الافتتاحيهرئيسي
أموال المقاصة… حين يتحول المال إلى أداة لإعادة تشكيل القرار الفلسطيني

أموال المقاصة… حين يتحول المال إلى أداة لإعادة تشكيل القرار الفلسطيني
بقلم: رئيس التحرير
لم تعد أزمة أموال المقاصة الفلسطينية مجرد أزمة مالية أو إدارية مرتبطة بعجز الموازنة وتأخر الرواتب، بل تحولت إلى عنوان سياسي واستراتيجي يكشف حجم التحولات الجارية في طبيعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية والأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الملف الفلسطيني.
فالطرح المتداول بشأن إدارة أموال المقاصة عبر ما يسمى بـ”مجلس السلام” لا يمكن قراءته باعتباره مجرد آلية تقنية لتنظيم التحويلات المالية أو ضمان وصول الأموال، وإنما باعتباره مؤشرًا على انتقال الضغوط الدولية إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها فرض رقابة سياسية ومالية مباشرة على القرار الفلسطيني تحت شعارات الإصلاح وإعادة الإعمار والاستقرار.
إن أخطر ما في هذه الطروحات أنها تنقل القضية الفلسطينية من مربع الصراع على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة إلى مربع “الإدارة المشروطة” للحياة الفلسطينية، بحيث تصبح الموارد المالية، والخدمات العامة، وحتى الأولويات الوطنية، خاضعة لمعادلات التمويل والرقابة الدولية.
لقد استخدمت إسرائيل طوال السنوات الماضية أموال المقاصة كسلاح للعقاب السياسي والابتزاز الاقتصادي، عبر الاقتطاعات والتجميد والاحتجاز، لكن التطور الأخطر اليوم يتمثل في دخول أطراف دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى دائرة التحكم المباشر بآليات الصرف والتوزيع وربطها بشروط سياسية وإدارية وأمنية تتعلق بشكل النظام السياسي الفلسطيني ووظيفته المستقبلية.
وإذا صحّ الحديث عن اقتطاع مخصصات لقطاع غزة عبر برامج تشرف عليها جهات دولية، فإن ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وما إذا كانت المرحلة المقبلة تتجه نحو تكريس أشكال جديدة من الإدارة الدولية غير المباشرة للواقع الفلسطيني، سواء في غزة أو الضفة الغربية.
إن مفهوم “الإصلاح” الذي يُطرح اليوم لم يعد يقتصر على تطوير الأداء الإداري أو مكافحة الفساد، وهي مطالب مشروعة بطبيعة الحال، بل بات يتسع ليشمل إعادة صياغة البنية السياسية والمؤسساتية الفلسطينية، وإعادة تعريف أولويات الإنفاق والسياسات العامة، بل وحتى التأثير في المناهج التعليمية والخطاب الوطني.
ومن هنا، فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بأزمة مالية خانقة، وإنما بمحاولة إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني ضمن ترتيبات إقليمية ودولية تتقاطع مع تصورات “اليوم التالي” للحرب على غزة، ومع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لمستقبل السلطة الفلسطينية.
إن تحويل أموال الشعب الفلسطيني إلى أداة ضغط سياسي يتعارض مع أبسط قواعد القانون الدولي، لأن أموال المقاصة ليست مساعدات أو منحًا مشروطة، بل هي حقوق مالية فلسطينية خالصة جرى تحصيلها بموجب اتفاقات قائمة. وبالتالي فإن أي محاولة لوضعها تحت وصاية خارجية أو ربطها بشروط سياسية تمثل انتهاكًا واضحًا للحقوق الوطنية الفلسطينية ولمبدأ حق الشعوب في السيطرة على مواردها.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو القيادة الفلسطينية أمام اختبار بالغ الحساسية، يتطلب وضوحًا وشفافية ومصارحة وطنية شاملة بحجم التحديات القائمة، لأن التعامل مع ما يجري باعتباره أزمة عابرة أو مجرد خلاف مالي لن يغير من حقيقة أن القضية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الصراع على القرار والسيادة والهوية السياسية للنظام الفلسطيني.
إن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة إعادة بناء الموقف الوطني على قاعدة الشراكة السياسية وتعزيز الجبهة الداخلية، إلى جانب العمل الجاد على تقليل الارتهان الاقتصادي للخارج، وتنويع مصادر الدعم، والتحرك قانونيًا ودبلوماسيًا لفضح سياسات الابتزاز المالي التي تستخدم ضد الشعب الفلسطيني.
فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة أموال ورواتب، بل معركة على مستقبل القرار الوطني الفلسطيني، وعلى ما إذا كانت السلطة الفلسطينية ستبقى إطارًا وطنيًا يعبر عن الإرادة الفلسطينية، أم تتحول تدريجيًا إلى كيان إداري خاضع لشروط الممولين وتوازنات القوى الدولية.
وفي لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعب الفلسطيني، وقدرته على حماية مشروعه الوطني من محاولات الاحتواء وإعادة التشكيل تحت ضغط الأزمات المالية والسياسية، لأن الشعوب التي تفقد السيطرة على قرارها الاقتصادي، تصبح أكثر عرضة لفقدان قرارها السياسي والسيادي.




