الهجمات الإسرائيلية على القطاع الصحي في لبنان جرائم حرب تستدعي التعويض

الهجمات الإسرائيلية على القطاع الصحي في لبنان جرائم حرب تستدعي التعويض
ناديا الياس
بيروت ـ لم تكن الاعتداءات الإسرائيلية على مستشفيات لبنان وعلى الطواقم الطبية والفرق الإسعافية أثناء الحرب الأخيرة على جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية مجرد انتهاكات بل جرائم حرب، هذا ما أكدت عليه منظمة العفو الدولية التي دعت «إلى فتح تحقيق بشأن هذه الهجمات غير القانونية والمتكررة على المرافق الصحية والعاملين فيها».
وحثت المنظمة «الحكومة اللبنانية على منح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية التحقيق في الجرائم المشمولة بنظام روما الأساسي، وملاحقة المسؤولين عنها، وضمان حق الضحايا في العدالة، بما في ذلك مطالبة إسرائيل بتعويضات عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني».
وكانت الهجمات الإسرائيلية تسببت منذ تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023 على القطاع الصحي بوقوع خسائر فادحة في الطواقم الطبية ما أسفر عن سقوط 222 شهيداً و330 جريحاً من العاملين في هذا القطاع أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني في الميدان استناداً إلى إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية التي أعلنت عن استهداف إسرائيل 80 مركزاً طبياً وإسعافياً و39 مستشفى و244 آلية تابعة للقطاع الصحي. وأكدت «أن هذه الاعتداءات لم تكن جانبية بل كانت سمة من سمات العدوان الإسرائيلي على لبنان للنيل من صمود القطاع الصحي الذي كان يقوم بواجباته تجاه أهله وهذا ما يظهره عدد الشهداء».
حصيلة الأضرار
وقد جاءت حصيلة الأضرار التفصيلية التي خلفها العدوان الإسرائيلي على القطاع الصحي ومن ضمنه المستشفيات والمراكز الصحية والآليات على النحو الآتي:
67 هجوماً على مستشفيات منها 40 استهدافاً مباشراً أسفرت عن استشهاد 16 شخصاً و73 جريحاً فضلاً عن 238 هجوماً على هيئات الإنقاذ أدت إلى مقتل 206 أشخاص. أما عدد المستشفيات التي أقفلت قسرًا فبلغ سبعة مستشفيات وهي: بنت جبيل الحكومي، الشهيد صلاح غندور، مرجعيون الحكومي، ميس الجبل الحكومي، المرتضى، بهمن، والبرج.
وبالنسبة إلى المستشفيات التي عملت بشكل جزئي فهي ثلاثة: مستشفى قانا الحكومي، مستشفى صور الحكومي، ومستشفى خروبي في الصرفند. وتركزت 80 في المئة من الهجمات الإسرائيلية على المستشفيات في الضاحية الجنوبية التابعة لقضاء بعبدا، إضافة إلى مستشفيات في أقضية بنت جبيل وبعلبك وصور والنبطية والهرمل، وأكثر من 88 في المئة من الهجمات الإسرائيلية على فرق الإسعاف في الأقضية الجنوبية الحدودية، ولا سيما صور والنبطية ومرجعيون وبنت جبيل. وأظهرت بيانات وزارة الصحة أن زيادة وتيرة الاعتداء على المسعفين بدأت منذ أوائل عام 2024، أي قبل أن تبدأ الهجمات على الضاحية الجنوبية، إذ استهدف جيش الاحتلال الكثير من المسعفين حينها.
وألحق العدو الإسرائيلي الضرر بمستشفيات عديدة في البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مثل مستشفى الساحل، بهمن، الزهراء، الرسول الأعظم، وسانت تريز بسبب القصف المباشر لها أو لمحيطها.
وتم استهداف 11 من 36 مستشفى مرتين على الأقل، وتعرضت المستشفيات في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى هجومين بشكل عام. أما المستشفيات في المناطق الحدودية فقد استهدفت 3 مرات، كما في حالة مستشفى الشهيد راغب حرب والمستشفى الإيطالي اللبناني، وارتفع عدد الاعتداءات إلى 9 مرات على مستشفى تبنين الحكومي الذي تعرض لاستهدافات غير مباشرة وهو الوحيد الذي لم يقفل كلياً. حصل الاستهداف يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وهو التعدي التاسع على المستشفى الذي قدم العلاج لـ 1458 جريحًا منذ بدء العدوان وحتى لحظة استهدافه، وأسفر الاعتداء عن تدمير الواجهة الشمالية للمستشفى بأكملها وتعطيله جزئيًا وأخرجَ عن الخدمة أقسام العلاج الكيميائي وقسم الأطفال وغسيل الكلى وجزءًا من قسم الاستشفاء.
الجمعيات الإسعافية
أما الجمعيات الإسعافية التي تحملت العبء الأكبر من الاعتداءات على القطاع الصحي فسقط منها خمسون في المئة من المستهدفين شهداء ما يظهر ما تعرض له المسعفون من استهداف مباشر.
وبلغ عدد الاعتداءات على الجمعيات الإسعافية: 238، وبلغ عدد الشهداء 206، والجرحى 257، وبلغ عدد المراكز الإسعافية المستهدفة: 66، وعدد سيارات الإطفاء المستهدفة 60، وعدد سيارات الإسعاف المستهدفة 177، وعدد آليات الإنقاذ المستهدفة 19. ووقع 74 في المئة من الاعتداءات على المغيثين عندما كانوا يتنقلون في مهمات إغاثة، ما يفسر تدمير إسرائيل 230 سيارة إسعاف وإطفاء، فيما استهدفت 26 في المئة من الغارات المسعفين، وهذا يُعتبر جريمة حرب، إذ يتسب استهدافهم برفع المعدل العام للوفيات في الحروب كونهم المسؤولين عن إغاثة المصابين وانتشال المدنيين من تحت الركام، وعند تعذر عملهم ترتفع نسبة الوفيات بين المدنيين.
أما الاعتداءات على مراكز الرعاية الصحية الأولية فنتج عنها إقفال 56 مركز رعاية أولية من بينها 33 مركزًا تضرر في شكل كامل في مناطق كانت تتعرض للاستهداف ما شكل جزءًا من عملية التهجير لأن هذه المراكز كانت تقدم الخدمات للأهالي الصامدين في بلداتهم وقراهم.
وبفعل هذه الهجمات المدمرة على مرافق الرعاية الصحية تم شل النظام الصحي في لبنان في الوقت الذي يكون الناس فيه في أمس الحاجة إليه لإنقاذ أرواحهم، ولا تعتبر وفاة العاملين الصحيين خسارة في الأرواح وحسب، بل هي خسارة أيضًا لسنوات من الاستثمار ولمورد لا غنى عنه لبلد هش يحاول أن يتعافى.
الكلفة المادية
إن الكلفة الإجمالية التقديرية لنتيجة الاعتداءات الإسرائيلية وللعمليات الجراحية الأولية للجرحى وللعمليات الثانوية المقدرّة بأكثر من 250 عملية، بلغت أكثر من عشرين مليون دولار.
وعلى سبيل المثال، فإن اعتداء «البايجر» وحده والذي نتج عنه ما يزيد عن ثلاثة آلاف وخمسمئة جريح وشهيد في خلال فترة لا تتجاوز ساعة، بلغت كلفة العناية الصحية والطبية للجرحى ما يزيد عن 4 ملايين دولار.
أما باقي الأكلاف الأخرى للعناية الطبية والصحية فلم يتم تقديرها بشكل كامل لأن الغالبية العظمى من هذه الأكلاف تتحملها الدولة اللبنانية عبر وزارة الصحة العامة والاعتمادات التي تم رصدها لهذا الموضوع.
وعليه فقد رفعت وتيرة الأعمال العدائية الإسرائيلية في لبنان في أيلول/سبتمبر 2024 المزيد من الضغوط على النظام الصحي اللبناني الذي يعاني من ضغوط شديدة والمثقل أصلاً بالأعباء بسبب الأزمة المالية المستفحلة في البلد منذ عام 2019 والنقص في عدد الأطباء والموظفين في الأقسام التمريضية الذين غادروا لبنان بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وألزمت الهجمات الإسرائيلية 21 من أصل 178 مستشفى، أي 13 في المئة من جميع المستشفيات في لبنان على وقف العمليات أو تقليص الخدمات، ما أدى إلى الحد بشكل كبير من الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
ومما لا شك فيه بأن حرمان المدنيين من الحصول على هذه الرعاية المنقذة للحياة واستهداف مقدمي الخدمات الصحية يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي، والقانون يحظر استخدام المرافق الصحية لأغراض عسكرية، وحتى إن حدث ذلك، يجب تطبيق شروط صارمة عند اتخاذ إجراءات في هذه الحالة، ومنها وجوب التحذير والانتظار بعد التحذير.
ونتيجة الضربات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت العاملين الصحيين والمرافق الصحية، التي لطالما كانت محيّدة نسبياً في الحروب السابقة، من دون التقيد بالقانون الإنساني الدولي الذي ينص على ضرورة حماية العاملين الصحيين والمرافق الصحية دائمًا أثناء النزاعات المسلحة وعدم الاعتداء عليهم إطلاقًا وعدم استخدام المرافق الصحية لأغراض عسكرية، توجه رئيس لجنة الصحة النيابة النائب بلال عبدالله بكتاب مفتوح إلى الجهات الدولية والأممية والمجتمع الدولي والمنظمات الصحية العالمية والحقوقية بضرورة حماية القطاع الصحي المستباح ورفع الصوت عالياً في وجه الانتهاكات المستمرة والمتمادية للقانون الدولي ومبادئ الإنسانية.
منظمة العفو الدولية
كذلك دعت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط حنان بلخي إلى وجوب فرض عقوبات بسبب عدم التقيد بهذا القانون، وقالت «ينبغي دائمًا التقيد بمبادئ الحذر والتمييز والتناسب، وقد قلنا من قبل إن الهجمات العشوائية على الرعاية الصحية تُعد انتهاكًا لحقوق الإنسان والقانون الدولي، ولا يمكن أن يصبح هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، لا في غزة ولا في لبنان ولا في أي مكان».
وبناء على ما تقدم تُعتبر كل من الاستهدافات للمستشفيات والمسعفين جريمة حرب موصوفة تدين إسرائيل، وهذا ما أقدمت عليه منظمة العفو الدولية «أمنستي» التي طالبت في تقريرها مؤخراً بوجوب التحقيق في هجمات شنها جيش العدو الإسرائيلي على مرافق صحية وسيارات إسعاف ومسعفين في لبنان خلال الحرب الأخيرة باعتبارها «جرائم حرب علماً أنهم ومنشآتهم يحظون بالحماية بموجب القانون الدولي».
وعليه، فقد حثت المنظمة الحكومة اللبنانية على أن «تمنح المحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية للتحقيق في الجرائم التي يشملها نظام روما الأساسي ومقاضاة مرتكبيها على الأراضي اللبنانية، والعمل على حماية حق الضحايا في الانصاف، بما في ذلك مطالبة إسرائيل بالتعويض عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني».
وأعلنت أنها «حققت في أربع هجمات إسرائيلية على مرافق ومركبات الرعاية الصحية في بيروت وجنوب لبنان في الفترة ما بين 3 -9 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، والتي أسفرت عن استشهاد 19 من العاملين في الرعاية الصحية وإصابة 11 آخرين وإلحاق الضرر أو تدمير العديد من سيارات الإسعاف ومنشأتين طبيتين». وأكدت أنها «لم تعثر على أدلة على أن المنشآت أو المركبات التي تضررت أو دمرت كانت تستخدم لأغراض عسكرية وقت وقوع الهجمات»، معلنة أنها «بعثت برسالة إلى الجيش الإسرائيلي لاطلاعه على النتائج التي توصلت إليها في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 ولكنها لم تتلق رداً بعد».
وقالت «إن الجيش الإسرائيلي لم يقدم مبررات كافية أو أدلة محددة على وجود أهداف عسكرية في مواقع الهجمات لتبرير هذه الهجمات المتكررة التي أضعفت نظام الرعاية الصحية الهش وعرضت الأرواح للخطر».
وزارة الصحة اللبنانية
وقد أتى تقرير منظمة العفو الدولية بعد مطالبات عدة من منظمة الصحة العالمية ومن وزارة الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال حيث رفعت الصوت في حينه للدفاع المستمر عن حماية الرعاية الصحية في لبنان من خلال تقديمها تقريرًا موثقًا تضمن جردة تفصيلية باعتداءات العدو الإسرائيلي على لبنان التي طالت القطاع الصحي والإسعافي والعاملين الصحيين والمرافق والمنشآت الصحية بما يشكل انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني ولاتفاقات جنيف التي تنص على حماية المدنيين والعاملين الصحيين والمنشآت الطبية في أوقات النزاع، وطالبت بالمحاسبة وإعادة التشديد على المسؤولية الجماعية في حماية العاملين الصحيين والإسعافيين والمنشآت الصحية في زمن الصراعات.
وأكدت الوزارة في حينه «أن التقرير يوثق الاعتداءات بالمكان والزمان وطبيعة الاعتداءات، ليس ليردع إسرائيل التي لا ضمير لها، إنما لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته»، كما أنها «تريد أن تكون شاهدة على ما يقوم به العدو من خرق للقوانين».
وفي مجال الانتهاك الخطير للقانون الدولي، رأت «أن الاستسهال في تعمد استهداف العاملين الصحيين والإسعافيين والمنشآت الصحية يشكل انتهاكاً لمبدأ التناسب والتمييز الذي يشكل حجر الأساس في القانون الإنساني الدولي، وأن الاعتداءات ليست أحداثاً منفصلة بل إنها تعكس عدم اكتراث بالمعايير الإنسانية مما يتسبب بأذية كبيرة للمجتمعات الضعيفة والهشة من خلال إعاقة حصولها على الرعاية المنقذة للحياة»، وأكدت «أن التوثيق خطوة ضرورية وحتمية في اتجاه السعي للمحاسبة وضمان عدم تجاهل الانتهاكات أو نسيانها أو السماح بتكرارها».
كما توجهت الوزارة «بنداء للمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في تطبيق القانون الإنساني الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والتأكد من عدم تكرار ارتكاب هكذا فظاعات، وأن هذه الجردة الوثيقة تشكل من جهة شهادة على الانتهاكات ومن جهة ثانية تذكر بأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية»، مشددة على «أن الإفلات من العقاب يؤدي إلى المزيد من الانتهاكات المستقبلية ولا يمكن تدارك حصول اعتداءات مماثلة إلا من خلال المحاسبة».
منظمة الصحة العالمية
بدورها، وثقت منظمة الصحة العالمية حدوث دمار واسع وغير مسبوق لنظام الرعاية الصحية في لبنان خلال حرب إسرائيل الأخيرة عليه. وقالت «إن الضغوط على النظام الصحي في لبنان أكبر من أي وقت مضى حيث تأثرت المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في مناطق الأعمال العدائية النشطة بشدة».
وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان الدكتور عبد الناصر أبو بكر «أن حرمان المدنيين من الوصول إلى الرعاية واستهداف مقدمي الرعاية الصحية يشكل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي». ورأى «أن السمة المميزة للصراع فى لبنان هى مدى الدمار الذى لحق بالرعاية الصحية»، مشيراً إلى «أن الأعمال العدائية الحالية في لبنان تؤثر بشكل غير متناسب على الصحة». واعتبر «أن عدد القتلى المدنيين بما في ذلك أكثر من 230 طفلاً يعكس خطورة الوضع، فحتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر كان هناك ما يقرب من 3600 حالة وفاة مؤكدة، وأكثر من 15 ألف جريح وتوقفت 1 من كل 10 مستشفيات عن العمل أو أُجبرت على تقليص الخدمات».
ختاماً، أرهق العدوان الإسرائيلي القطاع الصحي المنهك أساساً ولكن لم يمنعه من الاستمرار في تأدية الواجب الصحي والإنساني والطوارى الصحية على الرغم من الدعم المحدود نسبيًا للمؤسسات الصحية من قبل المجتمع الدولي.
«القدس العربي»:




