مقالات

ليلة في حضرة آل الرميثي وعتبة الكاظمية … بغداد ج٥ … رحلة العراق بقلم المؤرخ حسام ابو النصر 

بقلم المؤرخ الفلسطيني حسام ابو  النصر 

ليلة في حضرة آل الرميثي وعتبة الكاظمية … بغداد ج٥ … رحلة العراق

بقلم المؤرخ الفلسطيني حسام ابو  النصر 
كنت بالكاد قد عدت منهكا من جولة في شارع المتنبي مع الصديق فراس بركات والقدرة تبادلنا فيها أطراف الحديث عن وضع البلاد، ما أن وصلت فندق المنصور، حتى اتصل بي أبو عقيل، يبلغني أنه قادم لأخذي زيارة لمنزلهم في الكاظمية، فطبعا حضرت نفسي ولم استطع تأخير هذه الزيارة لعدة أسباب أولها أنه خال صديقتي سلمى القدومي احدى الفتيات المناضلات ضد الانقسام، فكانت هي من تحضر لنا المأكل والمشرب أثناء اعتصامنا في غزة لاجبار القيادات على توقيع اتفاق الشاطىء، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فوالدة سلمى السيدة العراقية آمنة شاكر رحيم الرميثي (إم نجيب) التي عرفت باسم أمل قدومي والتي تزوجت فدائي فلسطيني، بدأت قصتها منذ ولادتها عام 1957 وتخرجت في بداية السبعينات من دار المعلمات الموجود في محافظه كربلاء؛ إحدى محافظات العراق، وبعدها تعينت في إحدى مدارس مدينة الحرية من أحياء بغداد كمعلمة للصفوف الابتدائية، وبقيت في هذا العمل حوالي ٥ سنوات، وبعدها غادرت العراق، لتلتحق بحركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح عام ١٩٧٨ في لبنان، خدمت في قواعد الفدائيين في كتيبة الجليل في البقاع اللبناني وفي منطقة العرقوب التي سماها الشهيد الرمز أبو عمار ب (فتح لاند)، ومن ثم عملت على أجهزة اللاسلكي في كتيبة الجليل، وشاركت في جميع المعارك في منطقة البقاع والجنوب اللبناني، بين المقاتلين، وكانت السيدة الوحيدة التي حضرت مناورة الحرب الكيماوية في جبل الشيخ بقيادة أبو عمار متنكرة بزي لا يوحي بأنها فتاة؛ وأثناء خدمتها في اللاسلكي تعرفت على المناضل حلمي القدومي، الذي كان يعمل معها في اللاسلكي، وارتبطت به عام 1983، وأثناء خروج قوات الثورة من لبنان؛ رفضت الإنحياز إلى المنشقين؛ بل أصرت على الوقوف إلى جانب عرفات وغادرت هي وزوجها مع القوات إلى عدن وبقيت في نفس تخصصها حتى العودة إلى أرض الوطن، حيث عادت مع القوات إلى قطاع غزة، والتحقت باللاسلكي العام تحت قيادة اللواء ثائر الوادية أبو المجد مسؤول اللاسلكي العام، حتى تقاعدت عام ٢٠٠٨ حتى وفاتها في تاريخ العشرين من حزيران عام 2022،
وأمام كل هذا التاريخ، لم يكن أمامي رغم زيارتي القصيرة للعراق إلا أن ألبي دعوة آل رميثي عائلة هذه المناضلة وفاءا لها ولابنتها صديقتنا سلمى، فجاء أخوها، الصديق أبو عقيل واختها واصروا أن يأخذوني من الفندق وأن أتعشى في بيتهم قلت لهم لم يمضي ساعة على آخر وجبة وأصبح لدي تخمة من الكرم العراقي اقسم بالله اني غير قادر، فقالوا أنهم جهزوا لي سمك المسقوف بالتأكيد لا يمكن أن أضيع هذه الفرصة، فأكلت أكل الجوعان من شهيته، خاصة أنها المرة الأولى التي أتذوقه فيها، مر الوقت سريعا في ضيافة عائلتهم الكريمة، فأشاروا علي بجولة في الكاظمية، إلى مرقد موسى الكاظم، وصلنا إلى الساحة رئيسية، شوارع مكتظة، كشوارع مصر ليلا، لا مكان للوقوف حتى، وصلنا مدخل المسجد، اجراءات مشددة، ممنوع ادخال اي شيء حتى جوالك، ازدحام شديد، زحف من كل القطر العراقي وغيره، وقفت أمام باب المرقد انكشفت امامي قبته الذهبية المزخرفة، ينبعث من داخلها ضوء أصفر، وما أن اقتربت داخل المسجد كان الضريح الفضي المذهب أمامي، يتلمسه الزائرون، داعيين مستغفرين، منظر مهيب، الساحات الخارجية ممتلئة والاواوين المحيطة لا تخلوا من المصلين والمسترحين، والعباءات السوداء، تأملت جيدا المكان كي احاول ان أجيد وصفه لاحقا حيث تضم العتبة الكاظمية ضريح الإمام موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجواد، الذي توفي عام 220 هـ الموافق 834م في سامراء ونقل إلى بغداد ليدفن بجوار جده، ويقابل المرقد من الجهة الأخرى من نهر دجلة مرقد الإمام أبو حنيفة النعمان (جامع الإمام الأعظم) ويربط بينهما جسر الأئمة وفي العهد العباسي كانت تضم مقبرة الشونيزية وتسمى (مقبرة قريش) وقد دفن فيها الكثير من الرموز الدينية والعلمية
استمر بناء وتوسعة المرقد عدة مرات إلا أنه تعرض لحريقين عام 443 هـ وعام 622 هـ فلم يبق من آثارهم شيء. بعد الحريق الثاني أمر الخليفة العباسي الظاهر بأمر الله ومن بعده إبنه المستنصر بالله بإعادة بناء المرقد وأمر الأخير بصنع صندوق ووضعه فوق القبر عام 624 هـ ، وفي عام 769هـ ظهرت الصدوع في الحضرة بسبب تتابع الفيضانات فقام السلطان أويس الجلائري ببناء قبتين ومئذنتين وأمر بوضع صندوقين من الرخام على القبرين وزيِّنت الحضرة بالطابوق القيشاني ونقشت فيه الآيات القرآنية كما عمَّر الرواق ورباطاً كان في الصحن.
بعد احتلال إسماعيل الصفوي بغداد عام 914 هـ (1509م زار الحضرة عام 929 هـ فأمر بقلع عمارة الحضرة من الأساس وإعادة بناءها بعد توسيع الروضة وتبليط القاعات بالرخام ووضع صندوقين خشبيين فوق القبرين كما أمر أن تكون المآذن أربع بدلا من اثنتان وبنى مسجدا كان يسمى المسجد الصفوي ثم أصبح الآن يسمى محليا بمسجد الجوادين وأمر بنقل رباط الحيوانات إلى خارج الجدار وعلق فيه القناديل والثريات.
بعد دخول سليمان القانوني بغداد عام 941 هـ زار الحضرة وجد أن العمران فيها لم يستكمل، فأمر بتكميله وبناء المنبر الموجود اليوم في مسجد الجوادين وإكمال بناء إحدى المآذن. وفي عام 1207 هـ أمر السلطان محمد بإكمال ما بدأه الصفويون فأضاف ثلاث مآذن أخرى على طراز الأولى التي كان قد بناها السلطان سليمان. أيضاً تأسيس صحن واسع يحف بالحرم من جهاته الثلاث: الشرقية والجنوبية والغربية، والأعمال الأُخرى تشمل: نقش باطن القبتين وسقف الروضتين بماء الذهب والمينا وقِطَع الزجاج الملون، تزيين جدران الروضة كلها من حد الطابوق القاشاني إلى أعلى الجدار المتصل بالسقف بقطع الزجاج الجميل المثبت على الخشب، تذهيب القبتين والمآذن الصغار الأربع، وذلك أنه لمّا جدد تذهيب قبة الإمام الحسين بكربلاء وبقي الذهب القديم فائضاً عن الحاجة، فنُقل إلى الكاظمية، حيث أُعيد صقله وطليه على الطابوق المُعَدّ لهذا الغرض، وتم هذا التذهيب في سنة 1229 هـ.
في سنة 1282 هـ غُشّي الإيوان الشرقيّ بالذهب ممّا فَضَل من قبّة الإمامين العسكريّين. في سنة 1293 هـ وسع الصحن ونصبت ساعتينِ كبيرتين.
للمسجد قبتان متساويتا الأبعاد وأربع مآذن كبيرة. ارتفاع السقف يبلغ 25م تعلوه القبتان المزينتان بالزخارف الإسلامية والآيات القرآنية من الداخل، من الخارج غلفت القبتان بتسعة آلاف طابوقة من الذهب الخالص وحولها المآذن الأربع المغلفة بالذهب أيضا والتي ترتفع إلى 35م فوق السقف، وحول القبب أيضا أربع منارات صغيرة بارتفاع 4.5م حسب المراجع، لكن في بداية القرن التاسع عشر تم هدم القبور وبناء مسجد وضريحين بداخل قبتين وتم توسيع البناء أكثر من مرة خلال القرن العشرين هذا ويحيط بالصحن جدار سميك وضخم بارتفاع 10م مزين من الخارج، وخلف الجدار طابقين، من الغرف والأواوين مجموعها 62 غرفة منها 14 في الطابق العلوي وتستخدم لتدريس طلبة العلم، معظمهم من المذهب الشيعي، الغرف في الطابق السفلي بعضها للتدريس أيضا وبعضها دفن فيها كبار العلماء ورجال الدين، فيما الغرف مبلطة بالرخام وجدرانها مزينة بالطابوق القاشاني. على هذا الجدار بين باب القبلة وباب المراد ساعة يبلغ ارتفاعها 20م، نصبت عام 1301 هـ عند بناء آخر توسعة للحضرة، ما زال الجدار والغرف والساعة كما كانت عام 1301 هـ، وخلال زيارتي لمتحف العراقي شاهدت تابوت موسى الكاظم المصنوع من خشب التوت مزخرف بنقوشه الاسلامية محافظا حتى الان على شكله الهندسي، خرجت أنا وابو عقيل في انتظار اخته، وهنا دار حديث عن التعايش السني الشيعي، وان كل محاولات دس الفتن لم تنال من الشعب العراقي، وحينها أبلغني أبو عقيل أن عائلة الرميثي شيعية، ولم أكن أعلم ذلك ولم اسأل عن ذلك كون أنه بالنسبة لي لا فرق ولم أشعر بأي فرق، فهذا هو الفسيفساء العراقي، واننا لا نفرق بين سنة وشيعة مهما تعددت واختلفت المذاهب والطقوس، بل كانت بالنسبة لي تجربة مهمة واكتشاف جديد، لتنتهي زيارتي للكاظمية محملة بذكريات جميلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب