مقالات

المتقاعدون من رجال التعليم بالمغرب: من صُنّاع الأجيال إلى ضحايا النسيان..

المتقاعدون من رجال التعليم بالمغرب: من صُنّاع الأجيال إلى
ضحايا النسيان..

الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب

التدريس مهنة شاقة ورسالة نبيلة، يقضي رجل التعليم سنوات
طويلة من عمره في أداء واجبها، معلّمًا ومربّيًا ومساهمًا في
إعداد الأجيال التي ستتحمل مسؤولية بناء المجتمع وتطوير
الوطن. فهو الذي يفتح أمام الناشئة أبواب المعرفة، ويسهم في
تكوين الأطباء والمهندسين والباحثين وغيرهم من الكفاءات التي
تحتاج إليها البلاد.

لكن المفارقة المؤلمة أن رجل التعليم المغربي، الذي أفنى عمره
في خدمة الأجيال، يجد نفسه بعد التقاعد أمام واقع مادي لا
يعكس حجم ما قدمه من عطاء. فبدل أن تكون هذه المرحلة
مناسبة للراحة والاستقرار بعد سنوات العمل، تتحول بالنسبة إلى
كثيرين إلى مواجهة يومية مع تكاليف المعيشة والعلاج والأدوية
وسائر متطلبات الحياة.
وفي الوقت الذي يستفيد فيه المدرّسون الممارسون، من حين إلى
آخر، من مراجعات في أجورهم، يظل المتقاعدون ينتظرون
الإنصاف وتحسين معاشاتهم، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع
القدرة الشرائية. وكأن انتهاء المسار المهني يجعل مطالب هذه
الفئة أقل إلحاحًا، رغم أن أفرادها أدوا الرسالة التربوية نفسها
وأسهموا في بناء المنظومة التعليمية التي يستفيد منها المجتمع
اليوم.
أرقام تفتح باب المساءلة.
بحسب معطيات الصندوق المغربي للتقاعد، التي نشرتها صحيفة
«Aujourd’hui Le Maroc» في 14 نوفمبر 2025، بلغ
متوسط المعاش الشهري الرئيسي ضمن نظام المعاشات المدنية
8567 درهمًا في نهاية سنة 2024، فيما بلغ متوسط معاشات
المتقاعدين الجدد 10920 درهمًا شهريًا.
وهذه الأرقام تخص المستفيدين من نظام المعاشات المدنية
عمومًا، ولا تمثل معاشات رجال التعليم وحدهم. كما أن

المتوسطات الإحصائية لا تكشف وحدها عن الأوضاع الفعلية لكل
متقاعد، ولا عن مدى كفاية معاشه لتغطية النفقات الأساسية.
فالمعيار الحقيقي ليس الرقم الذي يظهر في الإحصاءات، بل ما
إذا كان المتقاعد يستطيع أن يعيش من معاشه بكرامة، وأن
يتحمل تكاليف العلاج والسكن والغذاء دون أن يضطر إلى
التضحية باحتياجات ضرورية أو الاستنجاد بأبنائه لتدبير شؤونه
اليومية.
وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات إيلامًا: أن يجد رجل التعليم،
بعد عقود من العطاء والتضحية، نفسه عاجزًا عن توفير بعض
متطلبات حياته، فيصبح مضطرًا إلى الاعتماد على أبنائه، الذين
ساهم هو نفسه في تربية أجيالهم وتعليمها. وليس في مساعدة
الأبناء لآبائهم ما ينتقص من شأنها، بل إن ذلك من أسمى صور
التضامن الأسري؛ غير أن المؤلم هو أن يتحول هذا التضامن إلى
ضرورة تفرضها محدودية المعاش بدل أن يكون اختيارًا نابعًا من
المودة والوفاء.
المتقاعد في الدول الغربية: الحماية الاجتماعية والاعتراف
بالعطاء.
تتضح المفارقة أكثر عندما نقارن أوضاع المتقاعدين في المغرب
بما توفره دول غربية، مثل فرنسا، من أنظمة للمعاشات والتغطية
الصحية والحماية الاجتماعية.
فبحسب المعطيات الإحصائية لوزارة التربية الوطنية الفرنسية،
بلغ متوسط المعاش الشهري الإجمالي للمدرسين الجدد

المتقاعدين سنة 2023 نحو 2900 يورو لمعلمي المرحلة
الابتدائية و3200 يورو لمدرّسي المرحلة الثانوية، لدى الفئات
التي تعتمد على نظام تقاعد واحد.
كما يستمر المتقاعد في فرنسا في الاستفادة من التغطية الصحية
وفق نظام التأمين الصحي، الذي شملت تغطيته 99.9% من
السكان سنة 2024، بحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية.
وتعكس هذه المعطيات أهمية منظومة الحماية الاجتماعية في
توفير الاستقرار للمتقاعد، بحيث لا ينحصر الاهتمام به في صرف
معاش شهري، بل يمتد إلى ضمان حصوله على الرعاية الصحية
والحماية التي يحتاج إليها في مرحلة متقدمة من العمر.
إن الفارق الذي يستحق التأمل لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل
بالمكانة التي يحتلها المتقاعد في السياسات الاجتماعية، وبمدى
قدرة النظام على أن يضمن له العيش بكرامة والاستفادة من
حقوقه دون أن يصبح معتمدًا على أسرته لتغطية احتياجاته
الأساسية.
فالمجتمع الذي يقدّر عطاء الإنسان لا يتركه يواجه وحده أعباء
الشيخوخة، بل يحرص على أن تكون سنوات التقاعد امتدادًا
لحياة مستقرة، يشعر فيها المرء بالأمان والاعتراف بما قدمه
لوطنه.
الحكومة الحالية أمام مسؤولية الإنصاف.

إن الحكومة المغربية الحالية مطالبة بتحمل مسؤوليتها تجاه
المتقاعدين من رجال التعليم، والانتقال من الوعود السابقة التي
لم تحقق تطلعاتهم إلى إجراءات ملموسة تستجيب لمطالبهم
المشروعة.
فقد طال انتظار هذه الفئة لتحسين أوضاعها المادية، بينما ظلت
تكاليف المعيشة تتزايد، وأصبحت القدرة الشرائية لمعاشات كثير
من المتقاعدين موضع قلق. ومن غير المقبول أن يظل الاعتراف
برسالة رجل التعليم حبيس الخطب والمناسبات، دون أن يترجم
إلى تدابير تحفظ كرامته بعد انتهاء خدمته.
إن المطلوب هو مراجعة أوضاع المعاشات المحدودة، والبحث
عن آليات منصفة لحماية القدرة الشرائية، وتحسين شروط
الاستفادة من الرعاية الصحية والعلاج، مع مراعاة استدامة
أنظمة التقاعد. كما ينبغي أن تحظى هذه الفئة باهتمام واضح في
السياسات الاجتماعية، باعتبارها شريحة أدت واجبها المهني
وأسهمت في تكوين أجيال متعاقبة.
فالمتقاعد من رجال التعليم لا يطالب بامتياز استثنائي، وإنما ينشد
حياة كريمة تتناسب مع سنوات عمله وتضحياته. وهو لا يريد أن
يتحول، بعد أن كان عنصرًا فاعلًا في المجتمع، إلى شخص يشعر
بأنه أصبح عبئًا على أبنائه بسبب ضعف موارده.
إن إنصاف المتقاعدين ليس مجرد ملف اجتماعي عابر، بل
اختبار لمدى وفاء الدولة لمن أسهموا في بناء أجيالها. ومن أفنى
عمره في تعليم أبناء الوطن يستحق أن يعيش ما تبقى من حياته

في طمأنينة، وأن يجد في معاشه ما يصون كرامته، وفي منظومة
الرعاية الصحية ما يحفظ صحته، وفي مجتمعه اعترافًا فعليًا
برسالته.
فهل تنجح الحكومة الحالية في إنصاف المتقاعدين من رجال
التعليم، وتضع حدًا لمعاناتهم المعيشية، أم يستمر هؤلاء في
انتظار قرارات تعيد إليهم الاعتبار الذي يستحقونه بعد عقود من
العطاء؟

الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب