منوعات

آثار الصمت.. دراسة نفسية تكشف الثمن الخفي لإرضاء الآخرين منذ الطفولة

آثار الصمت.. دراسة نفسية تكشف الثمن الخفي لإرضاء الآخرين منذ الطفولة

يسهم الابتعاد عن الخلافات أحيانًا في احتواء المشكلات ومنع تصاعدها، إلا أن بعض الأشخاص ينشأون على الاعتقاد منذ الصغر بأن الصمت وعدم الاعتراض هما الطريق الأكثر أمانًا، ما يجعل التعبير عن آرائهم أمرًا صعبًا مع مرور السنوات.

في الغالب، تتكون هذه النظرة خلال السنوات الأولى من العمر، إذ قد يربط الطفل الذي ينشأ وسط نزاعات متكررة بين تجنب الشكوى أو الاختلاف مع الآخرين وبين عودة الهدوء إلى الأجواء.

وقد تتشكل هذه النظرة داخل المدرسة أو في العلاقات بين الأصدقاء، إذ ينال الطفل “المطيع” القبول، بينما يواجه من يعلن رأيًا مخالفًا التجاهل أو الانتقاد.

ومع استمرار هذه التجارب، يتعلم الطفل أن مسايرة من حوله تجنبه الخلافات وتضمن له أجواءً هادئة، ليصبح الامتثال لتوقعاتهم مرتبطًا لديه بالإحساس بالأمان.

الهدوء يعني الأمان

لا يسمع الأطفال عادة تعليمات واضحة تدعوهم إلى عدم التعبير عن آرائهم، لكنهم يستنتجون هذه الفكرة من المواقف التي يواجهونها كل يوم.

ومع تكرار تجنب الخلاف والحصول على القبول والابتعاد عن التوتر، يزداد اقتناعهم بأن الصمت يحميهم أكثر من التعبير عن أنفسهم.

وبمرور الوقت، قد يتجاوز الأمر مجرد تأجيل إبداء الرأي الحقيقي ليصل إلى العجز عن تحديد ما يريده الشخص لنفسه، نتيجة انشغاله بتوقعات الآخرين على حساب احتياجاته الشخصية.

ووفقًا لما ذكره موقع “بولد” للأبحاث النفسية نقلاً عن عالمة النفس إنغريد كلايتون، فإن لجوء الأطفال الذين ينشأون في بيئات غير مستقرة إلى سلوك “إرضاء الآخرين” يعكس محاولة للتكيف مع الظروف المحيطة، وليس ضعفاً في الشخصية، فالطفل يتعلم الانتباه إلى الحالة المزاجية للمحيطين به، والتصرف بما يساعده على تجنب الرفض والصراعات المحتملة.

وتتمثل المشكلة في أن هذه الاستراتيجية، التي قد تنجح في مساعدة الطفل على التكيف خلال سنواته الأولى، يمكن أن تستمر معه في مراحل لاحقة من حياته، حتى بعد زوال الظروف التي أدت إلى ظهورها.

2.webp

أهمية الاختلاف في بناء الهوية

كما يرى مختصون أن النضج لا يقتصر على اكتساب المعرفة، وإنما يتضمن أيضاً التعرف على التفضيلات الشخصية واختبارها والقدرة على التعبير عنها، فالآراء لا تتشكل بصورة نهائية منذ البداية، بل تتطور وتنضج من خلال النقاش والاختلاف والخبرات المتنوعة.

وبناءً على ذلك، فإن الخلاف مع الوالدين أو الأصدقاء في مرحلة المراهقة يعد جزءاً طبيعياً من رحلة بناء الهوية واكتساب الاستقلالية.

وفي المقابل، قد يؤدي حرص المراهق على تفادي أي احتكاك أو خلاف إلى حرمانه من اكتشاف آرائه الحقيقية وتكوين صوته الخاص والتعبير عن نفسه.

مرونة أم عجز عن الاختلاف؟

يوجد فرق واضح بين المرونة الصحية والعجز عن قول “لا”، فالشخص المرن يستطيع الاعتراض والتعبير عن رأيه، لكنه يختار التنازل عندما يرى أن ذلك مناسب، في حين يوافق الشخص الذي يسعى باستمرار إلى إرضاء الآخرين بدافع الخوف من العواقب أو الرفض.

3.webp
وبمرور السنوات، قد يتحول هذا السلوك إلى استجابة تلقائية، بحيث يصبح التعبير عن رأي مخالف مصدراً للقلق، حتى عندما يتعلق الأمر بمواقف يومية بسيطة.

“تكلفة إسكات الذات”

وفي السياق ذاته، تصف المعالجة النفسية آنا إلتون هذه الظاهرة بأنها “تكلفة إسكات الذات”، مشيرة إلى أن كبت التفضيلات الشخصية بهدف الحفاظ على الهدوء لا يؤدي بالضرورة إلى تقوية العلاقات، كما يعتقد البعض، بل قد يسهم في إضعافها على المدى الطويل.

فالأشخاص الذين يكرسون جهودهم لتوفير الراحة للآخرين غالباً ما يطورون قدرة كبيرة على فهم احتياجات المحيطين بهم، لكنهم قد يجدون صعوبة في الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا يريدون هم؟

وهنا تظهر المفارقة؛ إذ إن هؤلاء الأشخاص، رغم قدرتهم على فهم الآخرين ومعرفة احتياجاتهم، قد تصبح صورتهم عن أنفسهم أقل وضوحاً، بعد سنوات من تقديم رغبات المحيطين بهم على احتياجاتهم الشخصية.

العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب