ثقافة وفنونمقالات

الفلسفة سقوط هادئ في هاوية الشك. بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

الفلسفة سقوط هادئ في هاوية الشك.
بقلم زكريا نمر -السودان –
الفلسفة، حين تنزع عنها قدسيتها الأكاديمية وتسحب من برجها العاجي، لا تعود ذلك المشروع النبيل الذي يقود الإنسان إلى الحقيقة، بل تنكشف بوصفها نشاطا إشكاليا، قلقا، ومفتوحا على الفشل بقدر ما هو مفتوح على الاحتمال. ليست طريقا ممهدا نحو يقين نهائي، ولا منظومة أخلاقية يمكن الاتكاء عليها بثقة، ولا أداة مباشرة لإصلاح العالم. هذا التصور الرومانسي للفلسفة هو، في حد ذاته، أحد أكبر أوهامها؛ وهم صنعته ثم دافعت عنه، رغم أن تاريخها الطويل يكذبه مرارا.
منذ سقراط، الذي أسس لفضيلة الشك واعتبر الجهل بداية الحكمة، كانت الفلسفة تميل إلى تقويض ما يبدو ثابتا أكثر من ميلها إلى تثبيته. لم يكن مشروعه بناء معرفة بقدر ما كان تفكيكا لادعاءات المعرفة. هذا الإرث استمر، بشكل أو بآخر، في مسار الفلسفة الغربية، حيث تحولت كل منظومة فكرية إلى هدف لنقد لاحق. عند رينيه ديكارت، يصبح الشك منهجا، وعند ديفيد هيوم، يتزعزع الإيمان بالسببية، ثم يأتي فريدريك نيتشه ليقوض فكرة الحقيقة ذاتها، كاشفا أنها ليست سوى بناء لغوي أو إرادة قوة. في كل مرحلة، لا تتقدم الفلسفة نحو يقين، بل تنسف يقينا سابقا.
هذه الطبيعة التفكيكية ليست عرضا جانبيا، بل هي جوهر الفلسفة نفسها. فهي لا تعمل كالعلم الذي يتراكم فيه التقدم عبر الاكتشافات، ولا كالدين الذي يقدم إجابات مغلقة، بل كحقل دائم لإعادة فتح الأسئلة. كل إجابة فلسفية هي، في العمق، دعوة لسؤال جديد. وكل نسق فكري يحمل داخله بذور انهياره. ولهذا، فإن الحديث عن “تقدم” فلسفي يبدو ملتبسا فالفلسفة لا تتقدم بقدر ما تتشظى، ولا تبني بقدر ما تعيد الهدم. لكن الإشكال لا يتوقف عند حدود المعرفة، بل يمتد إلى الأخلاق. كثيرا ما قدمت الفلسفة بوصفها مصدرا للمعايير الأخلاقية، وكأنها قادرة على تأسيس الخير والعدل على أسس عقلانية صلبة. غير أن الواقع يكشف هشاشة هذا الادعاء. إيمانويل كانط قدم مشروعا أخلاقيا يقوم على الواجب والعقل، واعتقد بإمكانية تأسيس أخلاق كونية، لكن التاريخ لم يظهر أن مثل هذه المشاريع قادرة على ضبط السلوك الإنساني أو الحد من العنف. في المقابل، نجد أن الفلسفة نفسها قد استخدمت لتبرير أنظمة قمعية أو لتغليفها بخطاب نظري معقد.
حتى المشاريع التي رفعت شعار تغيير العالم، مثل مشروع كارل ماركس، تكشف عن مفارقة عميقة. ماركس انتقد الفلاسفة لأنهم فسروا العالم فقط، ودعا إلى تغييره، لكن التحولات التي نسبت إلى أفكاره لم تكن دائما في الاتجاه الذي تصوره. في كثير من الحالات، تحولت الأفكار إلى أدوات للسلطة بدل أن تكون أدوات للتحرر. هنا، لا تبدو الفلسفة قوة موجهة للتاريخ، بل مادة قابلة لإعادة التوظيف، أحيانا بشكل مشوه.
الأمر الأكثر إرباكا أن الفلسفة لا تمنح حتى ذلك الحد الأدنى من الطمأنينة الذي يبحث عنه الإنسان. على العكس، كلما تعمق الفرد في التفكير الفلسفي، ازداد وعيه بهشاشة المفاهيم التي كان يتعامل معها كمسلمات. الحقيقة لم تعد حقيقة مطلقة، بل بناء إشكالي. الأخلاق لم تعد قواعد ثابتة، بل صراعات تأويلية. الهوية لم تعد جوهرا، بل تركيبا متغيرا. حتى الذات، التي تبدو أقرب الأشياء إلينا، تصبح موضع شك وتساؤل. هذا الانكشاف المستمر يضع الإنسان أمام فراغ معرفي وأخلاقي لا يمكن ملؤه بسهولة. الفلسفة لا تملأ هذا الفراغ، بل تكشفه وتوسعه. إنها لا تقدم بدائل نهائية، بل تذكرنا بأن كل بديل هو مؤقت وقابل للنقض. وهذا ما يجعلها، في جوهرها، ممارسة غير مريحة. فهي لا تمنح يقينا، بل تنزعه. لا تقدم أجوبة نهائية، بل تزعزع الثقة في كل جواب.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الفلسفة في هذا الدور السلبي فقط، رغم مركزيته. فالقيمة الحقيقية للفلسفة لا تكمن في ما تبنيه، بل في ما تمنعنا من قبوله دون تفكير. إنها تدرب العقل على الشك، على التريث، على مقاومة الإغراءات السهلة لليقين السريع. في عالم يتسارع فيه إنتاج المعنى الجاهز سواء عبر الإعلام أو الأيديولوجيا أو حتى الخطاب الديني، تصبح الفلسفة أداة مقاومة، لكنها مقاومة ذهنية، لا عملية. هذه المقاومة لا تغير الواقع بشكل مباشر، لكنها تغير طريقة النظر إليه. إنها لا توقف الحروب، لكنها تجعلنا نفهم آلياتها. لا تنهي الظلم، لكنها تكشف منطقه. لا تخلق العدالة، لكنها تفضح تناقضاتها. بهذا المعنى، الفلسفة ليست قوة فاعلة في العالم بقدر ما هي قوة كاشفة له. إنها لا تنقذ، بل تعري.
وإذا كان لا بد من الاعتراف الصريح، فإن الفلسفة ليست للجميع. ليست لأنها نخبوية بالضرورة، بل لأنها تتطلب استعدادا لتحمل القلق وعدم اليقين. كثير من الناس يبحثون عن إجابات واضحة، عن معنى ثابت، عن أرض صلبة يقفون عليها. الفلسفة، في المقابل، تسحب هذه الأرض تدريجيا، وتترك الإنسان في مواجهة أسئلته دون ضمانات. لهذا، قد تبدو عديمة الجدوى من منظور عملي، بل حتى مهددة للاستقرار النفسي.لكن ربما هنا تكمن ضرورتها. في عالم يميل إلى التبسيط، إلى اختزال التعقيد، إلى تقديم أجوبة جاهزة وسريعة، تصبح الفلسفة تذكيرا دائما بأن الواقع أكثر تعقيدا مما نرغب. هي لا تمنحنا راحة، لكنها تمنحنا وعيا. لا تعطينا يقينا، لكنها تعلمنا كيف نعيش بدونه. وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال القوة، وإن كان قوة صامتة وغير مرئية. الفلسفة ليست طريقا إلى الحقيقة، ولا دليلا أخلاقيا، ولا مشروعا لتغيير العالم بشكل مباشر. هي، في جوهرها، ممارسة نقدية مستمرة، تبقي الأسئلة مفتوحة، وتمنع الإجابات من التحول إلى مسلمات. إنها لا تقدم لنا ما نبحث عنه بقدر ما تعيد تعريف ما نبحث عنه أصلا.
إذا أردنا الصدق الكامل: الفلسفة لا تنقذنا من الضياع، بل تجعلنا أكثر وعيا به. لا تزيل الشك، بل تعمقه. لا تبني يقينا، بل تكشف استحالته. ومع ذلك، نعود إليها، ليس لأنها تمنحنا أجوبة، بل لأنها تمنعنا من الاكتفاء بالأجوبة الزائفة. وهذا، ربما، هو أقصى ما يمكن أن تقدمه: أن تعلمنا كيف نعيش في عالم بلا ضمانات، دون أن نتخلى عن التفكير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب