مقالات

غزة بين سلاح التجويع وتجارة المعاناة: من يحمي الفلسطينيين من الحصار؟.

غزة بين سلاح التجويع وتجارة المعاناة: من يحمي الفلسطينيين
من الحصار؟.

الأستاذ: علي اعمو
كاتب من المغرب

ما كشفه المقال المنشور في موقع «رصيف 22»، استناداً إلى ما
أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست» بشأن حصر استيراد البضائع
التجارية إلى قطاع غزة في قائمة محدودة من الأشخاص، يطرح
أسئلة خطيرة حول طبيعة الآليات التي تتحكم في دخول السلع إلى

القطاع، والجهات التي تستفيد من استمرار الحصار ومعاناة
الفلسطينيين.
فحين تتحكم سلطات الاحتلال في منافذ دخول البضائع، وتحصر
إمكانية الاستيراد التجاري في عدد محدود من الأسماء، في ظل
غياب معايير معلنة وشفافة لاختيار المستفيدين، يصبح من
الضروري التساؤل عن طبيعة المصالح الاقتصادية التي تنشأ في
ظل هذه الظروف الاستثنائية، وعن مدى انعكاسها على أسعار
السلع وقدرة المواطنين على الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
إن تحويل الحصار إلى فرصة لتحقيق الأرباح، إن ثبت، في حالات
محددة، يمثل استغلالاً لمأساة إنسانية لا يجوز السكوت عنها.
فغزة ليست سوقاً تجارية عادية، بل أرض محاصرة يعيش سكانها
تحت وطأة الحرب والدمار والنقص الحاد في مقومات الحياة. ومن
غير المقبول أن يتحول احتياج الناس إلى الغذاء والدواء إلى
وسيلة للإثراء على حساب آلامهم.
لكن من الضروري أيضاً التمييز بين من يضطر إلى ممارسة
التجارة في ظروف يفرضها الاحتلال، ومن يثبت أنه يستغل هذه
الظروف لتحقيق أرباح غير مشروعة أو يتواطأ مع سياسات
الحصار. فالاتهام لا ينبغي أن يكون جماعياً، وإنما يجب أن يستند
إلى أدلة واضحة، لأن المسؤولية الأولى عن فرض القيود على
القطاع تقع على سلطات الاحتلال التي تتحكم في المعابر وإدخال
البضائع.
هل أصبح التجويع وسيلة لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل.
لا يمكن فصل القيود المفروضة على دخول السلع عن السياق
السياسي الأوسع الذي يعيشه قطاع غزة. فحرمان السكان من

الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، وتعطيل إعادة الإعمار،
وتدمير مقومات الحياة، كلها عوامل تجعل البقاء على الأرض أكثر
صعوبة، وتفاقم المخاطر التي تهدد مستقبل السكان.
ومن هنا تبرز المخاوف من أن يتحول التجويع إلى وسيلة ضغط
تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم تحت وطأة اليأس والحاجة.
فالفلسطيني الذي يتمسك بوطنه لا ينبغي أن يُترك أمام خيار قاسٍ
بين الجوع والرحيل. ومن حقه أن يعيش بكرامة في أرضه، وأن
يحصل على الغذاء والدواء، من دون أن يصبح بقاؤه رهينة
حسابات سياسية أو مصالح تجارية.
إن الصمود الفلسطيني لا ينبغي أن يكون ذريعة لترك السكان
وحدهم في مواجهة الجوع، بل يجب أن يقابله تحرك عربي
وإسلامي ودولي جاد يضمن وصول المساعدات الإنسانية
والتجارية الضرورية بصورة منتظمة وآمنة.
إذا كانت الشعوب تقاطع البضائع الإسرائيلية، فلماذا يعجز العالم
عن كسر الحصار؟.
لقد اختارت جمعيات وحركات تضامن وكيانات مدنية في مختلف
أنحاء العالم مقاطعة البضائع الإسرائيلية، تعبيراً عن رفض
الاحتلال وسياساته، ومحاولةً للضغط من أجل احترام حقوق
الشعب الفلسطيني.
لكن المقاطعة، على أهميتها بوصفها أداة ضغط مدنية واقتصادية،
لا تكفي وحدها لإنهاء معاناة غزة. فالمطلوب هو الانتقال من
مواقف التضامن إلى ممارسة ضغط سياسي واقتصادي فعلي على
الحكومات التي تستطيع التأثير في القرارات المتعلقة بالمعابر
وإدخال المساعدات.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين هو الموقف العربي
٧والإسلامي القادر على ممارسة ضغط جماعي على الولايات
المتحدة، وعلى سائر الأطراف المؤثرة، من أجل ضمان إدخال
الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء وإعادة الإعمار إلى
القطاع؟.
أليس من الأجدر بالدول العربية والإسلامية أن توظف علاقاتها
السياسية والاقتصادية ومصالحها الاستراتيجية للدفاع عن حق
الفلسطينيين في الحياة، بدلاً من الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعبير
عن القلق؟..
إن المطلوب ليس مجرد مناشدة الاحتلال السماح بإدخال
المساعدات، بل بناء موقف جماعي يربط العلاقات والمصالح
الدولية بضرورة إنهاء القيود التي تحرم المدنيين من احتياجاتهم
الأساسية، وضمان وصول الإمدادات الإنسانية إلى مستحقيها،
بعيداً عن الاحتكار والاستغلال والتسييس.
كرامة الفلسطيني ليست سلعة للمساومة..
قد تدفع قسوة الظروف بعض الناس إلى خيارات لا يمكن الحكم
عليها من بعيد، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتأمين الغذاء لأطفالهم
وأسرهم. لذلك، لا ينبغي أن تتحول معاناة الفلسطينيين إلى مناسبة
لتوزيع الاتهامات أو التشكيك في وطنية كل من يعمل في التجارة
تحت الحصار.
ومع ذلك، فإن استغلال حاجة الناس، أو الإسهام عن علم في
تكريس احتكار يضاعف معاناتهم، إن ثبت، يطرح إشكالاً أخلاقياً
ووطنياً بالغ الخطورة. فالتجارة في زمن المحنة مسؤولية قبل أن

تكون وسيلة للربح، والوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بالمواقف
التي تحمي المجتمع من الاستغلال وتحفظ كرامة أبنائه.
إن العبارة التي تختصر الموقف الأخلاقي هنا هي: قد يجوع
الفلسطيني، لكنه لا ينبغي أن يُدفع إلى الاختيار بين لقمة العيش
وكرامة الوطن. غير أن مسؤولية توفير الغذاء لا تقع على عاتق
الفرد الجائع وحده؛ إنها مسؤولية الاحتلال الذي يفرض القيود،
ومسؤولية القوى الدولية القادرة على التأثير، ومسؤولية الدول
العربية والإسلامية التي تمتلك أدوات ضغط لم تُستثمر بالقدر
الكافي.
إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات، بل إلى فتح المعابر
أمام احتياجات سكانها، وضمان تدفق المساعدات والبضائع،
ومنع الاحتكار والاستغلال، وإطلاق مسار جاد لإنهاء الحصار
وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
ففلسطين ليست سلعة، والجوع ليس وسيلة مشروعة لإخضاع
الشعوب، ومعاناة الفلسطينيين ليست فرصة للثراء. وإذا كانت
الدول عاجزة عن حماية المدنيين من سلاح التجويع، فعلى الأقل
يجب ألا تتركهم وحدهم في مواجهة آلة الحصار، ولا أن تسمح
بتحويل مأساتهم إلى سوق تُباع فيها حاجاتهم الأساسية بأثمان
باهظة..
رصيف
جيروزاليم بوست⁠ ب

الأستاذ: علي اعمو
كاتب من المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب