إسرائيل أمام ليلة الحساب.. استطلاعات متضاربة ومفاجآت محتملة تعيد رسم المشهد السياسي

إسرائيل أمام ليلة الحساب.. استطلاعات متضاربة ومفاجآت محتملة تعيد رسم المشهد السياسي
إعداد وتقرير: صحيفة صوت العروبة
تدخل إسرائيل الساعات الأخيرة من المعركة الانتخابية وسط حالة من الغموض السياسي، في ظل تباين استطلاعات الرأي بشأن فرص المعسكرات المتنافسة، واحتمالات بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة أو انتقال الحكم إلى معسكر يسعى إلى إنهاء هيمنته على المشهد السياسي. وبينما تمنح بعض الاستطلاعات أفضلية نسبية لقوى المعارضة، تضع تقديرات أخرى نتنياهو أمام فرصة للاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية، ما يجعل النتيجة النهائية مفتوحة على احتمالات متعددة.
ولا تتوقف أهمية هذه الانتخابات عند تحديد الحزب الأكبر في الكنيست، بل تتجاوز ذلك إلى السؤال الأكثر حساسية: من يستطيع تأمين 61 مقعدًا من أصل 120 لتشكيل حكومة؟ فالفوز بعدد أكبر من المقاعد لا يعني بالضرورة القدرة على الحكم، خصوصًا في ظل تعدد الأحزاب وتباين مواقفها السياسية والأيديولوجية، وتعقيدات التحالفات التي تحكم النظام البرلماني الإسرائيلي.
استطلاعات متناقضة ومنافسة بلا حسم
تقدم الاستطلاعات المنسوبة إلى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية كان 11 والقناة 12 والقناة 13، إلى جانب استطلاعات صحفية أخرى، صورة متباينة لموازين القوى. فبعضها يمنح المعسكر المناهض لنتنياهو تقدمًا محدودًا، فيما تشير تقديرات أخرى إلى تقارب شديد بين الكتلتين الرئيسيتين.
ووفق الأرقام الواردة في الاستطلاعات المتداولة، يمنح استطلاع القناة 13 معسكر التغيير 54 مقعدًا مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، مع تقدير تمثيل الأحزاب العربية بنحو 16 مقعدًا. كما يضع حزب «يشار»، بقيادة غادي أيزنكوت، في موقع متقدم بنحو 22 مقعدًا، مقابل 19 لليكود و14 لحزب «بياحاد» بقيادة نفتالي بينيت.
في المقابل، أظهرت تقديرات أخرى تقاربًا أكبر، فيما منحت استطلاعات منسوبة إلى القناة 14 ومنصة i24 معسكر نتنياهو فرصة الوصول إلى 61 مقعدًا، مقابل 45 لمعسكر أيزنكوت.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف منهجيات الاستطلاع والعينات المستخدمة، بل يكشف أيضًا عن هشاشة التوازنات السياسية وصعوبة التنبؤ بالنتيجة النهائية. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام تقديرات لنية التصويت، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها نتائج محسومة أو دليلًا قاطعًا على اتجاه الفوز.
نتنياهو وأيزنكوت.. معركة على قيادة المرحلة المقبلة

تتمحور المنافسة السياسية حول مستقبل نتنياهو، الذي يواجه تحديًا يتعلق بقدرته على الحفاظ على تحالفاته اليمينية والدينية، في مقابل مساعي خصومه إلى تشكيل بديل حكومي قادر على جمع أغلبية برلمانية.
ويحاول أيزنكوت توسيع قاعدة التأييد لحزبه، مستفيدًا من رغبة قطاعات من الناخبين في التغيير، ومن الانتقادات المرتبطة بأداء القيادة السياسية والأمنية خلال المرحلة التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي تلتها.
لكن التحدي أمام أيزنكوت لا يتمثل في حصد المقاعد فحسب، وإنما في تحويلها إلى ائتلاف قابل للحكم. فالمعسكر المناهض لنتنياهو يضم قوى تختلف في توجهاتها السياسية ومواقفها من القضايا الأمنية والدينية والاجتماعية، وقد تتحول هذه الاختلافات إلى عقبة أمام تشكيل حكومة متماسكة.
في المقابل، يراهن نتنياهو على تماسك قاعدته الانتخابية وقدرة الأحزاب المحافظة والمتدينة على حشد أنصارها، مع الاستفادة من أي تراجع في نسبة المشاركة لدى خصومه.
الأحزاب العربية.. وزن انتخابي وتأثير سياسي معقد
تحتل الأحزاب العربية موقعًا مهمًا في الحسابات الانتخابية، إذ يمكن لارتفاع نسبة المشاركة العربية أن يؤثر في توزيع المقاعد ويحد من فرص حصول معسكر نتنياهو على أغلبية مريحة.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتمال حصول القائمتين العربية المشتركة والموحدة على تمثيل مؤثر، شرط تجاوزهما نسبة الحسم. غير أن الوزن الانتخابي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ حكومي، في ظل الخلافات بشأن طبيعة التعاون الممكن مع الأحزاب الصهيونية ومواقف القوى اليهودية من الاعتماد على الدعم العربي.
وتبرز هنا معضلة تشكيل الحكومة: فقد تسهم زيادة التمثيل العربي في إضعاف فرص نتنياهو، لكنها لا تضمن بالضرورة قدرة خصومه على تشكيل حكومة بديلة، خصوصًا مع وجود تحفظات داخل المعسكر المناهض له بشأن تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم أحزاب عربية من خارج الائتلاف.
الحريديم والأحزاب الصغيرة.. مقاعد قد تقلب المعادلة
تكتسب أصوات الأحزاب الحريدية أهمية إضافية في ضوء التوقعات المتداولة بشأن تغير حجم تمثيلها. وتشير بعض التقديرات إلى احتمال تراجع مقاعد حزب شاس، مقابل تحسن نسبي في تمثيل يهدوت هتوراه، مع بقاء النتائج رهينة نسبة المشاركة وتماسك القواعد الانتخابية.
كما قد تلعب الأحزاب الصغيرة دورًا حاسمًا، ولا سيما تلك التي تدور حول نسبة الحسم. فإخفاق حزب في دخول الكنيست قد يؤدي إلى خسارة الأصوات التي حصل عليها في توزيع المقاعد، الأمر الذي قد يمنح أحد المعسكرين أفضلية غير متوقعة.
وتقدم انتخابات عام 2022 مثالًا على أهمية هذه المسألة، عندما أخفق حزبا ميرتس والتجمع في تجاوز نسبة الحسم، في تطور ساهم ضمن عوامل أخرى في تعزيز أغلبية معسكر اليمين والأحزاب الحريدية. ولذلك، فإن مصير الأحزاب الصغيرة قد يكون أكثر تأثيرًا من حجمها الظاهر في الاستطلاعات.
الإقبال الانتخابي.. العامل الذي قد يغير النتائج
تتجه الأنظار إلى نسبة المشاركة، باعتبارها أحد أبرز العوامل القادرة على تغيير التوقعات. فارتفاع الإقبال بين الناخبين المحافظين والمتدينين قد يعزز فرص نتنياهو، بينما يمكن لزيادة المشاركة لدى خصومه والناخبين العرب أن تعيد ترتيب موازين القوى.
كما يظل تأثير الناخبين الجدد والشباب موضع نقاش، إذ لا يمكن تفسير اتجاهات التصويت بالعمر وحده، في ظل تداخل عوامل التدين والانتماء السياسي والمواقف الأمنية والاجتماعية.
أما مشاركة الإسرائيليين المقيمين خارج البلاد، فتظل عاملًا إضافيًا ينبغي تقييمه وفق القواعد القانونية المنظمة للتصويت، وعدد الناخبين المؤهلين الذين يمكنهم المشاركة فعليًا، وليس استنادًا إلى التقديرات العامة وحدها.
ماذا لو لم يتمكن أي معسكر من تشكيل الحكومة؟
إذا أخفق المعسكران في جمع 61 مقعدًا، فستبدأ مفاوضات معقدة لتشكيل ائتلاف، وقد تتجه القوى السياسية إلى البحث عن حكومة وحدة أو صيغة أقلية تحظى بدعم برلماني كافٍ. وإذا تعذر التوصل إلى اتفاق ضمن الإجراءات والمواعيد القانونية، فقد تعود احتمالات الانتخابات المبكرة إلى الواجهة.
وفي مثل هذا السيناريو، لا تعني النتائج بالضرورة سقوط نتنياهو فورًا، إذ يتوقف انتقال السلطة على المسار الدستوري والإجراءات البرلمانية ذات الصلة، وعلى قدرة المنافسين على تقديم بديل قابل للحياة السياسية.
وتكشف استطلاعات الرأي، رغم اختلافها، عن وجود انقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن المخرج من الأزمة، بين من يفضل حكومة وحدة ومن يرى أن انتخابات جديدة قد تكون الخيار الأقل كلفة من استمرار الجمود.
الخلاصة: انتخابات قد تؤجل الحسم بدل إنهائه
تضع الأرقام المتباينة إسرائيل أمام انتخابات يصعب اختزالها في منافسة تقليدية بين حزبين أو زعيمين. فالمعركة الحقيقية تدور حول القدرة على بناء أغلبية برلمانية، وضمان تماسكها، وتجاوز الخلافات بين الأحزاب التي قد تتفق على إزاحة نتنياهو لكنها تختلف بشأن شكل الحكومة المقبلة وبرنامجها.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن تبدل الائتلافات في إسرائيل لا يعني بالضرورة حدوث تحول إيجابي في السياسات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والقدس وقطاع غزة. فالمعيار ليس أسماء القادة وحدها، بل طبيعة البرامج السياسية ومدى استعداد الحكومة المقبلة لاحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال.
وعليه، فإن المفاجأة المحتملة لا تكمن فقط في فوز نتنياهو أو تقدم خصومه، بل في احتمال أن تفرز الانتخابات كنيستًا عاجزًا عن إنتاج حكومة مستقرة. عندها قد تتحول ليلة الحساب إلى بداية أزمة سياسية جديدة، ويبقى الحسم مؤجلًا إلى ما بعد إعلان النتائج وانطلاق مفاوضات تشكيل الحكومة.




