إطار أكثر تنظيمًا وقدرة على الصمود أمام الاعتراضات القانونية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر إذا وضعت في سياق خطاب بتسلئيل سموتريتش خلال صيف 2026، حين دعا إلى توسيع الاستيطان والمزارع اليهودية في الجليل والنقب، وربط ذلك بالسيطرة على الأرض وتعزيز الحضور اليهودي. ومع ذلك، لا تظهر حتى الآن وثيقة تربط ما جرى قرب مجد الكروم مباشرة بخطة حكومية بعينها، لكن الطريقة التي أُدير بها الموقع تنسجم مع ما يجري في الضفة الغربية من توظيف الرعي والزراعة كوسيلتين لتوسيع الحضور الاستيطاني وترسيخه ضمن أطر رسمية.

عرب 48

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب